عندما يصاب أحد أفراد الأسرة الصغيرة أو العائلة الكبيرة بمرض قاسٍ، يعم الحزن بين باقي أفراد العائلة، ويبدأ الأقربون والأصدقاء في عيادة المريض والتواصل معه ومواساته، وعادة ما يكون المريض قادرًا على الانخراط في هذا التواصل العاطفي لذا يشعر بشكل فائق بالدعم النفسي المقدم إليه، فيما تشعر العائلة بالامتنان لمن يبادر بالتواصل والدعم؛ ولكل تلك العواطف والمشاركة الوجدانية أثر إيجابي في تخفيف وطأة المرض على كل من المريض وأسرته.

ولكن ماذا لو أن المرض الذي أصاب هذا المريض يمنعه من هذا التواصل العاطفي والوجداني مع المقربين له، لدرجة أنه ينظر إلى كل من يعملون على رعايته وكأنهم أغراب لا يعرف عنهم شيئًا؟ ماذا لو أن هذا المريض ليس لديه القدرة على تمييز الممرضة المقيمة معه عن أبنائه؟ أو باختصار: ماذا لو أن المريض مصاب بمرض الزهايمر؟

تحدثت الكثير من التقارير عن مرض الزهايمر وما يفعله في المصاب به، من تأثير سلبي في قدرة المريض على التمييز بين أسرته والأغراب، ولكن في هذا التقرير؛ نتحدث عن جانب مختلف من الأمر، وهو ما يتعرض له أقارب مريض الزهايمر وأسرته من تحديات نفسية وأزمات عاطفية بسبب رعايتهم لمريض لا يتذكر من هم بالأساس، وكيف يمكن لهم أن يتخطوا تلك العقبات النفسية؟

نسيانٌ يؤذي.. كل ما كنت أريده نظرة امتنان 

«جدتك تاهت».. لا تزال مها (اسم مستعار) 37 عامًا، تتذكر تلك الجملة التي سمعتها عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها؛ حين قالتها أمها والدموع تملأ عينها، وهي ترتدي أول ما طالته من ملابس تستر بها نفسها قدر الإمكان، بعد أن اضطرت للهرولة من منزل الجدة بإحدى المناطق الشعبية في القاهرة لملاحقة الجدة الضائعة.

في تلك الأجواء المشحونة ظلت مها تنظر إلى أخوالها الخمسة ومجموعة من الأحفاد الشباب الأكبر سنًّا وهم يهرعون خارج المنزل صباح أول أيام عيد الأضحى؛ حيث اجتمع الكل في منزل الجدة للاحتفال بالعيد، لكن هذا الاحتفال لم يلبث أن تحول إلى مأساة حزينة؛ بفقدان الجدة المصابة بمرض الزهايمر.

الإعلان الرسمي لفيلم «الأب» الذي يجسد معاناة أقارب مريض بالزهايمر:

لم تنس مها تلك الوقعة أبدًا، ولم تنسها أمها، حتى بعد وفاة الجدة، إذ ما زالت «أم مها» تعيش في ذكرياتها الحزينة مع رعاية الجدة مريضة الزهايمر، التي كانت تسألها في كل مرة تنظف لها غرفتها سؤالًا صادمًا: «أنتِ مين؟».

تقول «أم مها» لـ«ساسة بوست»: «رعاية أمي لم تكن مرهقة بالنسبة لي، ولكن عدم تمييزها لي هو ما كان يحطمني نفسيًّا»؛ وتضيف: «كنت أريد أن أحصل على حضن أو دعوة طيبة أو حتى نظرة امتنان من والدتي، ولكن كل ما كنت أختبره مع أمي في مراحل مرضها المتأخرة، هو الاستنكار والصراخ عليَّ، لأنها تراني امرأة غريبة أحاول دخول غرفتها».

«متلازمة الجندي الوحيد».. أقارب مرضى الزهايمر بين شقي رحى

في دراسة نشرت عام 2018 تحت عنوان «Effects of Alzheimer Disease on Patients and Their Family» أو «آثار مرض الزهايمر في المرضى وأسرهم» اتضح أنه بجانب التحديات المادية التي يواجهها مقدمو الرعاية لمرضى الزهايمر من الأسر والعائلات؛ فإن هناك أيضًا تحديات نفسية تواجههم، من أهمها زيادة القلق والاكتئاب، وحددت الدراسة خمسة أنواع من الضغوطات التي يتعرض لها أقارب مصابي مرضى الزهايمر، وأبرزها الخوف الشديد على المريض من الضياع لأنه لم يعد يتذكر الطرقات.

الأمر الذي يتطلب وقتًا أكثر من الرعاية والاهتمام المتواصل، فعلى عكس الوضع مع أي مرض آخر يمكن أن تطمئن على المريض هاتفيًّا طالما كان قادرًا على الحديث معك، لكن في حال مريض الزهايمر، لا يمكن ترك المريض في المنزل بمفرده، بحكم احتمالية خروجه وعدم قدرته على العودة إلى المنزل؛ وهو ما يجعل أقارب المريض الذين يقدمون له الرعاية تحت ضغط نفسي وعصبي، فضلًا عن عدم القدرة على الموازنة بين الإشراف على المريض ورعاية أسرهم الخاصة.

أوضحت تلك الدراسة أن ثلاثة من أكبر المشكلات التي يواجهها أفراد أسرة مريض الزهايمر هي الافتقار للخصوصية، والحرمان من النوم، وما يعرف بـ«متلازمة الجندي الوحيد» وهي متلازمة تصف الشعور الذي يسيطر على الشخص القائم على رعاية مريض الزهايمر «بضرورة تحمل العبء الكامل لرعاية أحبائهم» وإلا سيشعرون بالذنب بعد ذلك، إذا ضاع هذا المريض في الطرقات أو تسبب في إيذاء نفسه أثناء وجوده بالمنزل بمفرده لعدم وعيه الكامل وبسبب تشتُّت إدراكه.

كما تخلق رعاية مرضى الزهايمر بشكل عام ضغطًا عاطفيًّا على الأسرة سواء قررت الأسرة رعاية مريض الزهايمر في المنزل (حيث الخوف الدائم من خروجه)، أو أودعته في إحدى مؤسسات الرعاية، وهو الأمر الذي يضع أسر المريض تحت طائلة الشعور بالذنب والاضطراب العاطفي وصعوبات في تقبل الوضع.

ومن هنا يصبح مرافق مريض الزهايمر بين شقي الرحى؛ الراحة الجسدية والنفسية والعيش مع الإحساس بالذنب في حال أودع قريبه في إحدى دور الرعاية المتخصصة، أو مع الإرهاق وتحمل كل أعباء رعاية مريض الزهايمر في المنزل دون القدرة على التواصل العاطفي والنفسي مع هذا المريض، ما يترتب عليه الشعور بالحزن والإحباط والوحدة والغضب وفقدان الأمل، وكذلك التعب والاكتئاب.

«زوجي لا يتذكرني»

ليس من السهل على امرأةٍ عاشت مع زوجها أكثر من 20 عامًا، اختبرا فيها الحب والحنان وقسوة الحياة، أن ترى في عين زوجها نظرة استغراب من وجودها، أو اندهاش أو «توهان» كما تقول دلال 50 عامًا، لـ«ساسة بوست» عمَّا اختبرته مع زوجها مريض الزهايمر، الذي لا يتذكرها في أوقات كثيرة، كان آخرها وهي تناوله الدواء حين سألها: «انتِ مين؟».

وقتها أحست دلال بالعذاب، وأن مشاعرها محطمةً كليةً، إذ كيف يمكن لزوجها ألا يتذكرها مهما حصل؟ مؤكدة أن مرض الزهايمر يضع حاجزًا نفسيًّا بين المريض وأسرته يصعب إنكاره، تقول ذلك وهي تحاول أن تداري مشاعرها عن ابنتها التي لا يتذكرها الزوج أيضًا في أحيان كثيرة، وهو ما يضع دلالًا تحت ضغط نفسي لا يطاق، وفق وصفها.

يقول الطبيب النفسي المتخصص في رعاية كبار السن، ويليام أوفنر، والمدير الطبي لبرنامج كبار السن في مستشفى الأصدقاء في فيلادلفيا: «إن تقديم الرعاية لمريض الزهايمر مرهق نفسيًّا لأهل المريض، لعدم توفر المكافأة النفسية»، ويقصد الطبيب بالمكافأة النفسية امتنان المريض أو التواصل الوجداني والنفسي بينه وبين مقدم الرعاية.

يمكنك أن تضعف.. لكن إياك والشعور بالذنب

إصابة الإنسان بمرض الزهايمر وما يرافقه من نسيان لمن حوله، لا يغيِّر من طبيعة احتياج المريض للحب والعاطفة، ولذلك يحتاج مقدم الرعاية لمريض الزهايمر؛ طرقًا جديدة ومختلفة للتعبير عن مشاعره للمريض، خاصةً إنْ كان المريض زوجًا أو زوجة لأن المرض يؤثر سلبيًّا في العلاقة الجنسية بين الشركاء، وقد يفقد مريض الزهايمر في المراحل الأولى من المرض رغبته في ممارسة الجنس، وقد يتسبب إلحاح الطرف الآخر في مشكلات إضافية ومزيد من الحواجز النفسية.

لذا على أسرة مريض الزهايمر أن تتفهم أنه من الطبيعي أن يشعر أفرادها بالإحباط وأحيانًا الغضب، سواءً الغضب من المريض نفسه، أم من باقي أفراد العائلة الذين لا يقدمون أي مساعدة، لكن عند السقوط في تلك المشاعر السلبية، يجب ألا يشعروا بالذنب لغضبهم أو إحباطهم، لأن ما يشعرون به أمر طبيعي يواجهه كل مقدمي الرعاية لمرضى الزهايمر في أنحاء العالم.

وحتى لا يكون العبء غير محتمل في تقديم تلك الرعاية للمريض؛ يجب على مقدم الرعاية أن يضع أهدافًا واقعية وقابلة للتحقيق لخطة رعايته، وذلك؛ لأن وضع أهداف مثالية تصيب مقدم الرعاية بالإرهاق والإحباط، فإذا كان هدف مقدم الرعاية هو أن يصبح مريض الزهايمر نظيفًا ويتناول طعامه جيدًا؛ فيجب قبول النجاح في هذه المهمة بنسبة 80% دون الشعور بالإحباط أو الإحساس بالذنب بسبب ما عجز عن تحقيقه.

«التواصل العاطفي ليس مستحيلًا»

من أهم النصائح التي تقدم لأسر مريض الزهايمر ألا يفقدوا الأمل فيما يخص التواصل العاطفي والاجتماعي للمرضى، فالكثير من مرضى الزهايمر يظلون لائقين بدنيًّا ويحتفظون بقدرتهم على الشعور بالراحة والمشاركة في المناسبات الاجتماعية حتى درجة متأخرة من المرض.

لذا فإن الاستسلام للمرض، ولحظات عدم الإدراك التي تصيب المريض، والخجل من أن يصاب بها أمام الآخرين؛ قد يزيد من تدهور المريض، وفي هذا السياق يُفضل أن تستمر أسرة المريض في توفير نشاطات اجتماعية مشتركة بينهم وبين المريض بما في ذلك الرحلات واستقبال الأقارب والأصدقاء.

ومن أهم الطقوس السعيدة والممتعة التي ينصح بها أسر مرضى الزهايمر بأن يمارسوها مع المريض، مشاهدة صور ومقاطع قديمة للأسرة والشخص نفسه في مواقف متعددة من الماضي، فبجانب أن هذا قد ينشط ذاكرته، فإنه سيدخل البهجة والسعادة على فترات رعاية المريض لمقدم الرعاية نفسه، حين يلمح نظرة تذكر أو تمييز من المريض تجاه تلك الذكريات، والذي قد يحدث بالفعل خاصةً مع الذكريات القديمة.

فعلى سبيل المثال، تخبرنا مها أنه حتى بعد وفاة جدتها، ما زال الحزن والقلق يسيطر على الأسرة، فهي نفسها كلما نسيت والدتها أمرًا ولو بسيطًا، تشعر بنوبة فزعٍ من أن تكون الأم قد ورثت المرض عن الجدة، وتتساءل «مها» في نفسها هل سأصاب أنا أيضًا بهذا المرض؟

في المحصلة يوضح الطب النفسي لأسر مرضى الزهايمر، أن طلب المساعدة من الآخرين، أو الشعور بالضعف والغضب والإحباط ليس أمرًا عليهم الخجل منه، فمن الطبيعي أن يتعرضوا لذلك، وسيكونون في حاجة للرعاية النفسية بطبيعة الحال، سواءً من جانب متخصصين أم من خلال الدعم النفسي الذي يقدمه لهم الأصدقاء والمقربون.

مجتمع

منذ سنتين
«كنت في انتظار الموت قبل اكتشافه».. كواليس عالم الإنترنت بين كبار السن

المصادر

تحميل المزيد