منذ مطلع الشهر الجاري، انتشرت الكثير من الأخبار التي تحدثت عن جفاف ضرب عددًا من الأراضي الزراعية المصرية في الدلتا وصعيد مصر، بسبب قلة المياه، مما أدى لبوار آلاف الأفدنة. مما أثار تساؤلات حول أسباب نقص المياه وعلاقة ذلك النقص بسد النهضة في إثيوبيا

منذ مطلع شهر مايو (أيار) الجاري، انتشرت الكثير من الأخبار التي تتحدث عن جفافٍ أصاب عددًا من الأراضي الزراعية في الدلتا وصعيد مصر، بسبب قلة المياه، ما أدى لبوارها، الأمر الذي أثار تساؤلات حول أسباب هذا الجفاف المُفاجئ، وعما إذا كان له علاقة بسد النهضة الإثيوبي.

مزارعو الدلتا والصعيد يشتكون بوار أراضيهم

في 20 مايو (أيار) الجاري، أفادت تقارير صحافية، تعرُّض أكثر من 10 آلاف فدان من الأراضي الزراعية في محافظة الدقهلية شمالي مصر للبوار، بسبب عدم وصول مياه الري لها منذ أكثر من 20 يومًا، ما تسبب في تلف شتلات الأرز. وشكا أهالي ما لا يقل عن 17 قرية في محافظة الدقهلية من نقص المياه، مُشيرين إلى أنّ مديرية الري وفرت لهم مياهًا مالحة غير صالحة للري، ما تسبب في بوار الأرض، وقتل المزروعات الموجودة بها.

«الحكومة خربت بيوتنا، بعد ما زرعنا شتلات الأرز، وصرفنا على التقاوي، فوجئنا بعدم وصول المياه للأرض، وموت الشتلات»، يتحدث مصطفى عبدالغني، أحد مزارعي قرية 55 بالدقهلية، وهو حديث لم يختلف كثيرًا عما رواه غيره من المزارعين.

بوار أرض زراعية في محافظة الدقهلية بسبب نقص المياه (المصدر: المصري اليوم)

وفي محافظة كفر الشيخ، لا يبدو الوضع مُختلفًا كثيرًا، ففي 21 مايو (أيار) الجاري، نظم عدد من مزارعي قرية «صندلا»، وقفة احتجاجية أمام ديوان عام المحافظة، اعتراضًا على نقص مياه الري، ما أدى إلى بوار أربعة آلاف فدان في القرية. في الشرقية تكرر الأمر، حين نظم عشرات من مزارعي قرية قصاصين الأزهار، في 14 من الشهر الجاري، وقفة احتجاجية عطلوا فيها حركة المرور عند مدخل قريتهم، مُطالبين المسؤولين بالتدخل لحل الأزمة التي تطال مصدر دخلهم الوحيد تقريبًا.

في السياق نفسه، أفادت تقارير صحافية بجفاف ترعة الموالية، التي تروي نحو 100 قرية في محافظة الشرقية، بالإضافة إلى جفاف «بحر الإحصان»، ما يهدد ببوار 30 ألف فدانٍ زراعي. على أثر ذلك، لجأ مزارعون إلى ري أراضيهم بمياه الصرف الصحي، فيما توقع البعض أن يُؤدي ذلك إلى تقليص الإنتاج العام السنوي للأرز، علمًا بأنّ أسعار الأرز ارتفعت إلى نحو 50% منذ أسابيع قليلة.

«الزرع مات من قلة المياه في سوهاج»، هكذا يؤكد محمود عبد العزيز، المهندس الزراعي، متحدثًا عن قلة المياه في جزيرة شندويل بمحافظة سوهاج في صعيد مصر. أدت قلة المياه عمومًا إلى تقليص مرات الري، من مرتين شهريًا إلى مرة واحدة كل شهر.

لم تتوقف شكاوى المزارعين عند تقلص مياه الري على محافظات الدقهلية والشرقية وكفر الشيخ وسوهاج، لكنها امتدت لتشمل أيضًا عددًا آخر من المناطق والمحافظات من أبرزها دمياط، والبحيرة، والإسماعيلية، حيث شكا مزارعون من تقلص مياه الري، مما تسبب في بوار مساحات من الأراضي الزراعية.

الجفاف يضرب إثيوبيا.. منبع نهر النيل

يأتي الحديث عن تقلص مياه الري في مصر التي تعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل، بحصة مائية تبلغ 55 مليار لتر مكعب، في الوقت الذي تتعرض فيه إثيوبيا لأسوأ موجة جفاف منذ 50 عامًا، بسبب ظاهرة النينو؛ تلك الظاهرة التي تتسبب في تقلص سقوط الأمطار في بعض المناطق، وفي انتشار فيضانات في مناطق أخرى. ودائمًا ما تؤثر على دول شرق أفريقيا وجنوبها.

وتفيد تقارير لمنظمة الأنهار الدولية، بأن الجفاف في إثيوبيا، دولة منبع نهر النيل، سيؤثر بالتبعية على دولتي المصب وهما مصر والسودان، بنسبة تصل إلى 70%. وفي هذا الصدد، نفى الباحث المصري مصطفى خضري، رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام (تكامل مصر)، أن يكون جفاف إثيوبيا هو السبب الرئيسي لتقلص المياه الذي تشهده مصر الآن، لافتًا في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، إلى أن تأثير جفاف إثيوبيا الذي تعانيه الآن، سيظهر أثره في مصر بعد شهر أكتوبر (تشرين الأول) القادم؛ «لأن كمية المياه الواردة من إثيوبيا تمثل 80 %على الأقل من نصيب مصر من ماء النيل في سبعة شهور فقط، بدايةً أبريل (نيسان) وحتى أكتوبر( تشرين الأول)».

هذا، ويخيم التكتم الرسمي على آخر مآلات ملف سد النهضة، وإمكانية تأثيره على الحصة المائية لمصر، وقدرتها على إنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق السد العالي. وقال خضري، إن خروج السد العالي عن الخدمة، باعتباره أحد أهم مصادر توليد الطاقة الكهربائية في مصر، له علاقة بملء سد النهضة الإثيوبي، الذي أدى، وفقًا لخضري، إلى انخفاض منسوب بحيرة ناصر عن مستوى توربينات السد العالي، ما أدى لتوقفه عن إنتاج الكهرباء بشكل كبير.

وتجدر الإشارة إلى أن وزير الكهرباء محمد شاكر، وأثناء افتتاح عددٍ من مشروعات الكهرباء في أسيوط، أقرّ بخروج السد العالي عن خدمة إنتاج الطاقة الكهربائية، قبل أن يُقاطعه الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائلًا: «بلاش نتكلم في التفاصيل دي لو سمحت».


لماذا تقلصت مياه الري في مصر الآن؟

يربط خضري بين تقلص مياه الري في مصر الآن، وإعلان الجانب الإثيوبي بدء ملء خزانات سد النهضة في موسم الفيضان، لافتًا إلى أن العلاقة بين ملء السد وتقلص مياه الري في مصر أصبحت واضحة، وهو ما ينفيه في المقابل هاني رسلان، خبير شؤون حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، في حوار أجراه «ساسة بوست» معه، حول أسباب تقلص مياه الري في مصر، والتأثير المُستقبلي لسد النهضة على الحصة المائية لمصر. وجاء نص الحوار كالتالي:

بِمَ تفسر تقلص مياه الري في عدد من محافظات دلتا مصر وصعيدها؟ وهل للأمر علاقة بسد النهضة؟

ليس للأمر علاقة بسد النهضة في الوقت الحالي؛ إذ لم تقم إثيوبيا بتخزين المياه وراءه إلا في مستويات تجريبية محدودة جدًا، في حدود مليارين أو ثلاثة مليارات متر مكعب، أما النقص الحالي في مياه الري فبسبب زيادة كميات زراعة الأرز إلى حد أكبر بكثير من المسموح به، وبالتالي استخدام كميات أكبر من المياه على حساب مساحات أخرى.

هناك أيضا موسم شح شديد هذا العام في الفيضان، سيؤدي إلى جفاف ومتاعب ضخمة في إثيوبيا، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض الوارد إلى السد العالي، وهذا قد يؤدي بدوره إلى تقليل كميات المياه المنصرفة من خزان بحيرة ناصر، رغم أن تصريحات وزارة الري تتمسك بثبات المياه المنصرفة من البحيرة.

في رأيك إلى أي مدى يُمكن أن يؤثر سد النهضة مستقبلًا على تقلص مياه الري في مصر؟

الأمر يتوقف على سنوات التخزين، وطبيعة مواسم الفيضان المصاحبة للتخزين، هل هي مرتفعة أم منخفضة. ويتوقف بعد ذلك على السياسة التشغيلية المعنية بالتنسيق بين سد النهضة والسدود التالية له في السودان ومصر، وبشكل خاص مع السد العالي في مصر.

بعد تحويل مجرى النيل الأزرق خلف سد النهضة، ألن يؤثر ذلك على حصة مصر المائية، مع العلم بأن مصر كانت معترضة سلفًا على قلة فتحات المياه في الجزء السفلي من سد النهضة؟

بالنسبة لفتحات السد وغيرها من التفاصيل، فهناك الآن تعتيم على مجريات التفاوض. وبشكل عام هناك تنسيق وثيق بين إثيوبيا والسودان، على حساب مصر، ما أثر على الموقف المصري سلبًا.

بمَ تُفسر ذلك التعتيم؟

التعتيم يرجع لسببين، أولهما يتمثل في أن هذه القضية أصبحت تُثير قلقًا كبيرًا لدى الرأي العام، بخاصة في ظل وجود آراء غير دقيقة وغير متخصصة، تميل للتعبئة والتوظيف السياسي.

والسبب الثاني يتمثل في أن ما ينشر في مصر تستخدمه إثيوبيا والسودان ضد المفاوض المصري داخل قاعات التفاوض، لتبرير المواقف المتعددة ضد مطالب مصر المعقولة، وذلك بإيجاد تبرير وتغطية وذريعة لتصريحاتهم ومواقفهم السلبية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد