وضع مالي متأزم، توترات سياسية وأمنية، تراجع في معدلات الاستثمار، وتدهور حاد في القطاع السياحي، وفقدان تحويلات المغتربين، كما أن مدخولات قناة السويس بعد التوسعة التي استنزفت المليارات، لا تأتي بالمأمول منها، تلك جملة من الظروف التي تحيط الآن بالاقتصاد المصري الهش.

كما تعاني مصر أيضًا من عجز شديد في مواردها من النقد الأجنبي، ظهر ذلك بوضوح بعد تراجع مساعدات دول الخليج العربي للحكومة المصرية، وأصبحت قيمة الجنيه المصري منهارة أمام الدولار، الذي وصل إلى 11 جنيهًا في السوق الموازية.

ثم يأتي خفض التصنيف الائتماني السيادي لمصر، من قبل وكالة «ستاندرد آند بورز»، من «مستقر» إلى «سلبي»، قبل أيام، ليتفاقم الوضع الاقتصادي المصري في تجاه الأسوأ، وليجعل البنوك العالمية التي تقرض الحكومة المصرية، مضطرة للتعامل مع الواقع الاقتصادي الحقيقي في مصر، هذا الواقع الذي سيكون أمام اختبار صعب في يوليو (تموز) القادم، موعد تسديد 2.4 مليار دولار من الديون.

لماذا خفضت «ستاندرد آند بورز» تصنيف مصر الائتماني إلى سلبي؟

«النظرة السلبية، تعكس تقديرنا بأن هشاشة الوضع المالي في مصر، قد تتفاقم خلال 12 شهرًا المقبلة، ونعتقد أن هذا يعطل تعافي اقتصاد البلاد، ويصعد التوتر السياسي والاجتماعي في البلاد«، هكذا بررت وكالة «ستاندرد آند بورز» سبب خفض تصنيفها الائتماني لمصر، مشيرة إلى أن التعافي الاقتصادي المصري سيستمر على الأرجح في التأثر بنقص العملات الأجنبية وضغوط التمويل الخارجية والمالية خلال الأشهر القادمة.

المحللون الاقتصاديون اعتبروا أن إهدار الحكومة المصرية لمليارات الجنيهات في الإنفاق الاستهلاكي دون الإنفاق الاستثماري سبب رئيسي في خفض التصنيف الائتماني لمصر من مستقر إلى سلبي، إذ قدرت الوكالة العجز في الموازنة العامة الحالية لمصر بنحو 11.5%، وهو عجز جاء على الرغم من استهداف الحكومة المصرية لـ 9% من إجمالي الناتج المحلي.

وتظهر الأرقام أن الدين العام في تزايد مستمر، مما يشكل ضغوطًا على الاقتصاد المصري الهش، حيث تشير الأرقام المصرية إلى أن الدين الحكومي بلغ 91% من الناتج القومي، وذلك بسبب تراجع قيمة الجنيه في السوق الرسمي الذي أدى إلى زيادة الدين الخارجي. أضف إلى ذلك أن إيرادات الصادرات لا تغطي سوى 26% من واردات مصر، مما يعني زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة. وهو ما قد يجعلها عاجزة عن سداد أكثر من ملياري دولار – تقدر ديونها الخارجية البالغة 47,8 مليار دولار – مستحقة في يوليو (تموز) المقبل لصالح نادي باريس وقطر وبعض المؤسسات الدولية.

كما أن الارتفاع المحتمل للتضخم الناجم عن إعلان البنك المركزي خفض سعر الجنيه أمام الدولار بنسبة 14.5٪ منتصف الأسبوع الجاري، وبالتالي انخفاض قيمة العملة المحلية سيكون له أثر ضئيل نسبيًّا على الدين الحكومي، وسترتفع أسعار الواردات التي تشترى بالدولار الأمريكي وتباع بالجنيه المصري في الأسواق المصرية، مما يعني غلاء أسعار المنتج على المستهلك المصري.

كما لا يمكن تجاهل أسباب أخرى، أدت إلى دفع الوكالة لخفض تصنيف مصر الائتماني السيادي طويل الأجل لمصر إلى سلبي، منها استمرار نقص العملة الأجنبية، وتراجع الصادرات، إلى جانب تراجع تحويلات المصريين في الخارج، كما تسبب ضعف معدل نمو المشروعات غير البترولية.

ما هي عواقب خفض تصنيف مصر الائتماني من مستقر إلى سلبي؟

يعكس تراجع التصنيف الائتماني طويل الأجل، حقيقةً حاولت الحكومة المصرية دائمًا إخفاءها، وهي أن الظروف الاقتصادية لمصر سيئة على المدى البعيد. فخفض وكالة «ستاندرد آند بورز» تصنيف مصر الائتماني، من مستقر إلى سلبي، يشير إلى أن التوقعات الائتمانية السيادية لمصر تعني ارتفاعًا جديدًا في عجز الموازنة العامة المصرية.

التصنيف يلقي بأثر سلبي كبير على قرارات البنوك الاستثمارية والتجارية، بشأن إقراض مصر من عدمه، فإذا لم ترفض هذه البنوك منح مصر قروض أو مساعدات، على الأقل ستضطر إلى رفع تكاليف الاقتراض، ورفع أسعار الفائدة لأن درجة المخاطر أصبحت الأعلى بعد هذا التصنيف السلبي.

كما سيكون له أثر كبير على المستثمر الأجنبي الذي سيضع في اعتباره قياسات وكالات التصنيف الائتماني، لأن يريد ضمانًا لعوائد ما يضخه من استثمارات في مصر، وهو تصنيف يأتي في وقت يواجه هذا المستثمر صعوبة في تحويل أرباحه للخارج، ناهيك اضطراره للتعامل بسعرين للعملات الأجنبية بينهما فرق كبير في البنوك والسوق السوداء.

يقول الباحث المتخصص في الشأن الاقتصادي المصري أحمد طلب إن «تغيير وكالة ستاندرد آند بورز نظرتها إلى مصر من مستقرة إلى سلبية يعد بمثابة إنذار خطر لأداء الاقتصاد المصري الذي يعاني صعوبات مالية متفاقمة، ومن المتوقع أن تتزايد بعد خفض التصنيف، وهو ما يجب على الحكومة المصرية استدراكه بإجراء خطوات حقيقية وحاسمة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد».

وأضاف طلب في حديثٍ لـ«ساسة بوست»: «مما يؤكد خطورة الوضع هو الاستجابة السريعة من البورصة المصرية لهذا الخفض، حيث خسرت نحو 5.6 مليارات جنيه في أولى الجلسات بعد خفض التصنيف. ولا شك أن الاستثمارات الأجنبية التي كانت تنتظرها مصر سيكون لها النصيب الأكبر من التأثر السلبي»، وتابع القول: «في ظل العجز المتفاقم في إيرادات البلاد الخارجية وزيادة الفجوة التمويلية بشكل كبير فإن الوضع الاقتصادي المصري بات في غاية الخطورة، لذلك يجب أن تضع الحكومة تقديرات الوكالة نصب أعينها، خاصة بأنها ذكرت في بيانها الأخير أن هشاشة الوضع المالي قد تتفاقم خلال الـ12 شهرًا المقبلة».

وكالة «ستاندرد آند بورز» وتصنيفاتها

من أبرز الشركات التي تقدم خدمات مالية عالمية هي وكالة «ستاندرد آند بورز»، فالوكالة أمريكية المنشأ هي واحدة من ثلاث وكالات عالمية متخصصة بالتصنيف الائتماني، إذ تشاركها كل من وكالة «موديز» ومجموعة «فيتش»، مهام التصنيف المالي على المستوى العالمي، وهي أيضًا فرع من فروع شركات «مكجرو هيل»، المتخصصة بإجراء ونشر الأبحاث والتحليلات المالية على الأسهم والسندات.

تمنح وكالة «ستاندرد آند بورز» تصنيفاتها من أجل قياس مدى قدرة حكومة أو مؤسسة ما مقترضة على الوفاء بالتزاماتها المالية لدى الجهة المقرضة، أي أن هذا التصنيف هو «شهادة بشأن الوضع المالي للجهة المعنية»، فقد صنفت الوكالة من قبل مجلس أوراق المال الأمريكي على أنها «منظمة معايير إحصائية وطنية معترف بها»، وتلتزم الوكالة بقواعد معينة كي تصل إلى مؤشرات قياسية لحالة المقترِض ومن ثم تتخذ قراراتها بعد الأخذ في الاعتبار مخاطر خاصة بالدولة المقترضة وعملة سداد المدين عند الالتزام بالدفع، وغيرها من المؤشرات التي تؤثر بالسلب أو الإيجاب في مسألة التصنيف، وهي مؤشرات ليست ثابتة لأنها مرتبطة بطبيعة الوضع القائم للدولة أو المؤسسة، فإذ ما حدث تغير في المعطيات تتغير النتيجة من قبل الوكالة، فحجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، والعجز في الموازنة، وكذلك العجز في الميزان التجاري، ومدى التزام الحكومة بتطبيق البرامج الإصلاحية كلها من المعطيات غير الثابتة والتي تعتمد عليها وكالة «ستاندرد آند بورز» في قياساتها.

وتصدر «ستاندرد آند بورز» تصنيفات ائتمانية قصيرة وطويلة الأجل، ويحدد تقييمها للمقترضين فيما يتعلق بالتصنيفات الائتمانية طويلة الأجل بمقياس يبدأ من AAA إلى D، وتقدم عن بعض المقترضين توجيه «مراقبة الائتمان» لقياس مدى قدرته على الالتزام بالسداد، فبعض المقترضين يتم ترقيته إلى (إيجابية) إذ تأكدت الوكالة من قدرته على سداد القروض، وتخفضه إلى (سلبية) أو غير مؤكد (محايد) إذا كانت قدرته على السداد ضعيفة.

أما في التصنيفات الائتمانية مسألة قصيرة الأجل، فيقيم مؤشر الشركة نقاطا محددة على مقياس يبدأ منA-1  إلى D. ويمكن أن يضاف إلى فئة A-1 علامة (+)، هو مؤشر بأن الجهة المصدرة قوية جدا في الوفاء بالتزامها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد