وفي هذا التقرير نسلط الضوء بالسرد والتحليل على أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة السعودية، والحلول المقترحة ومدى جدواها بالاستعانة بتقرير ماكينزي وعدد من الأرقام والإحصاءات الاقتصادية للمملكة:

انتظار العالم أن يصبح أفضل ليس حلا”

هكذا أكد جوناتان ويتزل ، مدير معهد مكانزي الاستشاري العالمي، في الإشارة إلى مشكلة انخفاض أسعار النفط بالنسبة للسعودية، والذي طالب ـ في تقرير لـ”ماكينزي” ـ الحكومة السعودية بـ”اتخاذ اجراءات اقتصادية لتجنب البطالة والعجز والديون” خلال الـ 15 عاما القادمين، وارتكزت توصيات التقرير بشكل أساسي على زيادة فتح مجال استثمار القطاع الخاص في المجالات المختلفة، وتأهيل الكوادر السعودية لتصبح قوة عمل فاعلة، بالإضافة إلى تطوير الخدمات الحكومية بتحقيق التنسيق بين الوزارات، ووضع نظام تقييم للأداء يحدد الأولويات ويحاسب المقصرين.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء بالسرد والتحليل على أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة السعودية، والحلول المقترحة، ومدى جدواها بالاستعانة بتقرير ماكينزي وعدد من الأرقام والإحصاءات ذات العلاقة بالأوضاع الاقتصادية في المملكة.

(1) انخفاض أسعار النفط

تمثل تلك المشكلة أحد أهم المشكلات بالنسبة للاقتصاد السعودي، والتي تتفاقم بسبب اعتماد السعودية على النفط كمورد رئيس لإيرادات الحكومة.

ففي صيف 2014 كان سعر برميل النفط الواحد يتجاوز 100 دولار، ولكنه انخفض في هذا العام بشكل حاد ليصل إلى 40 دولار فقط، وأدى تقلص عائدات النفط السعودية – أكبر مصدر للنفط في العالم- بسبب انخفاض سعره عالميا، إلى عجز لم يحدث للمملكة منذ 2009، وانخفاض الاحتياطي الأجنبي إلى أقل مستوى له منذ ثلاث سنوات، كما يتوقع أن يؤدي ذلك إلى انخفاض عجز الموازنة هذا العام ليصل إلى أكثر من 100 مليار دولار.

ويمثل انخفاض أسعار النفط الخام مشكلة كبيرة للسعودية التي لا تستطيع أن تتحكم في تلك الأسعار وحدها، وبالأخص مع رفض السعودية تقليل إنتاجها من النفط في ظل وجود تخمة ركود في سوق النفط العالمي رغبة منها في الحفاظ على حصتها السوقية، استباقا لدخول النفط الإيراني إلى الأسواق في 2017 عقب الاتفاق النووي.

(2) تقلص عائدات الحكومة

يوفر النفط 80 % من عائدات الحكومة السعودية، وتنتج حوالي 10 مليون برميل نفط شهريا، ومع انخفاض أسعار النفط زادت المطالبات بأن تنوع المملكة من مصادر إيراداتها، وأن تعتمد بشكل كبير على مصادر “غير نفطية” للدخل.

وفي هذا الصدد نصح “ماكينزي” السعودية بضخ استثمارات تبلغ قيمتها 4 تريليون دولار في قطاعات أخرى، مثل: التعدين والمعادن والبتروكيماويات والصناعات التحويلية وتجارة التجزئة والسياحة والرعاية الصحية والتمويل والبناء.

وهذا سيؤدي في عام 2030 ـ وفقا لماكينزي- إلى” ارتفاع الإيرادات غير النفطية من 10 % إلى 70% ، وسيضاعف قوة الاقتصاد السعودي“.

(3) زيادة الدعم الحكومي على الطاقة

مع تفاقم أزمة انخفاض أسعار النفط، والتي أدت إلى خفض الادخار السعودي إلى 640 مليار دولار بنهاية أكتوبر المنصرم، فإن الدعم الحكومي “السخي” يزيد الطين بلة، ويتنبأ صندوق النقد الدولي أنه باستمرار سياسات الإنفاق الحكومي الحالي فمن المتوقع أن تتلاشى المدخرات السعودية خلال 5 أعوام فقط!

ويفيد صندوق النقد بأن “السعودية تنفق حوالي 107 مليارات دولار سنويا على الدعم، منها 86 مليار دولار على البترول و10 مليارات على الغاز الطبيعي“.

ويبلغ سعر لتر البنزين مثلا 15 سنتا أمريكيا، وأدى هذا الدعم الكبير إلى أن جعل أسعار النفط داخل السعودية من الأسعار الدنيا في العالم ككل، مما أدى إلى زيادة الاستهلاك الداخلي للنفط الذي بلغ 3 مليون برميل يوميا بزيادة 5% من متوسط معدل الاستهلاك سنويا، كما يبلغ متوسط استهلاك المواطن السعودي من الكهرباء ضعف المعدل العالمي.

