ضمن مشروع كبير أعده مركز كارنيغي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، تحت عنوان “إعادة النظر في العلاقات المدنية العسكرية: 2014-2015” ، يأتي هذه التقدير من إعداد دوروثي أول، هولغر ألبرخت، كيفن كولر، والتي تتناول الدوافع الحاكمة لمنظومة الولاء والهروب في الجيش السوري، وكيف صار المال عاملا مؤثرا في الحرب الدائرة في سوريا، سواء على جانب النظام أو المعارضة.

ويخلص التقدير إلى أن عمليات الفرار كان معظمها في صفوف الجنود العاديين، ولم تكن لأسباب طائفية، بقدر ما كانت شكلا من أشكال الاحتجاج ضد قمع المعارضة، ما دفع النظام إلى محاولة تعزيز ولاء ضباطه عبر امتيازات مالية، وقد ساهم الفساد المستشري في الجيش في تحقيق الرتب العليا لمكاسب مالية من الرشوة والتجارة في الوقود والسلاح مع المعارضة.

كما يلفت التقدير إلى أن الدوافع الاقتصادية كانت عاملا حاسما في اختيار بعض الفارين للقتال مع المعارضة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وأن شهاداتهم تشير إلى أن صفوف الفصائل المعارضة لا تخلو من فساد مالي، وعمليات تربح غير مشروع أيضا.

(1) الفرار من الجيش وعسكرة الثورة في سوريا

يبدأ التقدير بالتفريق بين مصطلحي الفرار والانشقاق، حيث يستتبع ثانيهما بالضرورة ترك الخدمة، كموقف سياسي، والانضمام إلى المعارضة بصورة رسمية، بينما يعني الأول عدم استكمال الفرد لمدة خدمته لأي سبب آخر. وتعد الانشقاقات الأولية في صفوف الجيش السوري هي البدايات الأولى لعسكرة الثورة، حيث ساعد المنشقون من الجنود والضباط ذوي الرتب الدنيا في تأسيس وحدات دفاعية؛ لمواجهة الدولة، وبحلول حزيران/يونيو 2012، تم تأسيس الجيش السوري الحر،  وهو أول التجليات العسكرية للمعارضة.

يشير التقدير إلى أن هناك حوالي 100 ألف جندي قد فروا من الجيش السوري حتى يوليو من عام 2014، سوى المجندين الذين تهربوا من الخدمة، حين تم استدعاؤهم. أسفر التهرب عن انخفاض أعداد الجيش السوري من 295 ألفا عام 2011 إلى 120 ألفا عام 2014 ، وهو ما اضطر الرئيس السوري إلى إصدار عفو جماعي عن الفارين من الخدمة خلال يوليو 2015؛ في محاولة لإعادتهم من جديد. معظم الفارين في العينة التي تم استطلاعها (90 شخصا) ينتمون إلى العرب السنة، والقليل منهم من الأكراد والدروز.

ما بين يونيو 2011 ومارس 2013 أعلن أكثر من 70 عسكريا انشقاقهم عن الجيش (عبر مواقع التواصل)، منهم 30 من كبار الضباط الذين انضموا إلى الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة، لم يحظ سوى القليل من الانشقاقات باهتمام إعلامي في هذا الوقت، وكان أبرزها مناف طلاس، وهو عميد في الحرس الجمهوري، ونجل وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس. وفي ذلك التوقيت توقع الكثير من المحللين انهيار جيش الأسد، حتى إن رئيس الوزراء الهارب رياض حجاب قد أعلن أن “جيش الأسد يتآكل، وأنه لا يسيطر سوى على 30% من الأراضي السورية”.

عبر عسكرة المعارضة، وتحويل النظام إلى ميليشيات، فإن ذلك ضمن للأسد أنه حتى إذا لم يكن قويا بما فيه الكفاية لكسب الحرب، فإنه لن ينهار إلى مستوى الضعف الذي يجعله يخسرها.

