في يوم 16 ابريل (نيسان) 2016 أمهل الزعيم الشيعي مُقتدى الصدر رئيس العراق فؤاد معصوم ورئيس وزرائها حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري 72 ساعة لتقديم حكومة جديدة تكنوقراط مُستقلة بعيدة عن المحاصصة السياسية. مُهددًا باستئناف احتجاجات التيار الصدري

في 16 أبريل (نيسان) الجاري،أمهل الزعيم الشيعي «مقتدى الصدر»، رئيس العراق، «فؤاد معصوم»، ورئيس وزرائها «حيدر العبادي»، ورئيس البرلمان، «سليم الجبوري»، 72 ساعة لتقديم حكومة جديدة تكنوقراط مُستقلة، بعيدة عن المحاصصة السياسية. مُهددًا باستئناف احتجاجات التيار الصدري.

وفي بيان سمّاه الزعيم الصدري بـ«وثيقة الشعب»، توجه بالطلب لحيدر العبادي،بإعطاء مدة زمنية لا تزيد عن 45 يومًا لتصحيح مسار العملية السياسية. واقترح العبادي نهاية الشهر الماضي، حكومة تكنوقراط تضم 14 أكاديميًا للقضاء على الفساد في العراق. ولكن مصير تلك الحكومة لم يُحسم بعد. ولا يزال الجدل حولها مُستمر.

واتّهم الصدر رئيس وزراء العراق السابق «نوري المالكي»، بالتسبب في الفساد في العراق. ويرى مُحللون أن المالكي له نفوذ قوي على الحكم العراقي، بعدما استطاع زرع عناصر موالية له، تتحكم في مفاصل الدولة الأمنية والقضائية والإعلامية. ولم يتمكن العبادي من التخلص من نفوذ المالكي، ما جعل الأخير بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد. ويتزعم المالكي حاليًا ما يُسمى بائتلاف «دولة القانون» ذي التمثيل البرلماني.

جدل حول طبيعة الحكومة بين الحزبية والتكنوقراط

وتزامن مع بيان الصدر، إلغاء جلسة للبرلمان العراقي، كانت ستُناقش إصلاحات لمُكافحة الفساد. بعد خلافات بين النواب حول شرعية سليم الجبوري لرئاسة الجلسة. وتشهد جلسات المجلس في الفترة الأخيرة تأجيلات مُتكررة مع تأجج الخلاف السياسي بين النواب والجدل الدائر بينهم وتباين آرائهم حول خطة العبادي الإصلاحية وحكومة التكنوقراط التي اقترحها.

ويُعد إلغاء الجلسة الأخيرة للبرلمان هي الجلسة الثالثة التي تُلغى وسط الخلافات السياسية العراقية. وعلّق رئيس مجلس النواب جلسة المجلس يوم الأربعاء الماضي بعد خلاف بين نواب التحالف الكردستاني، وبين نواب ائتلاف دولة القانون تطور إلى تشابك بالأيدي بين الطرفين!

وكان يوم الأربعاء الماضي 13 أبريل (نيسان) يومًا مُثيرًا تصاعدت فيه الخلافات بين القوى السياسية؛ بعدما أعلن عشرات النواب بدء اعتصامهم داخل المجلس؛ مُطالبين بإقالة رئيس مجلس النواب ونائبيه. وفي جلسة الخميس، استمر اعتصام النواب لليوم الثاني على التوالي، وصوّت 171 معتصم– أغلبهم من التيار الصدري- في غياب الجبوري، على إقالته هو ونائبيه من مناصبهم، واختيار النائب «عدنان الجنابي»، من ائتلاف الوطنية، الذي يتزعمه «إياد علاوي»، ليحل محله بشكل مؤقت؛ لحين انتخاب هيئة رئاسة جديدة للمجلس.

ولكن الجبوري ألغى الجلسة باعتبارها غير دستورية لعدم اكتمال النصاب القانوني، وأعلن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في البرلمان أن المجلس سيعقد جلسة أخرى، يوم السبت 16 أبريل (نيسان)،وهي التي أُلغيت أيضًا، وأُجلت «لحين ورود إشعار من القوات الأمنية والاستخباراتية، بصلاحية بناية المجلس أمنيًا؛ حفاظًا على سلامة السادة النواب والموظفين»، بحسب بيان أصدره الجبوري. وتجدر الإشارة إلى تمسك تحالف القوى العراقية الذي يُمثل التيارات السني، بالجبوري.

ويتبلور الخلاف بين الكتل السياسية من جهة، والتيار الصدري من جهة أُخرى، في ميل التيار الصدري للتكنوقراط عمومًا وتفضيلهم لقائمة العبادي، الذي ضمّت 14 أكاديميًا بدلًا من ممثلي الأحزاب. ولكن الكتل السياسية رفضت قائمة التكنوقراط. وبعد مفاوضات عسيرة قبلت بأربعة من القائمة، واستبدلت بالعشرة الباقين مرشحين من الأحزاب. وهو ما يرفضه التيار الصدري الذي يتمسك بالقائمة التي تضم أغلبية من التكنوقراط؛ لأنه يرى في ذلك مواجهة أفضل للفساد، ويرى أن المحاصصة الحزبية تفتح المجال للفساد والمحاباة.

وأحد أبرز أسباب عداء التيار الصدري للجبوري، أنه وقّع ما يُسمى بـ«وثيقة إصلاح»، مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ورؤساء كتل سياسية أخرى، تُكرس للمحاصصة الحزبية التي يرفضها التيار. وكمحاولة منه لحل الأزمة السياسية،دعى العبادي المجلس، يوم الاثنين 18 أبريل (نيسان)، للانعقاد فورًا؛ للتصويت على قائمة الوزراء التكنوقراط

نبذة عن تاريخ الصدر.. وقوة نفوذه الحالي

بعد عدة أعوام من اغتيال والد مقتدى الصدر، القيادي الشيعي الكبير محمد صادق الصدر، بتعليمات من رئيس العراق السابق صدام حسين، كان الغزو الأمريكي على العراق قد بدأ، في عام 2003 حين كان مُقتدى في سن الثلاثين من عمره، وتزّعم ما يُسمى بـ«جيش المهدي»، الذي قاد حربًا مزدوجة ضد أمريكا وضد السلطات العراقية. ارتكب الجيش فظائع ضد السنة خلال الحرب المذهبية، التي حلّت بالعراق خلال عامي 2006 و 2007، بحسب تقارير صحافية وحقوقية.

وخلال الأزمة الأخيرة، حاول الصدر الظهور بأنه يُقرب بين المذاهب، مُعلنًا تجميد عمل مليشياته المُسلحة في فبراير (شباط) 2015؛ إثر تهديد بعض القوى السنية بالانسحاب من العملية السياسية. ويراه محللون، على أنه يمتلك قاعدة شعبية قوية، سواء من الشيعة أو السنة. ويحاول أن يظهر الرجل بمظهر المحارب للفساد، والمحاباة، والمؤيد للتكنوقراط، والذي يحتج لمصلحة العبادي والعراق.

وللرجل تأثير واسع شعبيًا؛ إذ يقود احتجاجات ضمت الآلاف استمرت لأسابيع في المنطقة الخضراء، التي تضم مقار المؤسسات الحيوية في الدولة، كمقر الحكومة ومجلس النواب، بالإضافة إلى سفارات أجنبية، كالسفارة الأمريكية والسفارة البريطانية.

وبدأ آلاف المحتجين، أغلبهم من التيار الصدري، السبت الماضي، اعتصامهم في ميدان التحرير بالعاصمة العراقية بغداد. وفي يوم الاثنين التالي، توجهوا لأحد منافذ المنطقة الخضراء؛ ليتظاهروا هناك، تزامنًا مع زيارة وزير الدفاع الأمريكي «آشتون كارتر» للعبادي؛ لبحث سبل التعاون العسكري؛ لاستعادة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». وبذلك تتفاقم الأوضاع الأمنية والسياسية والعسكرية في العراق، بشكل قد لا تستطيع الحكومة تداركه.

ولتحقيق مزيد من الضغط، حاصر المحتجين خلال الأيام الماضية، عددًا من مقار الوزارات الحيوية، من أبرزها وزارات الخارجية، والعدل، والثقافة، والآثار، والإعمار والإسكان، والكهرباء، والنفط.

ولا يتوقف الصدر وتياره على التأثير الشعبي فقط، إنما يمتد نفوذه السياسي للإطار الرسمي والبرلماني؛ فكان لدى التيار الصدري ثلاث حقائب وزارية، تتمثل في وزارات الموارد المائية، والبلديات والأشغال، والصناعة. قبل أن يُقدم الثلاثة وزراء الصدريين استقالتهم في 11 أبريل (نيسان) الماضي كنوع من التصعيد السياسي، مُعتبرين بقاءهم في حكومة جديدة، قائمة على المحاصصة الحزبية، عملية «إنتاج للفساد والفشل مرة أخرى»، على حد تعبيرهم،ما يعكس موقف التيار الصدر المتمثل في تمسكه بالتكنوقراط.

وبرلمانيًا، تُمثل كتلة التيار الصدري،التي تحمل اسم «الأحرار»، 34 % من أعضاء مجلس النواب، البالغ عدد أعضائه 328 عضوًا. وقادوا اعتصامًا داخل البرلمان؛ للتركيز على ضرورة أن تكون الحكومة تكنوقراط، مُستقلة، بعيدة عن المحاصصة الحزبية. مُطالبين بإقالة رئيس البرلمان ونائبيه؛ لذلك يمتلك التيار الصدري القوة الشعبية والبرلمانية والرسمية، التي قد تُمكنهم في التحكم بالمعادلة السياسية في العراق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد