يبدو أن أزمة انخفاض أسعار النفط، التي اشتدت على المملكة العربية السعودية مطلع العام الجديد، حتّمت عليها إيجاد بدائل غير نفطية، وإقامة «إصلاحات» اقتصادية،قد تُزيد الأعباء على السعوديين بشكل لم يعتادوا عليه مُنذ عقود طويلة. مع إمكانية تحول اقتصاد المملكة من الريع إلى الإنتاج.

كشف الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، ووزير الدفاع السعودي،عن صندوق استثماري ضخم بتمويلات تصل قيمتها إلى تريليوني دولار. وتحدث في حوار مطول مع وكالة «بلومبرج» للأنباء، في الأول من أبريل (نيسان) 2016، عن خططٍ اقتصادية، تُعد لها السعودية، للانتقال إلى عصر ما بعد النفط. بُغية تجنب مزيدٍ من الأزمات نتاج انهيار أسعار النفط، الذي لا تستطيع السعودية وحدها التحكم فيه.

يزعم من بات يُعتبر الرجل الأوّل في المملكة، أن بلاده أصبحت جاهزة لـ«أفول نجم النفط»، وانتهاء عصره، وذلك بفضل امتلاكها «أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم»، على حد تعبيره. وتُعد إحدى أهم مرتكزات الرؤية السعودية لتحقيق ذلك، أنها ستبيع العام القادم،أو ربما الذي يليه، أقل من 5% من أسهم شركة «أرامكو» السعودية النفطية، وجعلها تكتلًا صناعيًا، بتحويل أسهمها إلى صندوق الاستثمارات العامة، «كي تكون مصدر عوائد للحكومة السعودية، بعيدًا عن النفط»، على حد وصف بن سلمان، الذي أكّد على ضرورة تنويع الاستثمارات، لتصبح البلاد بعد 20 عامًا، دولة لا تعتمد على النفط بشكل رئيس.

آمال معقودة على الصندوق التريليوني

وعلى ما يبدو، فإن آمال المملكة العربية السعودية، كبيرة في هذا الصندوق الاستثماري؛ لجلب مزيدٍ من الاستثمارات وتشغيلها داخل المملكة وخارجها، بتمويلات ضخمة، تُمكّن البلاد من شراء شركات عملاقة، مثل «أبل» و«مايكروسوفت» و«ألفا بيت» (الشركة الأم لجوجل) و«بركشيرهاثواي». كما يستهدف الصندوق رفع الاستثمارات الأجنبية من 5% الآن، إلى 50% بحلول 2020.

رؤية بن سلمان

تكلفة شراء الشركات الأربع الكبرى في الولايات المتحدة (المصدر: بلومبرج)

ووفقًا لابن سلمان، فإن الصندوق يمتلك حاليًا حصصًا في شركات كبرى، منها شركة الصناعات الأساسية السعودية «سابك»، وهي ثاني أكبر مصنع للبتروكيماويات في العالم. بالإضافةإلى البنك الأهلي، الذي يُعد أكبر مقرض في البلاد. كذلك استحوذ الصندوق على حصة نسبتها 38% من شركة «Posco» الكورية الجنوبية، مُقابل 1.1 مليار دولار، ووافق على شراكة بـ10 مليارات دولار للاستثمار في روسيا.

بالإضافة إلى تلك التدابير لرفع العائدات غير النفطية، تسير السعودية نحو فرض رسوم جديدة وضريبة مبيعات، في سياق ما اسماه بن سلمان «رفع كفاءة الإنفاق»، لافتًا إلى أن الحكومة كانت مُعتادةً في السابق، الإنفاق حتى 40% من المخصص لها في موازنتها، لكن هذه النسبة تراجعت بفارق كبير، العام الماضي، وصولًا على 12% فقط!

وكانت السعودية، قد أعلنت أنها لن تُجمّد إنتاجها من النفط، إلا إذا التزمت الدول المصدرة بالقرار، ليعقب ذلك الإعلان انخفاض في سعر برميل النفط إلى ما دون الأربعين دولار، وصولًا على 38.7 دولار.

الرؤية السعودية على خُطى توصيات «ماكينزي»؟

تبدو الخطة السعودية الجديدة، مُتسقة مع عدد من توصيات شركة ماكينزي للاستشارات، التي أدلت بها نهاية العام الماضي، بخاصة في الجوانب المرتبطة بتقليص الدعم على المواطنين، وتنويع مصادر الدخل غير النفطية، إلا أن الرؤية السعودية المُعلنة، لم تُحدد إمكانية خلق فرص عمل للسعوديين لخفض نسب البطالة، وتقليص هيمنة العمالة الأجنبية على سوق العمل السعودي، عكسَ ما أوصت به «ماكينزي».

رؤية بن سلمان

سيطرة النفط على عائدات الناتج المحلي السعودي (المصدر:بلومبرج)

وفي الوقت الحالي، يُهيمن النفط على النسبة الأكبر من عائدات الناتج المحلي السعودي، بنسبة تصل إلى 80%، وتُنتج السعودية حوالي 10 ملايين برميل نفط يوميًا، ومع انخفاض أسعار النفط، زادت المطالبات بأن تُنوّع المملكة من مصادر إيراداتها، وأن تعتمد بشكل كبير على مصادر «غير نفطية» للدخل.

وفي هذا الصدد نصحت ماكينزي، السعودية، بضخ استثمارات بقيمة أربعة تريليون دولار، في قطاعات أخرى، مثل التعدين والمعادن، والبتروكيماويات، والصناعات التحويلية، وتجارة التجزئة، والسياحة، والرعاية الصحية، والتمويل والبناءP إذ يُتوقع أن يُؤدي ذلك في 2030، إلى ارتفاع الإيرادات غير النفطية من 10% إلى 70%، وأن يُضاعف قوة الاقتصاد السعودي، كما تُوصي ماكينزي.

من جانبها، رفعت الحكومة السعودية، أسعار الوقود ومشتقاته، وكذا الكهرباء والمياه، بنسبة تصل إلى 67%، في الموازنة المالية الحالية. وتُفيد تقارير صحافية، إلى أن رفْع الدعم عن الطاقة، قد يؤدي إلى انخفاض الدخل الشهري للأسرة، بمعدل الخُمس، ليصل إلى ثلاثة آلاف دولار، وقد يؤدي أيضًا إلى معاناة الطبقات الفقيرة في السعودية، التي تستفيد بشدة من هذا الدعم.

مستقبل بلا معالم واضحة للعمالة السعودية

من ناحية أخرى، بلغت نسبة البطالة في السعودية عام 2014، حوالي 11.7%، فيما يعاني حوالي 40 % من الشباب السعودي من البطالة، في الوقت الذي تتزايد فيه نسبة العمالة الأجنبية، وصولًا إلى 55%. وفي هذا الصدد أوصت مؤسسة ماكينزي بـ«مضاعفة معدل توفير فرص العمل لثلاث مرات، لمواجهة سوق العمل المتوقع أن يتضاعف، ليبلغ 10 مليون بحلول 2030.

ومن المفترض أن توفر الأربعين تريليون دولار استثمارات، ستة ملايين فرصة عمل، لتخفض نسبة البطالة إلى 7%، وبذلك ترتفع نسبة السعوديين المُشاركين في سوق العمل، من 41% إلى 60%، وتنخفض العمالة الأجنبية، من 55% إلى 26%. مع ذلك، لم تُحدد الرؤية السعودية المعلنة، إذا كانت ستعمل في اتجاه تمكين العمالة السعودية، أم لا.

هل يتحول الاقتصاد السعودي من «الريع» إلى الإنتاج؟

مع إعلان الرؤية الاقتصادية الجديدة للسعودية، تُطرح الأسئلة حول ما إذا كان الاقتصاد السعودي في طريقه للتحول من الريع إلى الإنتاج. أغلب الظن، خلال الفترة القريبة القادمة على الأقل، فإن أسبابًا سياسية واجتماعية، قد تحول دون ذلك، وهو ما يُفصّل فيه الباحث المصري مُصطفى عبد الظاهر في الحوار التالي الذي أجراه معه «ساسة بوست».

  • في رأيك: كيف ستؤثر تلك الإصلاحات الاقتصادية، على المجتمع الذي اعتاد المعيش على فائض الريع؟

علينا ألّا نُحمِل هذه النوايا الإصلاحية أكبر مما تحتمل، فحتى مع إتمامها بشكلها المذكور، لن يتحول الاقتصاد السعودي فجأة من الريع إلى الإنتاج، لعدّة أسباب:

أولها: أن التحول من الاقتصاد الريعي عملية تستغرق عقودًا طويلة، ناهيك عن تأثيراتها غير المباشرة على المجتمع. فمن حيث المفهوم، يوفر الاقتصاد الريعي للدولة فرصة كبيرة لفرض هيمنة واسعة على المجتمع، وتعزيز المساحات السلطوية، ومن ثم إضعاف بقية الفاعلين الاجتماعين، المحرومين من تملك وسائل الإنتاج بطبيعة الحال. لذلك يتطلب الأمر فترات طويلة؛ كي تنضج الفئات الاجتماعية، التي يمكن أن تحتل تلك المساحات، التي من المفترض أن تخلفها الدولة فارغة.
ثانيًا: لأن الاقتصاد الريعي، هو ضمانة استمرار النظام السعودي بشكله السلطوي الحالي، والممتد منذ نشأة الدولة. أما تجارب التنويع الاقتصادي، أو بالأحرى «نوايا» التنويع الاقتصادي، فكانت هدفًا مأمولًا لفترات طويلة، في سياسات عدّة دول عربية، منها العراق وقطر والكويت والسعودية، وحتى الإمارات العربية المتحدة، التي تُعدّ أكثر هذه الدول تنويعًا، وأقلها اعتمادًا على النفط، إلا أن جميع هذه الدول بقيت ـ في نهاية المطاف ـ تعتمد بشكل رئيس على صادرات النفط؛ وذلك لأن التنويع الاقتصادي، وما يتطلبه من تغييرات اقتصادية هيكلية، أمر يُنذر الحكومات بتمكين فئات اجتماعية أخرى، من أدوات الإنتاج، ومن ثم؛ يُنذر بغرس بذرة معارضة غير مرحب بها على كل حال.

ثالثًا: حتى في تجارب التنويع الاقتصادي الناجحة إلى حد ما، مثل إيران وبتسوانا وماليزيا، كانت هناك روافد اجتماعية وبنائية، تدعم ترسيخ قاعدة صلبة لمثل هذه التغييرات، كوجود دوائر اقتصادية بديلة (النشاط الصناعي، وقطاع السيارات في إيران على سبيل المثال)، وهو ما تفتقده السعودية، بالإضافة إلى انفتاح الدول على عقد تحالفات سياسية جديدة، مع الطبقات المستفيدة من التغييرات الاقتصادية الهيكلية، وهو أيضًا أمر يصعب تحقيقه في الحالة السعودية؛ نظرًا للوضع السياسي الداخلي المضطرب، منذ تولي الملك سلمان سدة الحكم، فضلًا عن الفرص «الجيوسياسية» و«الاستراتيجية» القوية (كما في حالة إيران أيضًا)، وهو ما تفتقده السعودية؛ بسبب الوضع السوري واليمني، والاضطراب الشرق أوسطي عمومًا.

رابعًا: لأن القطاع الخاص السعودي، معتمد بشكل كبير على الصناعات النفطية والتكميلية، وهو ما يؤدي إلى صعوبات جمّة، في فرص تكيف المؤسسات الاقتصادية المختلفة، مع حالات إعادة الهيكلة، كما يُشير خُبراء الاقتصاد، وكما وضّح الدكتور عمرو عادلي، في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة السياسة الدولية بعنوان «مستقبل أسعار النفط والاستقرار السياسي»، وأقتبس منه توضيحه هذا: «ووجود ريع كبير، يشجع على أعراض (المرض الهولندي)، والذي تؤدي فيه تدفقات الريع البترولي، إلى انخفاض أنصبة الأنشطة الإنتاجية الصناعية بالأساس والزراعية، لصالح أنشطة خدمية، تؤدي غرض إعادة تدوير الريع، وبخاصة المقاولات والاستثمار العقاري. وينطبق الأمر نفسه على عدم القدرة على تطوير قدرات لتحصيل الضرائب، رغم الوعي من قبل الحكومات بمخاطر تذبذب الأسعار، ومن ثم الإيراد النفطي، وما لهذا من تبعات اجتماعية وسياسية محتملة، إذ يظل غالب المصدرين النفطيين، يعتمدون في الجزء الأكبر (بما يتجاوز ربما 70٪ من متوسط الإيراد الكلي)، على مبيعات النفط والغاز، التي تحصلها الدولة بشكل مباشر، دون المرور من القنوات الضريبية».

خامسًا: لأن تحول السعودية من الاقتصاد الريعي، أو على الأقل شروعها في خطوات جادة لإعادة هيكلة الاقتصاد، ليعتمد على التنويع- يستتبع عدة إجراءات سعودية، لرفع سعر النفط وتثبيت معدل الإنتاج، إلا أنه من غير المتوقع –كما يُشير عدة خبراء في الشأن الاقتصادي – أن تقوم السعودية بذلك؛ لعدة أسباب سياسية،منها: مصلحة السعودية في هذه الفترة، أن يظل سعر النفط عند معدلات منخفضة، وإن أثّر ذلك على اقتصادها سلبًا؛ أولًا لقطع سبيل تصاعد ثورة النفط الصخري الأمريكي، وثانيًا للحد من التدخل الروسي في الشأن السوري؛ نظرًا للآثار السلبية التي سيتكبدها بدوره من انخفاض سعر النفط، في مواجهة القدرة السعودية على تحمل الآثار السلبية ذاتها، نتيجة للاحتياطي النقدي الكبير، الذي تملكه، وثالثًا لتكبيد الاقتصاد الإيراني أكبر الخسائر الممكنة.

  • إذًا، إلى أي مدى يُمكن أن يتقبل المواطن السعودي، السياسة الاقتصادية الجديدة؟

هذه مشكلة عامة في الدول العربية؛ وهي عدم قدرة طبقات اجتماعية كبيرة على الفعل السياسي؛ نتيجة عدم قدرتها على تشكيل دوائر اقتصادية فعالة، وتزايد معدلات «زبونية» المجتمع لدى الدولة، فبقي النشاط السياسي محصورًا في الدوائر الحاكمة وتحالفاتها، نتيجة تغول الدولة على المساحات الاجتماعية، بما لها من قوة اقتصادية ريعية. وليس من اليسير أن تتخلى دوائر الحكم عن الاقتصاد الريعي، لصالح التنويع الاقتصادي؛ ببساطة لغياب الحافز.

ولو كان لنا أن ننظر بعين الاعتبار لتجارب سابقة في هذا الشأن؛ فالصين على سبيل المثال، دمجت قادة الفئات الجديدة المستفيدة من تدفق الدخل، داخل بنية الحزب الشيوعي، في أعقاب تغييرات اقتصادية هيكلية مماثلة؛ لتتجنب تعارض المصالح السياسية بين النخب الحاكمة، وبين المستفيدين من هذه الإصلاحات .
أما في الدول العربية، فقدرة المواطن عمومًا على المنافسة، ومن ثم إبداء الرأي أو الفعل السياسيين، قدرة ضعيفة في مثل تلك الأنظمة، وبالتالي فمع طبيعة تلك الإجراءات الاضطرارية، ومع القدرة الكبيرة للدولة السعودية – بخلاف منافسيها من الدول المعتمدة على النفط- على الصمود في وجه تلك الاضطرابات الاقتصادية، سيكون شغلها الشاغل، هو كيفية عبور تلك الأزمة بأقل قدر من التغيير الاقتصادي، وبأقل خسائر، فيم اعتاد عليه المواطن من دعم، ومن ثم أقل قدر من الاضطراب الداخلي.

وعلى كل حال في ظل ما يحدث، وفي ظل توقعات بعض الاقتصاديين؛ لأن الدولة السعودية ستتجه لفرض ضرائب جديدة على المواطنين والعمالة الوافدة؛ فالسعودية ليست بعيدة عن الاضطرابات الداخلية، إلا أنها دائمًا ما تكون اضطرابات محدودة، بسبب سرعة استجابة الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين المتعرضين «للحوافز المؤسسية» وهو ما يسميه المنظر السياسي البريطاني «مايكل هيكتر» بـ«احتواء القومية Containing Nationalism»، في كتاب له بنفس الاسم، وهو أمر لا يخفى تحققه على أي متابع للشأن السعودي.

  • أخيرًا، هل ترى أنّه من الممكن أن توفر الرؤية الاقتصادية الجديدة فرص عمل جديدة، تُقلل من نسبة البطالة السعودية؟ أم أن الاعتماد على العمالة الأجنبية سيستمر بنسبته الحالية، البالغة حوالي 55% من القوى العاملة؟

إجابة هذا السؤال متعلقة بشكل كبير بما قلته سابقًا؛ فمن المتوقع جدًا ـ إثر هذه الأزمة ـ أن تتوسع الدولة السعودية من توجهها نحو الاقتراض، واتخاذ عدة خطوات اقتصادية حذرة في اتجاه التعافي، إلا أن نتائج ذلك الإيجابية ستصب في خانة دعم الدولة للسلع الأساسية، والحفاظ على معدل المنح الاجتماعية بكافة صورها، للحفاظ على استقرار الوضع السياسي، وهيمنة السلطة الحاكمة وتحالفاتها. أما مردود ذلك، على تحسين فرص التوظيف والتخلي عن العمالة الأجنبية لصالح المواطن السعودي، لن يكون كبيرًا على أية حال؛ نظرًا لطبيعة تلك الإصلاحات، والتزام الدولة بمجموعة واسعة من مشروعات البنية التحتية، التي تتطلب دعمًا ماليًا كبيرًا.

عرض التعليقات
s