ووفقا للتقدير، فإن الأسد قد غير تكتيكاته؛ في محاولة للمحافظة على تماسك قواته، حيث اعتمدت على تكتيكات مكافحة التمرد، والتي تشمل القصف الشامل، مع الميليشيات غير النظامية، مثل: الشبيحة، وحزب الله، كما سعى إلى تعزيز سيطرته على الجيش عبر زيادة آليات الرقابة وحوافز الولاء، ومع دخول الميليشيات ساحات المعارك فقد كان ذلك إيذانا بالتحول إلى حرب أهلية.

(2) الهوية الطائفية ليست السبب الرئيس للفرار

ووفقا للتقدير، فإنه على الرغم من أن معظم الفارين هم من العرب السنة، فإنه لا يمكن تفسير الصراع وفق ديناميات طائفية؛ لأن الطائفية كانت نتيجة، وليست سببا، ويستدل على ذلك بأن السنة بأكملهم لم يتركوا الجيش السوري، وأنه لم يتم رصد محاولات انشقاق جماعية على أساس طائفي، بل إن معظم الانشقاقات الطائفية كانت فردية، الدليل الأوضح ـ ربما ـ هو أن معظم الفارين من السنة قد اختاروا الهرب إلى خارج البلاد، وليس قتال النظام بما أوحى أن التذمر لم يكن في الأساس لمظالم طائفية، بقدر ما كان احتجاجا على الرد العسكري العنيف من قبل النظام على المحتجين.

ووفقا للتقدير، فإنه قبل عام 2011 كان تكوين الجيش على مستوى ضباط الصف والجنود يعكس التنوع الطائفي للمجتمع السوري، على الرغم من تمثيل العلويين بشكل زائد في رتب الضباط، خاصة المتقدمة منها. كما كانوا يسيطرون على وحدات النخبة، مثل: الحرس الجمهوري، والفرقة المدرعة الرابعة.

بشكل عام لم يحظ التجنيد بشعبية في سوريا، وكان التهرب من التجنيد ظاهرة واسعة، ما اضطر النظام ـ تحت دافع القلق من زيادة المتهربين ـ إلى تقليص مدة الخدمة العسكرية من 21 شهر إلى 8 أشهر في عام 2011، سوى إصدار إعفاءات متكررة عن المتهربين، شريطة تسليم أنفسهم لمراكز التجنيد.

بالنسبة للمتطوعين يعد الأمر مختلفا، حيث غالبا ما يعكس التطوع التزاما أكبر نحو المؤسسة، إلا أن الامتيازات المادية والمعيشية التي يحصل عليها المتطوعون، وفرص الارتقاء في السلم الاجتماعي، جعلتهم أكثر قلقا بشأن قدرتهم على تدبير أوضاعهم المعيشية حال الفرار من الجيش؛ حيث صارت الخدمة التطوعية في الجيش جذابة للمتطوعين العاطلين عن العمل.

(3) الاقتصاد السياسي للفرار من الجيش

غالبا ما كانت الامتيازات المادية أحد العوامل التي يعتمد عليها النظام، حتى خلال فترة ما قبل الثورة. أبقى النظام هذه الحوافز  وحسنها؛ سعيا للإبقاء على جيشه، فتمت زيادة رواتب أفراد الجيش ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب بما يشمل المتقاعدين منهم، ولكن معدلات التضخم في أسعار السلع التي بلغت 169% قد ابتعلت فعليا ما يتخطى قيمة هذه الزيادات، لذا فقد ظلت الرواتب هزيلة في كل حال. على مستوى كبار الضباط كان الأمر مختلفا؛ فقد كان الفرار يكلف الضابط راتبا ضخما، ومجموعة سيارات، ومزرعة أحيانا، سوى امتيازات أخرى على الرواتب، ومكافآت؛ للإبلاغ عن زملائهم الفارين، وزيادات مستمرة، وأحيانا تكلفة إجازات في أوروبا.

سوى ذلك فقد خضع المنشقون لتجارب مؤلمة: يحكي التقدير قصة لواء سني منشق تم اختطاف نجله، حيت تعرض للتعذيب الشديد قبل أن يتدخل مسئول في المخابرات الجوية؛ لإطلاق سراحه، وقام بتقديم عرض مالي مغر للواء؛ لشراء ولائه.

شكلت الرشاوى بعدا اقتصاديا جديدا ومصدرا للدخل بالنسبة للضباط. كان الجنود يرشون الضباط من أجل تفادي الخروج في دوريات ليلية للأماكن الخطرة، أو لتقل دورياتهم إلى أماكن قريبة من مسقط رأس أحدهم، وقد كان ذلك ممنوعا؛ لأنه يزيد من فرصة انشقاق الجندي عن الجيش، كما تسهم الرشاوى أيضا في زيادة فترات الإجازات التي غالبا ما يخطط الفرد خلاله للانشقاق.

(4) ضباط وجنود الجيش يتعاونون مع المعارضة

لم يقتصر البعد الاقتصادي للحرب داخل الجيش على الامتيازات والرشاوى الداخلية؛ فغالبا ما كان يتم الدفع إلى ضباط وجنود للقيام بخدمات للتمردين، مثل: تهريب الوقود، بل السلاح أحيانا، حتى إن أحد ممثلي الجماعات المتمردة قد أخبر مراسلا خلال عام 2012 أن مجموعته قد حصلت على 40% من سلاحها عبر صفقات مع ضباط داخل الجيش، وشرح قائلاً: إن “هؤلاء الضباط يتاجرون معنا، لا لأنهم يحبّون الثورة، بل لأنهم يحبّون المال”.

كما كان الضباط المتمردون يشترون حريتهم بالمال، بعد أن يتم حبسهم في سجون النظام، وقد أورد التقدير شهادات لحالات بعينها، حيث ادعى أحدهم أن الهرب من السجن قد كلفه حوالي 250 ألف ليرة سورية.

كما روى التقدير أن بعض الحكومات العربية كانت تدفع رواتب لبعض الضباط؛ لتشجيعهم على الانشقاق عن النظام، والهرب خارج البلاد، إلا أن هذه الرواتب سرعان ما كانت تقل تدريجيا ما جعل الضباط يتوقفون عن الثقة في مثل هذه العروض.

(5) اقتصاديات التجنيد: الفرار أم القتال؟

وفقا للتقدير، فإن نصف الذين تركوا الخدمة قد تركوها؛ بهدف القتال مع المعارضة. بعضهم كان لحوافز سياسية، والآخر لضرورات اقتصادية، حيث كان العامل الاقتصادي عاملا أساسيا بالنسبة للكثيرين للاختيار بين الفرار أو القتال في صفوف المعارضة.

مولت الجماعات المسلحة أنشطتها عبر السيطرة على حقول النفط الصغيرة والمصافي وإنتاج الحبوب ورسوم المعابر، فعلى سبيل المثال: كان يتم تحصيل رسوم عبور تبلغ 20 ألف ليرة تركية (106 دولارات) عن كل شاحنة تمر إلى تركيا عبر حلب، هذا سوى قنوات الدعم الاقتصادي المتدفقة من قبل الممولين الخارجيين، خاصة دول الخليج، التي تعهدت بدفع رواتب للمقاتلين.

شكلت هذه المصادر  ـ سوى الغنائم ـ رواتب متواضعة للجنود، تكفي لتلبية حاجاتهم الأساسية. كما أمنت هذه المجموعات الوصول إلى السلع الأساسية بانتظام لمقاتليها، ما جعلها مرغوبة للشباب، والفارين من الجيش، وبحسب التقدير ،فإنه رغم ثبوت حالات إكراه لضم فارين من الجيش إلى المعارضة، إلا أن الدوافع الاقتصادية كانت في الكثير من الأحيان عاملا حاسما لاتخاذ مثل هذا القرار.

ولمح التقدير إلى شهادات من جنود أشارت إلى وجود قادة مستفيدين من الفساد داخل الجيش السوري الحر، وأشار أن بعض القادة يستغلون مواقعهم؛ من أجل التربح الذاتي، ويمنعون المؤهلين من الصعود إلى مواقع القيادة؛ خوفا من كشف ممارسات الفساد المنتشرة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد