السعودية تستشرف أن تكون في مكانة مهمة على خريطة السياحة والتراث الحضاري عالميًا

لم تكن هذه الكلمات، التي قالها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، في ديسمبر (كانون الأول) 2017، مجرد إعلان لبدء المملكة في إطلاق العديد من مشروعات السياحة و الترفيه في السعودية لجذب سياح من الداخل والخارج فقط، لكنها كانت بمثابة إعلان عن حملة من الانفتاح الاجتماعي في البلاد، ظهرت بوضوح خلال العام الماضي، سواء بالسماح للمرأة بقيادة السيارة أو حضور مباريات كرة القدم، أو من خلال إقامة الحفلات الموسيقية، وإعادة افتتاح دور السينما أيضًا، كل هذه مشاهد تميزت بها السعودية في 2018، لكن هل يقع تأثير هذا الانفتاح فقط على السعودية أم أن هناك دولًا أخرى ستتأثر بهذا الانفتاح؟

في الواقع رغم أن هذا الانفتاح داخل السعودية، لكنه سيكون أهم أدوات المملكة لسحب بساط صدارة جذب السياح السعوديين من بعض الدول العربية المعروفة بكونها وجهات سياحية في المنطقة وعلى رأسها مصر والإمارات، وهما أكثر دولتين يقصدهما السياح السعوديين، وخلال هذا التقرير سنوضح كيف ستتأثر مصر والإمارات بهذا الأمر.

تعمل السعودية مؤخرًا على إحداث نقلة في قطاعها السياحي، وهو الأمر الذي أعلنته بوضوح خلال برنامج التحول الوطني، إذ كشفت أنها تسعى إلى زيادة الاستثمارات السياحية من 145 مليار ريال  (38.7 مليار دولار)، إلى 171.5 مليار ريال (45.7 مليار دولار) بحلول 2020، بالإضافة إلى أنها تهدف إلى زيادة حجم الإنفاق السياحي من 104.8 مليار ريال (27.9 مليار دولار)، إلى 174.8 مليار ريال  (46.6 مليار دولار)، لكن ما هي علاقة مصر ودبي بهذه الأرقام؟

 

إعلان يحتفل بحق المرأة السعودية في القيادة، بإحدى الطرق في مدينة الظهران

والسؤال الآخر المطروح؛ هل يكفي الإنفاق فقط لكي تحقق السعودية هدفها في جذب مواطنيها إلى السياحة الداخلية؟ في الواقع يبدو الإنفاق وحده غير كافٍ، إذ أن هناك علاقة مباشرة بين الانفتاح السعودي وزيادة وسائل الترفيه وبين خطط إنعاش السياحة في المملكة، إذ ربما تصبح البلاد مناخًا أكثر جذبًا للسياح من الداخل والخارج، مع زيادة مظاهر الانفتاح.

وهذا الأمر قد يؤثر بشكل مباشر على مستقبل السياحة في مصر ودبي تحديدًا، وذلك من جانبين أساسيين، الأول: أن السياحة في مصر ودبي ستتضرر لأنهما الدولتان الأكثر استقطابًا للسياح السعوديين، بمعنى أن ازدهار السياحة الداخلية في السعودية سيخفض أعداد السعوديين في كلٍ من مصر ودبي، والجانب الثاني هو دخول السعودية في الخريطة السياحية في المنطقة لتكون منافسًا واضحًا لمصر ودبي.

أي أن السعودية ستكون دولة جاذبة للسياح من الخارج مما سيجعلها أولوية لكثير من سياح المنطقة وهذا بالطبع سيكون له ضرر إضافي على مصر ودبي. وخلال الربع الثاني من عام 2018 احتلت السعودية المركز الثالث في قائمة وجهات السفر الأكثر شعبية لدى مسافري منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تنوع أنماط المسافرين ما بين رجال أعمال ووافدين ومسافرين للعمرة، بحسب  قائمة وجهات السفر الأكثر شعبية التي أصدرتها «ويجو»، سوق السفر الإلكترونية الأكبر في الشرق الأوسط.

لهذا الأسباب لن يحتاج السعوديون السفر خارج المملكة

في ظل التوجه السعودي الجديد نحو تنشيط السياحة نجد أن استراتيجية السياحة التي وضعتها المملكة تهدف إلى استقطاب السياح السعوديين على وجه الخصوص، إذ أنهم يشكلون النسبة الأعلى في السياحة بالدول العربية ولا سيما في دبي ومصر، ولكن ما الذي سيجعل السائح السعودي يختار السياحة الداخلية بدلا من الذهاب إلى بلدان مثل مصر والإمارات؟

«السياحة الحلال».. هكذا تتّسع صناعة المليارات

يمكن القول إن السعودية تسعى لتسليط الضوء على الجانب الترفيهي بشكل كبير، وذلك بتأسيس «الهيئة العامة للترفيه» والتي من شأنها تولي تنظيم وتنمية هذا القطاع وتوفير الفرص الترفيهية لشرائح المجتمع كافة في سائر مناطق المملكة. بالإضافة إلى إعلان المملكة عن تأسيس أكبر مدينة ترفيهية ورياضية وثقافية وهي «مشروع القدية»؛ والتي تعد بمثابة عاصمة الترفيه في السعودية، وكذلك منحت المملكة تراخيص لشركات أجنبية عاملة في هذا القطاع، من بينها «SIX FLAGS» وهي أكبر شركة ترفيهية في العالم.

ويمكن لهذه المشروعات أن توفر المناخ الانفتاحي الذي كان يبحث عنه السعوديون خارج البلاد، إذ أن كثيرًا من السعوديين اعتادوا الذهاب خارج البلاد في رحلات ينفقون فيها مليارات الريالات لأسباب عدة؛ أهمها الترفيه الذي لم يكن متوفرًا في البلاد من قبل، ولكن مع قرار المملكة بمنح تراخيص لإنشاء دور للسينما للمرة الأولى منذ أكثر من 35 عامًا من منعها، ومن خلال مشروع «نيوم» الضخم الذي أعلنت عنه المملكة والذي سيضم 50 منتجعًا وأربعة مدن صغيرة في مشروع سياحي منفصل بالبحر الأحمر، أصبح كثير من أسباب خروج السعوديين من المملكة متوفرًا في الداخل، وهو ما قد يجعل البعض يلغي الكثير من خطط السفر خارج السعودية.

 

امرأة سعودية تقود سيارة أسرتها احتفالًا برفع الحظر عن قيادة النساء في المملكة

وخصصت المملكة نحو 240 مليار ريال لقطاع الترفيه خلال السنوات العشر المقبلة، إذ ضم جدول الفعاليات الترفيهية للعام 2018 وحده نحو 5 آلاف حدث، منها الحفلات الغنائية والموسيقية لفرق ومغنين غربيين بحضور الرجال والنساء معًا، وهو ما يسير وفق الرؤية الجديدة نحو الانفتاح الاجتماعي، الذي سمح لأول مرة بقيادة المرأة للسيارة، وكل هذه الأمور تجعل المناخ في السعودية لا يختلف عن دبي ومصر، لذلك ستكون السياحة الداخلية هي الخيار الأول لدى المواطن السعودي.

السعوديون الأكثر إنفاقًا على السياحة.. ولكن؟

لكن هل هذه الأسباب فقط هي ما ستدفع السعوديين للبقاء في المملكة؟ بالرغم من أن هذه الأسباب رئيسية وسيكون لها تأثير مباشر في زيادة السياحة الداخلية وانخفاض أعداد السياح السعوديين في المنطقة، إلا أن هناك سببًا اقتصاديًا جوهريًا قد يجبر السعوديين على الاستغناء عن السياحة الخارجية والاكتفاء بالداخلية؛ وهو الظروف الاقتصادية والتقشف الذي تسبب في زيادة الأعباء على المواطن مما سيؤثر على قرار السياحة للخارج بسبب ضغوط الإنفاق.

مصر الأولى.. أسرع 10 وجهات سياحية نموًا في العالم 2018

على الجانب الآخر، تصدر السعوديون في 2014، قائمة الشعوب الأكثر سفرًا في الشرق الأوسط، بحسب دراسة أجرتها شركة «Travelport»، إذ أن معدل عدد رحلاتهم تتراوح ما بين أربعة إلى خمسة رحلات في العام الواحد، ويعد السعوديون أيضًا من أكبر المنفقين في العالم على السياحة، إذ تخطى إجمالي ما أنفقه السعوديون على السياحة الخارجية في عام 2014؛ 20.6 مليار دولار، فيما أنفق السعوديون نحو 5 مليار دولار على السياحة المحلّية خلال عام 2014، لكن هذا الأمر الآن اختلف كثيرًا، فالاوضاع الاقتصادية الحالية لا تشبه أبدًا 2014.

وفي 2017 انخفض إجمالي ما أنفقه السعوديون على السياحة في الخارج، بنسبة 20% عن مستويات عام 2016، بينما تشير تقديرات إلى أن إنفاق السعوديين على السياحة الخارجية، بلغ أكثر من نصف تريليون ريال خلال عشرة أعوام، وتحديداً منذ عام 2007 حتى عام 2016.

برج العرب في دبي

الإمارات.. خطط لزيادة عدد السياح السعوديين تصطدم بواقع مختلف

عدد السياح السعوديين في دبي سيصل إلى 2.5 مليون سائح بحلول عام 2020، بزيادة 100%.

كانت هذه توقعات مسؤول إماراتي أدلى بها في تصريحات صحفية عام 2016، ولكن كان ذلك قبل أن تدخل السعودية طور الانفتاح الذي قد يغير خريطة السياحة في المنطقة، فبعد أن استقبلت دبي 476 ألف سائح قادمين من السعودية خلال الربع الأول من 2016، بزيادة قدرها 14% مقارنة بالعام السابق عليه، الأمر الذي جعلها تحتل صدارة قائمة الدول الأولى لزوار دبي، لم يكن منحنى اتجاه السياح في الربع الأول من 2017 كما هي التوقعات، إذ جاءت أعداد السياح السعوديين في دبي خلال الربع الأول من عام 2017، نحو 440 ألف سائح،  بانخفاض قدره نحو 7.5 % مقارنة بالربع الأول من 2016.

5 مدن سياحية رائعة لن تتمنى زيارتها أبدًا

واستمر تناقص عدد السياح السعوديين في دبي خلال عام 2018، إذ كشفت دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي عن تراجع أعداد السياح السعوديين خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري بانخفاض قدره 20 ألف سائح، ليحتل السياح الهنود صدارة قائمة الدول الأولى لزوار دبي ثم تحل السعودية ثانيًا.

هذه الأرقام تكشف عن أن الأوضاع في السعودية انعكست على أعداد السياح السعوديين في دبي، وهو ما يعني أن الانفتاح والظروف في المملكة أثرت سلبًا على أهم قطاع اقتصادي بإمارة  دبي.

مصر.. السعوديون الأكثر عددًا وآمال الزيادة مستمرة

تأمل القاهرة في مضاعفة عدد السياح السعوديين بنحو 10 أضعاف، وذلك اعتمادًا على الانخفاض الكبير الذي حدث للعملة المصرية منذ تعويم الجنيه، وبالفعل تشير الإحصائيات إلى أن عدد السائحين السعوديين الذين زاروا مصر خلال عام 2017 تجاوز 650 ألف سائح لأول مرة في تاريخ السياحة المصرية، لكن هذه الزيادة لا تتناسب مع الهبوط الكبير الذي حدث للعملة.

ومع المعطيات المذكورة حول الأوضاع في السعودية من الصعب أن تصل مصر إلى هدف مضاعفة العدد بالسنوات المقبلة، كما أنه بالنظر إلى أن تركيا منافس رئيسي على استقبال السياح السعوديين نجد أن عدد السياح السعوديين الوافدين إلى تركيا خلال النصف الأول من العام الماضي، ارتفع بنسبة 35%، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق عليه، وهو ما يكشف أن تركيا تستفيد من هبوط قيمة عملتها أكثر من مصر، وهو ما يعني تضرر حصة القاهرة من السياح السعوديين.

أهرامات الجيزة

وبالرغم من التسهيلات الكبيرة التي عملت عليها مصر في الأشهر الأخيرة لجذب السياح السعوديين لا زالت السعودية في المرتبة الثالثة بين السياح الأكثر زيارة لمصر، بالرغم من أنها من المفترض أن تكون في مرتبة أعلى من ذلك، ولكن كما ذكرنا فإن الزيادة في الأعداد لن تكون على مستوى الطموحات المصرية بفعل المعطيات المذكورة.

بعيدًا عن السياسة والسلاح.. أبرز معالم إيران السياحية الساحرة التي لم ترها من قبل

وبالنظر إلى الأكثر زيارة لمصر خلال 2017، نجد أن السياح الألمان في المقدمة، إذ وصل عدد الذين زاروا مصر إلى نحو 1.2 مليون سائح، وهو رقم كبير جدًا مقارنة بالأعداد السعودية التي تبلغ نحو نصف هذا الرقم، بينما احتلت أوكرانيا المرتبة الثانية خلف ألمانيا بعدد زائرين حوالي 797.2 ألف زائر، بزيادة ملحوظة كذلك عن أعداد السعوديين وبنسب زيادة أعلى.

المصادر

تحميل المزيد