ولفت تقرير لبي بي سي في هذا الصدد عن دراسات عن طاقة نشرت العام الماضي أفادت بأن كل 1000 فرد في المملكة العربية السعودية يستهلكون ما يقارب 110 براميل نفط يوميًا، مقارنة بنفس العدد في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يستهلكون 60 برميلا يوميًا، والصين ستة براميل يوميًا“.

وتفيد تقارير صحفية أنه من المتوقع مع بداية العام الجديد أن تبدأ السعودية في رفع الدعم عن الطاقة كمحاولة لحل الأزمة، ولكن قد يؤدي ذلك إلى انخفاض الدخل الشهري للأسرة بمعدل الخمس ليصل إلى 3000 دولار، وقد يؤدي أيضا إلى معاناة الطبقات الفقيرة في السعودية التي تستفيد بشدة من هذا الدعم.

(4) هيمنة القطاع الحكومي

تسيطر الحكومة السعودية بشكل كبير على الاقتصاد السعودي والمشاريع الاستثمارية في مختلف القطاعات في غياب لافت للقطاع الخاص.

ولكن الحكومة السعودية عملت على تقليص ذلك الدور وخفضت من إنفاقها العام على المشروعات خلال العقد الأخير انخفاضا بلغ 80 مليار دولار، وتلفت تقارير صحفية إلى أن السعودية ستتجه إلى خصخصة الصناعات المملوكة للدولة، كما أوصى تقرير “ماكينزي” إلى ضرورة أن يسهم القطاع الخاص بالنصيب الأكبر من استثمارات الـ4 تريليون دولار، وتستهدف خطة ماكينزي بأن يبلغ نسبة مساهمة القطاع الخاص من إجمالي الناتج المحلي 84%.

(5) البطالة المحلية والعمالة الأجنبية

تبلغ نسبة البطالة في السعودية العام الماضي حوالي 11.7%، ويعاني حوالي 40 % من “الشباب” السعودي من البطالة، قي الوقت الذي تتزايد فيه نسبة العاملين الأجانب في القوى العاملة داخل السعودية لتصل إلى حوالي 55 %.

وفي هذا الصدد طالبت مؤسسة ماكينزي السعودية بـ”مضاعفة معدل توفير فرص العمل 3 مرات لمواجهة سوق العمل المتوقع أن يتضاعف ليبلغ 10 مليون بحلول عام 2030

ولفتت ماكينزي إلى أن الاستثمارات التي تبلغ قيمتها 4 تريليون دولار ستوفر 6 ملايين فرصة عمل، وستخفض نسبة البطالة لتصل إلى 7 % ، وستؤدي خطة ماكينزي إلى زيادة نسبة السعودي المشاركين في القوى العاملة من 41% إلى 60% في الوقت الذي تنخفض فيه نسبة العمالة الأجنبية المشاركة في القوى العاملة من 55 % لـ 26 %.

(6) الحرب في اليمن والتهديدات الأمنية:


وإن ارتبط العنوان بشكل أكبر سياسيًا وأمنيًا فهذه العوامل بالطبع له انعكاسات اقتصادية فالسعودية منذ أن دخلت الحرب في اليمن في مارس الماضي تكلفت مليارات الدولارات، وإن حقق التحالف بعض الانتصارات لمعسكر الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي” حتى تمكنوا من تحرير عدن في نهاية يوليو وإقامتها عاصمةً مؤقتةً لـ”هادي”.

ولكن انتشرت موجة من الاغتيالات في عدن كان آخرها اغتيال محافظها “جعفر سعد” على يد تنظيم الدولة، مما يضرب باستقرار تلك العاصمة وإطالة أمد الصراع وهو ما قد يدفع لمزيد من الإنفاق السعودي لتحقيق أهداف المملكة السياسية هناك، وفي المقابل يمكن أيضا إلى اتجاه أطراف الصراع باليمن للوصول إلى حل سياسي قد يعجل من حلحلة الأزمة هناك.

كما تواجه الحكومة العديد من التحديات الأمنية الداخلية بتبني تنظيم الدولة عمليات دموية في السعودية، ذلك بالإضافة إلى مشاركة السعودية في التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة في سوريا، وكل هذه التحديات ستؤدي إلى زيادة الاهتمام السعودي بالإنفاق على التسليح والأغراض الأمنية، وقد اشتهرت السعودية بزيادة الإنفاق على التسليح: ففي عام 2014 احتلت السعودية المرتبة الثالثة عالميا بعد أمريكا والصين كأكبر دولة اشترت أسلحة بصفقات بلغت قيمتها 82 مليار دولار.

وقد حذرت ماكينزي من أن استمرار السعودية في سياستها الحالية دون عمل أية إصلاحات اقتصادية، على اعتبار أن ذلك سيؤدي إلى” تدهور الموارد المالية للحكومة وتحول معدلات الأصول الاحتياطية الحالية البالغة 100% من الناتج المحلي الإجمالي إلى صافي دين يبلغ 140% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030

في الوقت الذي لفتت فيه ماكينزي إلى أن تطبيق خطتها ستؤدي إلى مضاعفة الناتج المحلي بزيادة 800 مليار دولار بحلول عام 2030

المصادر

تحميل المزيد