كلما ازدادت وتيرة اضطهاد مسلمي الروهينجا في ميانمار، تزايد في المقابل الحديث عن ضرورة احترام حقوق الإنسان والديمقراطية والتنوع والتعايش؛ ما يجعل الأزمة أسيرة مصطلحات بعينها مثل «الاضطهاد العرقي»، و«الصراع الإثني»، وحتى «التطهير العرقي».

للأزمة أبعاد إنسانية واضحة، في ظل مقتل أعداد كبيرة من المسلمين في ميانمار، واعتقال آخرين، وتشريد مجموعة ثالثة، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها هذه الأقلية وسط صمت عالمي كبير. إلا أن اضطهاد مسلمي الروهينجا بهذا الشكل يعود في أحد جوانبه إلى أبعادٍ اقتصادية؛ إذ تختفي وراء السياسة الحكومية تجاه المسلمين في ميانمار رغبة قوية في الاستيلاء على أراضي المسلمين بسبب احتياطات النفط، وحركة التجارة مع الجارة الصين.

فتِّش عن جذور الأزمة

يشكل المسلمون في ميانمار أو بورما، وهي إحدى الدول الواقعة شرق آسيا، أقلية أمام الأغلبية البوذية، وينحدر معظم السكان المسلمين من إثنية الروهينجا التي تمتد جذورها إلى الهند والصين، ويعيش الروهينجا منذ عقود في غرب ميانمار، وبالتحديد في إقليم أراكان، ويتحدث هؤلاء المسلمون السنة لهجة من لهجات اللغة الشيتاجونية، وهي لهجة بنجالية مستخدمة في جنوب شرق بنجلادش. 

وتبلغ نسبة الأقلية المسلمة في ميانمار 4% من إجمالي عدد السكان الذي يصل إلى 53 مليون نسمة، بحسب الإحصاءات الرسمية، ولا تعترف السلطات في ميانمار بالروهينجا مكونًا من مكونات الدولة، وتصفهم بأنهم مهاجرون جاءوا من بنجلاديش؛ كما ترفض الحكومة منحهم الجنسية البورمية، وتحرمهم من كل حقوق المواطنين ومنها حق الدراسة والعلاج والعمل وغيرها.

منذ عام 2011، أي بعد حل المجلس العسكري الذي حكم البلاد لأكثر من نصف قرن، تزايد التوتر بين الطوائف الدينية في البلاد، إذ تصدرت حركة «رهبان بوذيون قوميون» في السنوات الأخيرة، حملات الكراهية والقمع ضد المسلمين، باعتبارهم يمثلون «تهديدًا لميانمار؛ البلد البوذي».

بدءًا من 2015، انتقل استهداف جيش ميانمار للروهينجا من مجرد الاضطهاد والقمع إلى التطهير العرقي، بدعوى أنهم لا ينتمون إلى شعب ميانمار، وهو تطوُّر تحيط به العديد من علامات الاستفهام، وتتصدَّر الأبعاد الدينية محاولات تفسير ظاهرة اضطهاد المسلمين في البلد الأسيوي، حتى أن البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، وجه في وقت سابق انتقادًا لاذعًا للأعمال الوحشية التي ترتكب بحق مسلمي الروهينجا في ميانمار، وقال إنهم تعرضوا للتعذيب والقتل فقط لأنهم مسلمون. 

لا يمكن إنكار دور الاضطهاد الديني فيما يتعلق بوضع الروهينجا في ميانمار، إذ كان هذا الاضطهاد أقوى من أي تحولات ديمقراطية شهدتها البلاد، بل إن الأوضاع تأزمت أكبر مع حل المجلس العسكري، وبالرغم من تفاؤل العالم بوصول حزب رئيسة الوزراء الحالية، أونج سان سوتشي للسلطة؛ لتاريخها النضالي من أجل حماية حقوق الإنسان، إلا أن قمع الدولة والجيش للأقلية المسلمة تزايد بشكل كبير، ما دفع سوتشي نفسها لمحاولة تبرير الوضع عبر اتهام المسلمين بـ«الإرهاب».

بيدَ أن الاضطهاد الديني لم يكن السبب الوحيد أو الأقوى لاستهداف الأقلية المسلمة في ميانمار بهذا الشكل الممنهج، والمتزايد منذ عام 2015، إذ تقف أسباب أخرى، اقتصادية بالأساس، وراء هذه الظاهرة. لتوضيح ذلك، سننتقل إلى إقليم أراكان؛ للتعرف على موقعه الحيوي وموارده المتعددة. 

إقليم المسلمين.. السر في الموقع

يشكل المسلمون ما يقرب من نصف السكان في إقليم أراكان المهم في ميانمار، ويشغل الإقليم موقعًا استراتيجيًا حيث يقع على الساحل الغربي، يحده من الشمال الصين، وخليج البنغال من الغرب، وبنجلادش من الشمال الغربي، ويعتبر أراكان من أغنى أقاليم ميانمار بالموارد الاقتصادية، ويضم أراضٍ زراعية شاسعة تتوافر فيها الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي، فضلًا عن الموارد البحرية من خليج البنغال. كما أن الإقليم يعتبر المعبر الأساسي للمصالح الاقتصادية والتجارة بين الصين وميانمار، ويضم أهم أنابيب الغاز والنفط الصينية، ولهذه المصالح قصَّة تبين محل الاقتصاد من الإعراب على الخريطة الأوسع لأزمة الروهينجا.

سياسة

منذ 3 سنوات
رئيسة وزراء بورما ليست وحيدة.. تعرَّف على 4 «سفاحين» حصلوا على جائزة نوبل للسلام

ساهم اكتشاف حقل غاز ضخم، في خليج البنغال قرب السواحل الميانمارية في 2004، في زيادة أهمية الإقليم الاستراتيجية والاقتصادية، وفي 2008، حصلت مؤسسة البترول الوطنية الصينية، ثالث أكبر شركة نفط بالعالم، على حقوق الانتفاع لحقل الغاز، الذي بدأ العمل فيه في 2009، وتولت إنشاء أنابيب نفط وغاز من إقليم أراكان، موطن الروهينجا، وصولًا إلى ولاية «يونان» جنوب غربي الصين.

كان إقليم أركان أيضًا محور صفقة أخرى بين الصين وميانمار وقعت في 2009، حيث تحصل الأخيرة على 13 مليون دولار سنويًّا، مقابل استئجار أراض في الإقليم تبني عليها الأولى أنابيب لنقل النفط والغاز. ومن المقرر أن تنقل أنابيب الغاز سنويًا نحو 12 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين، بينما تنقل أنابيب النفط المجاور 22 مليون طن (ما يعادل 260 ألف برميل يوميًا).

وبالإضافة إلى ذلك، يقع حقل غاز «شوي» وأنبوب النفط الموازي، ذي الأهمية الاستراتيجية للمصالح الجيوسياسية الصينية، في إقليم أراكان، ومن المشاريع الصينية الأخرى في الإقليم، «المنطقة الاقتصادية الخاصة في كياوك بيو» المدينة الواقعة في أراكان.

لم يكن تأثير هذه المصالح الاقتصادية على الأزمة خافيًا؛ فمنذ 2009، كانت المشاريع المشتركة بين الصين وميانمار في إقليم أركان سببًا للعديد من التظاهرات المناهضة لهذه الخطط، وقدم السكان شكاوى متعددة للجهات الحكومية بسبب تسبب هذه المشاريع في تلوث مياه الأنهار وتدمير الممتلكات العامة، وما زاد الأمر سوءًا بالنسبة للسكان أن مؤسسة البترول الصينية لم توفر فرص عمل للسكان المحليين في إطار المشروع، ما تسبب في غضب شعبي كبير، تسبب في إرجاء الصين تشغيل خطوط الأنابيب إلى 2014. 

اضطهاد ديني أم طمع في الثروات؟

بالنسبة لبعض المحللين تفسر الاحتجاجات الشعبية ضد المشاريع الاستثمارية في أراكان، واكتشافات حقول النفط والغاز، والبنية التحتية النفطية في الإقليم، لجوء الجيش الميانماري للعنف المتزايد ضد مسلمي الروهنجيا منذ 2011 ضد المسلمين، وتصاعد وتيرة الاستهداف أكثر بعد 2014، لوأد بؤر الاشتعال في المنطقة الهامة اقتصاديًا. في الواقع يحرص الجيش في ميانمار على منع أي تمرد محلي يمكن أن يعطل الخطط الاقتصادية، والسيطرة على موارد إقليم أراكان سيطرة كاملة.

ويؤكد عدد من الباحثين الذين استطلع الكاتب إيمانويل جيوردانا في تقرير نشر على موقع «resetdoc.org» أن السياسة الرامية لإجبار أبناء الأقلية المسلمة على الرحيل من البلاد، لا يرتبط فقط بالرهاب الديني وإحياء الهوية البوذية، ولكن أيضًا بمشروع اقتصادي للاستيلاء على الأراضي التي يمتلكها ويعيش عليها هؤلاء المسلمون، وتدشين مشاريع النفط والغاز والبنية التحتية.

ومنذ التسعينيات، قامت الحكومة العسكرية آنذاك (التي حل مكانها في عام 2015 أول حكومة مدنية منذ عقود) بتدشين سياسة الاستيلاء على الأراضي التي تعتبرها غير مستغلة، وتستند الفكرة على أن الشركات الخاصة التي تملك رؤوس أموال ضخمة، يمكنها الاستفادة أفضل من هذه الأراضي.

ومن ثم، استهدف النظام في ذلك الوقت، الأراضي غير المزروعة والغابات، وكذلك قطع الأراضي الصغيرة التي يملكها المزارعون المسلمون، وصادر 1.2 مليون هكتار. واستندت الحكومة في ذلك على القانون الذي يحرم الأفراد الذين لا يحملون الجنسية البورمية من تملك الأراضي والعقارات، واعتبرت الأراضي التي يملكها المسلمون بالتالي غير مستغلة. 

هذا يوضح أن العامل العرقي ربما لم يكن سوى معبر يحاول النظام استغلاله للحصول على موارد المنطقة، وهو ما يفسر، في أحد جوانبه الأزمة، تزايد القمع، والتهميش، والاستهداف الممنهج، في ضوء أيضًا أن مسلمي الروهينجا لا يملكون حق التصويت لأنهم ليسوا مواطنين في نظر النظام، ما يضطر أبناء الأقلية المسلمة للهروب من البلاد، مشكلين واحدة من أكبر الجاليات في الشتات في العالم.

وفي أراكان، يعيش في الوقت الحالي أكثر من مليون مسلم، رغم عدم موثوقية هذا التعداد الرسمي. لكن الروهينجا في المهجر ربما يتخطون هذا العدد، إذ يعيش 200 ألف في السعودية، و10 آلاف في الإمارات العربية المتحدة، و350 ألف في باكستان، و40 ألف في الهند، و5 آلاف في تايلاند، و150 ألف في ماليزيا، والألاف في دول أوروبية منها ألمانيا.

ويعكس الهروب المستمر للأقلية المسلمة من ميانمار نجاح استراتيجية الأنظمة التي حكمت البلاد لعقود، سواء كان دافعها الاضطهاد الديني، أو السيطرة على الأراضي التي يملكها هؤلاء المسلمين، والاستثمار بموارد إقليم أراكان الغني.

لماذا لا يتحرك العالم بجدية لحل هذه الأزمة؟ 

رغم القمع الممنهج للأقلية المسلمة في ميانمار، لا تحرك دول كثيرة في العالم ساكنًا، ما يثير علامات استفهام كثيرة. لكن كلما تعقدت الأمور في أي بقعة من العالم، ينصح الخبراء عادةً بالتفتيش عن المصالح الاقتصادية، وفي هذا الإطار، قالت يوريكو كاوبر سميث، عضو مجلس إدارة مبادرة تنمية الروهينجا الكندية غير الحكومية، لوكالة أنباء الأناضول: إن الهند والصين على سبيل المثال يملكان مصالح اقتصادية استراتيجية في ميانمار.

وتابعت يوريكو كاوبر سميث أن حكومة ميانمار وافقت مؤخرًا على اتفاقية الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار، والتي تعد جزءًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية، وأوضحت أن الممر الاقتصادي يمر عبر ماندالاي ويانجون في الصين، ويصل إلى ساحل ميانمار في منطقة كياوكفيو الاقتصادية الخاصة (SEZ) في ولاية أراكان.

وأضافت: «لا تريد الهند ولا الصين أن تحبط هذه المصالح وهذا الوضع القائم بأي نوع من التدخل الدولي، وبالتالي لم تناقش أي حكومة قضية الروهينجا مع حكومة ميانمار». وقللت من أي توقعات باتخاذ الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي «الناتو» إجراءات ضد قمع الروهجينا، قائلة: «تبدو هذه الاحتمالية منخفضة، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس من محبي نظام الأمم المتحدة أو العدالة العابرة للحدود».

وعن المملكة العربية السعودية تقول يوريكو: «على الرغم من أنها دولة مسلمة لديها عدد كبير من اللاجئين من الروهينجا، إلا أن السعودية لها أيضًا مصالح اقتصادية في ولاية أراكان مما يقلل من احتمالية تحدثها ضد الدولة البورمية»، وتضيف أن المناخ العالمي لكراهية الإسلام والخوف من الإرهاب، فضلًا عن عدم وصول المراقبين الدوليين إلى ولاية أراكان، يقلل من احتمال التدخل الدولي في ميانمار».

هل يعمق «كورونا» العنف ضد المسلمين؟

صحيح أن العنف والقمع الممنهج بحق المسلمين في ميانمار يرتبط في جانب كبير منه بالحوافز الاقتصادية التي يرغب النظام الحاكم في جنيها من وراء الأراضي التي تقطنها هذه الأقلية في إقليم أراكان، بيد أن الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد جراء تفشي فيروس «كورونا» يمكن أن تمهد الطريق لموجة جديدة من القمع والأعمال الوحشية.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
المنافسة بين الصين والهند على ميانمار.. الحرب الباردة في جنوب شرق آسيا

في أواخر مايو (أيار) الماضي، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن تحليل مشاهد التقطتها أقمار صناعية أظهر اشتعال ما لا يقل عن 200 منزل مملوكين للأقلية المسلمة في قرية ليت كار في كانتون مروك يو في أراكان، ووفق المنظمة، وقع الحادث يوم 16 مايو الماضي، أي في خضم أزمة «كورونا» المستجد، وأثار مخاوف من موجة اضطهاد جديدة بحق الروهينجا.

ورغم أن ميانمار لم تسجل سوى عشرات حالات الإصابة بفيروس «كورونا» المستجد، إلا أنها مهددة بتداعيات اقتصادية صعبة على المدى القريب والمتوسط، بسبب ارتباط اقتصادها بشكل كبير، بحركة التجارة العالمية، وتجارة النفط والغاز، وأدى الإغلاق الكامل والجزئي في العديد من دول العالم، إلى تراجع حركة التجارة وحجم النفط والغاز الذي يمر عبر ميانمار، وبالتالي تتعرض ميانمار في الوقت الحالي لتراجع كبير في العوائد المالية، كما أن صادرات البلاد من المواد الخام تعرضت لصدمات كبيرة خلال الأشهر الماضية، بسبب فيروس «كورونا» وتوقف الحياة الاقتصادية في الأسواق التقليدية وخاصةً أوروبا.

وأمام هذا الوضع الاقتصادي الصعب، يمكن أن يلجأ النظام الحاكم في ميانمار إلى شن موجة جديدة من العنف ضد الأقلية المسلمة، بغرض إلهاء الأغلبية البوذية عن التردي الاقتصادي، وحماية الحكومة من أي هبات جماهيرية مدفوعة بدوافع اقتصادية.

المصادر

تحميل المزيد