في هذا التقرير نعرض بالسرد والتحليل أهم ما كشفته تلك الدراسات، ومصادر المياه في سوريا، والجهات المسيطرة عليها، وكيف أثر الجفاف على الحرب السورية، ونرجع بالتاريخ إلى دراسة الجفاف كأحد عوامل اندلاع الانتفاضة الثورية في يناير (كانون الثاني).

كشفت دراسات علمية متخصصة حديثة، عن وصول الجفاف إلى مراحل غير مسبوقة في عدد من دول الشرق الأوسط عمومًا، وسوريا خصوصًا. في هذا التقرير نعرض بالسرد والتحليل أهم ما كشفته تلك الدراسات، ومصادر المياه في سوريا، والجهات المسيطرة عليها، مُحاولين الإجابة على سؤال «كيف أثر الجفاف على الحرب السورية؟»، وهل كان الجفاف أحد عوامل اندلاع أحداث الانتفاضة السورية؟

ما الذي كشفت عنه الدراسات؟

في مطلع مارس (آذار) الجاري كشفت دراسة لوكالة «ناسا»، عن أن الشرق الأوسط يعيش أكثر الفترات جفافًا مُنذ 900 عام. ووجد تقرير علمي أن الجفاف الحالي هو الأسوأ –بنسبة 98%- خلال الـ500 سنة الأخيرة، وأنه الأسوأ أيضًا بنسبة 89% خلال الـ900 سنة الأخيرة.

يقول العلماء إن سبب الجفاف الحالي، غير المسبوق في دول شرق البحر المتوسط، يرجع بشكل كبير إلى موجة الجفاف التي استمرت حوالي 15 عامًا بامتدادها من عام 1998 وحتى عام 2012.

وتوصل العلماء إلى هذه النتائج من خلال دراسة تغير المناخ خلال آخر ألف عام، عن طريق تحليل مدى سمك حلقات الأشجار القديمة والضخمة (الحلقة النحيفة تدل على الجفاف والعكس صحيح) باستخدام مقياس يُعرف باسم «أطلس جفاف العالم القديم»، في عدد من دول شرق البحر المتوسط مثل: اليونان، وتركيا، وقبرص، ولبنان، والأردن، وسوريا.

ما هي أبرز مصادر المياه في سوريا؟

لمعرفة مدى تأثير الجفاف على الوضع في سوريا، من الضروري بدايةً التعرف على مصادر المياه في الأراضي السورية، وتتعدد تلك المصادر ما بين التقليدية كالأنهار الداخلية والبحيرات والأحواض المائية، وغير التقليدية كالمياه المعالجة التي تمثل مياه الصرف الصحي 29.2% من مصادرها، بحسب دراسة أجراها موقع اقتصاد المتخصص في الشؤون الاقتصادية السورية.

مجرى نهر الفرات في سوريا

وبحسب تلك الدراسة، فإن الزراعة تستهلك 88% من المياه في سوريا، وتتعدد الأحواض المائية لتشمل: حوض اليرموك، وحوض الساحل، وحوض العاصي، وحوض البادية، وحوض دجلة، وحوض الخابور، وحوض البردي، وحوض الفرات وحلب.

وأحد أهم مصادر المياه في سوريا، هو نهر الفرات العابر على أراضيها. وفي عام 1973 أنهت سوريا بناء سد الفرات في الرقة، ليخلّف وراءه بحيرة الأسد، التي تمتد الآن لحوالي 80 كيلومترًا طولًا، وثمانية أمتار عرض، وبذلك يصبح النهر مصدرًا أساسيًّا ليس للمياه فقط، وإنما للكهرباء أيضًا.

في هذا الصدد تُشير الدراسة التي ترجع لمنتصف 2013 إلى أن 40% من اقتصاد سوريا يعتمد على حوض الفرات وحلب، سواءً للري أو الكهرباء، كما يعتمد 70% من سكان سوريا على المياه الدولية المشتركة المُتمثلة بشكل أساسي في نهر الفرات، بالإضافة إلى نهر الأردن الذي يمر على بلاد الشام، بما في ذلك سوريا، ويمتد حوله إلى 251 كيلومترًا، ويصل طول سهله إلى 360 كيلومترًا.

كيف يؤثر الجفاف في تفاقم أزمة اللاجئين؟

يمر نهر الفرات -المصدر الرئيس للمياه السورية- على أحد أهم المعاقل الرئيسة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، وهي مدينة الرقة. وتكتسب الرقة أهميتها، ليس فقط لكون النهر يمر عليها، ولكن أيضًا لأن سد الفرات المولد للكهرباء يقع في نطاقها، ما قد يؤجج الأزمة، ويُؤدي إلى تزايد أعداد النازحين من هذا المكان ذات الأهمية الإستراتيجية اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.

يقول دن ميشيل، الأستاذ بمعهد التغير المناخي بجامعة أكسفورد، إن «الجفاف دائمًا ما يؤدي إلى زيادة انتقال اللاجئين من منطقة لأخرى ويتسبب في تفاقم التوترات الناتجة في الأساس عن مصادر المياه الشحيحة»، مُشيرًا إلى أنّ «داعش» عملت جاهدةً للسيطرة على السدود، فبحسبه «المياه هي أثمن مورد على المدى الطويل، وداعش يعرفون قيمة السيطرة على المياه».

في ذات السياق، فإن ما يسمى بحوض الفرات وحلب، والذي تمثل مدينة حلب إحدى أركانه، فإنه يشهد أيضًا أوضاعًا أمنية صعبة، نظرًا لاشتداد القصف الروسي وقصف نظام الأسد على للمدينة، بعد أن كانت تحت سيطرة المعارضة.

في النهاية أدى ذلك إلى زيادة تدفق اللاجئين على تركيا؛ بوصول عشرات آلاف اللاجئين السوريين هناك في الشهر الماضي، وهو ما يُزيد انزعاج أنقرة من القصف الروسي، ويُصعّد بالتبعية من الضغط الغربي على روسيا لإيقافه، إذ إنّ تركيا -التي تستقبل حوالي مليوني لاجئ ممثلة بذلك أكبر دولة تستقبل لاجئين سوريين في العالم- تضغط على الغرب بتلك الورقة لمنعها لأعداد ضخمة من اللاجئين السوريين أن يجتاحوا أوروبا.

دائمًا ما يساعد الجفاف في تفاقم ظاهرة النزوح واللجوء للسوريين داخل سوريا وخارجها، تلك الظاهرة التي تسببت في رفع مستوى التوترات في المنطقة، وبالأخص مع تصاعد لهجة الحركات المعادية للمسلمين واللاجئين في أوروبا والدول الغربية، تزامنًا مع انتشار بعض أنشطة «تنظيم الدولة»، لتضرب باريس وأمريكا العام الماضي، ذلك العام الذي اجتاح فيه مليون لاجئ سوري أوروبا وتزايدت القيود على الحدود لإيقاف اللاجئين.

وفي مطلع مارس الحالي أشعل معادون للاجئين السوريين النار بإحدى مخيمات اللاجئين السوريين في كالي بفرنسا، في واقعة تذكرنا بحرق مخيمات للاجئين في فرنسا عقب هجمات باريس.

وتجدر الإشارة إلى أن عدد النازحين واللاجئين داخل سوريا وخارجها، وصل إلى 12 مليونًا تقريبًا!

كيف ساهم الجفاف في اندلاع الانتفاضة السورية؟

بعيدًا عن نتائج أزمة الجفاف الحالية في سوريا، نشره موقع «كليمات سنترال»، المتخصص في الشئون البيئية وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية، في مارس (آذار) 2015، دراسةً عن الجفاف، باعتباره أحد عوامل اندلاع الانتفاضة السورية.

وترجع الدراسة بالتاريخ إلى تولي الرئيس الراحل حافظ الأسد، حكم سوريا في عام 1971، عندما طبق سياسات زراعية جديدة تسعى لزيادة الإنتاج الزراعي في كافة أنحاء سوريا، وبالفعل تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح عام 1995، وأوقفت سوريا وارداتها من القمح. لكن ذلك جعل من المياه الجوفية مصدرًا غير مستدام، مع السحب الغزير من المياه الجوفية، أكثر من المياه المتدفقة. ومع السحب الشديد للمياه الجوفية، ما يزال ثلثا الزراعة في سوريا يعتمدان على الأمطار.

على المدى الطويل أدى ذلك إلى تزايد مخاطر الجفاف، بخاصة مع انطلاق موجة الجفاف في عام 1998، وأدت في 2001 إلى تجفيف نهر الخابور في شمال شرق سوريا. وبالوصول إلى عام 2005 أصبح المزارعون والرعاة السوريون في موقف ضعيف أمام ما يمكن وصفه بـ«الجفاف الكارثي» الذي بلغ أشده في 2007 و2008 بأكثر شتاء جفافًا في التاريخ السوري آنذاك.

وبعد ذلك نزح السوريون من المناطق الزراعية إلى المناطق الحضارية، حيث تواجد حوالي مليون ونصف لاجئ عراقي نزحوا هناك في أثناء حرب العراق في الفترة من 2003 وحتى 2007، وكانت النتيجة هي زيادة نسبة السكان في المناطق الحضارية بنسبة 50% بالمقارنة بعام 2002.

وبحسب الدراسة فإن هذه العوامل مجتمعة ساعدت على اندلاع الانتفاضة السورية في 2011. وهذا خط زمني أوردته الدراسة يُظهر الجفاف كأحد عوامل الانتفاضة السورية.


عرض التعليقات
تحميل المزيد