1,309

الجيلُ الأول لثورة 25 يناير (كانون الثاني) لم يرحل بعد، لكنّ المفارقة الغريبة أن رموز الثورة الشباب اختفوا أو رحلوا بعدما تغيّر كلُّ شيء، والقائمة تزداد اتساعًا منذ حَكَمَ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ فأعضاء المجلس العسكري تمّت الإطاحة بهم، شأنهم شأن جبهة الإنقاذ التي لم يعد لها وجود، إضافةً للشخصيات الإعلامية التي مُنعت من الظهور، وكذلك رموز السياسة الذين دعوا المواطنين لانتخاب «مُرشح الضرورة»؛ جميعهم رحلوا تدريجيًا عن الذاكرة.

والسطور القادمة هى الجزء الثاني من تقرير «الرابحُ يبقى وحيدًا»، نشرح لك كيف تخلَّص النظام المصري من «أصحاب الأضواء».

1) الانتقام بقوانين العزْل

«المستشار يحيى الدكروري وخالد علي أحد المستهدفين من ذلك القانون»

بعدما خاض كل من المستشار يحيى الدكروري، رئيس محكمة القضاء الإداري، والمحامي خالد علي، معركة مباشرة ضد نظام السيسي، قرر النظام الانتقام منهما على الطريقة القانونية.

(المصدر: مصر العربية)

بعد تعديل قانون السلطة القضائية الذي أقره البرلمان ورفضه القضاة، أصبح لرئيس الجمهورية الحق في تعيين رؤساء كل من: مجلس الدولة، ومحكمة النقض، وهيئة قضايا الدولة، وهيئة النيابة الإدارية، والتعديل الجديد الذي يتجاوز مبدأ الأقدمية كان أحد الطرق المشروعة لإزاحة المستشار يحيى الدكروري، صاحب الحُكم التاريخي الذي أغضب الرئيس السيسي ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«جزيرتي تيران وصنافير»، والتي أقرها البرلمان لاحقًا.

وكان مجلس الدولة قد أعلن في وقتٍ سابق عن عقد جمعية عمومية من أجل تنصيب المستشار الدكروري رئيسًا للمجلس تمسُّكًا بالصلاحيات الدستورية التي تنصُّ على تعيين أقدم القضاة للمنصب، وكان العُرف المُتبع قديمًا ألا يتدخَّل الرئيس في الاختيار، إذ كانت الجمعية العمومية تقوم برفع اسم أقدم عضو في كلّ جهة؛ من أجل التصديق عليها، ويكون دور رئيس الجمهورية «شرفيًا»، بإصدار قرار جمهوري بالتعيين فقط، ولا يحقُّ له الاختيار أو الاستبعاد، لكنّ القانون الجديد ينص على: «يختار رئيس الجمهورية اسمًا واحدًا بين ثلاثة يتم ترشيحهم من قبل المجلس بين أقدم سبعة قضاة؛ وفي حالة عدم إرسال أسماء المرشحين الثلاثة قبل ستين يومًا من خلوّ المنصب، فحينها يحق للرئيس تعيين أي شخص». لقراءة نص القانون كاملًا اضغط هنا.

لكنّ مجلس الدولة تجاهل القانون الجديد، وقام بترشيح اسم المستشار الدكروري منفردًا تمسُّكًا بقانون الأقدمية، وردَّت رئاسة الجمهورية بالصمت؛ لكنّ القضاة وضعوها في موقفٍ محرج لأنهم أظهروا للرأي العام بوضوح تمسكهم بقاضي مصرية «تيران وصنافير»، والقضاة لم ينتصروا طويلًا بعد الدعوى التي رفعها أحد المحامين ضد المستشار الدكروري لاستبعاده من الترشح لمجلس الدولة.

وكانت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، قررت قبل شهر، تأجيل نظر الدعوى القضائية التي تطالب بإلزام رئيس الجمهورية باستبعاد المستشار الدكروري من رئاسة مجلس الدولة، بعدما رشحته الجمعية العمومية لتولي المنصب، كما طلبت إحالة الدعوى للمحكمة الدستورية لعدم دستورية ترشُّحه منفردًا أمام القانون، والمثير أن المحامي استند في الدعوى على أنّ «نجل الدكروري تم قبوله مستشارًا في مجلس الدولة رغم حصوله على ليسانس الحقوق بتقدير مقبول دور أكتوبر عام 2004، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ النزاهة والعدل»، وهذا يعني أن السيسي قد يتمكَّن من التحايل على رغبة القضاة، ويخرج من الأزمة الحالية في حال تطبيق قانون العزل على المستشار الدكروري لاعتبارات أخلاقية، تُرى هل ينتهي نفوذ السلطة القضائية بعد تلك القضية؟

خالد علي أيضًا أحد أولئك الذين أصبحوا مصدر إزعاجٍ للحكومة المصرية، فهو صاحب الدعوى القضائية وقائد فريق الدفاع للطعن على اتفاقية «تيران وصنافير»، والتي سببت غضبًا شعبيًا خاصة بعد أحداث «جمعة الأرض» التي كانت سببًا في اعتقال 175 شابًا، صدرت أحكام بالسجن خمس سنوات بحق 101 منهم، وتغريمهم مبلغ 100 ألف جنيه، بينما حُكم على 51 آخرين بالسجن مدة عامين؛ لكن الذي يثير غضب الحكومة خاصة بعد انحياز البرلمان لصالحها، هو أن خالد طالبه البعض بالترشح لانتخابات الرئاسة القادمة في يونيو (حزيران) 2018.

لذا فالسبيل الوحيد لمنع خالد علي من الترشح هو توجيه تهمة أخلاقية إليه، تكون حاجزًا دستوريًا يمنعه من الترشح مثل حالة المستشار الدكروري، لذا فقد تقدم أحد المحامين برفع دعوة قضائية ضده بتهمة ارتكاب فعل فاضح علنًا، أثناء الاحتفال بصدور حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية، وهو ما أدَّى لاحتجازه قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيله بكفالة مالية، ولكن هل انتهى الأمر؟

كل السيناريوهات في قضية خالد حتى الآن ليست في صالحه، فهو لا يمكنه الترشح للرئاسة في ظل وجود قضية يُواجه فيها اتهامًا، كما أنه في حال صدور حكم قضائي ضده، فإنه لن يكون صالحًا للترشح لأنه ارتكب جريمة أخلاقية.

2) التهديد بالقوانين.. البرلمان يحارب بدلًا عن السيسي

«الأزهر وحزب النور الأحزاب الليبرالية»

الشيخ أحمد الطيب هادئٌ بطبعه لا يبدو عليه أنه يعبأ بالصّراعات من حوله، يؤكد في كلّ مرة أن الأزهر خارج دائرة الصراعات، لكنّه كان حاضرًا في خطاب 3 يوليو (تموز) 2013، وهو على مكانته العالمية لا يهتمّ بآرائه المتناقضة في كل عهد؛ فهو قد طالب المتظاهرين بالعودة إلى بيوتهم في ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، لكنه طالب بحمايتهم في عام 2013، وهو في كل مرة يسعى فيها لإرضاء الحكومة كان يسعى لاستقلال الأزهر أيضًا، رافعًا شعار «الأزهر فوق الثورة والسلطة»، لكنَّ المواجهة الأخيرة مع النظام جعلتْ للبرلمان رأيًا آخر.

ويجب الإشارة هنا إلى ذكاء شيخ الأزهر عام 2012، فالطيب استطاع الاستفادة من صلاحيَّات المجلس العسكري في ظلّ غياب البرلمان المصري خلال الفترة الانتقالية، ونجح في انتزاع قانون تنتهي به كل تبعيات الأزهر للدولة، إذ أصبح الإمام بنصّ القانون غير قابلٍ للعزل، وبهذا التعديل الذي حمى الشيخ من أي رئيسٍ قادم، كان سببًا في تزايد الصدام بين الشيخ والرئيس؛ فالطيِّب في عام 2013، أعلن رفضه للدماء خلال أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك وقرر اعتزال القاهرة ذاهبًا إلى الأقصر في قريته، ثم حدثت أزمة جديدة عقب رفض الأزهر تكفير تنظيم الدولة «داعش»، وتعرّض الأزهر نتيجة لمواقفه إلى هجوم من قبل وسائل الإعلام المصرية التي اتهمت المؤسسة بتخريج الإرهاب من خلال المناهج الدراسية، ولم يهدأ الصراع بين الطيب والرئيس بعدما اشتدَّت حدته، بل قام الشيخ بانتقاد سياسات صندوق النقد الدولي، وكان آخر الصدام هي أزمة الطلاق الشفهي الذي رفضه الأزهر، لذلك كان لابد وفقًا لمؤيدي الرئيس إصدار قانون تنظيم الأزهر لانتزاع الصلاحيات التي حصل عليها خلال فترة المجلس العسكري.

والقانون الذي رفضه رئيس مجلس الشعب وأعاده للتعديل، يُعطي لرئيس الجمهورية الحقّ في تعيين إمام وخطيب الأزهر، كما يجرِّد الجامعة من كلياتها العلمية والأدبية، وأنهى الانتصار التاريخي للطيب بوضع مادة تجعله قابلًا للعزل، وقيّد بقاءه بمدة معينة، وعلق رئيس المجلس قائلًا: «القانون لا يمسّ شيخ الأزهر ومن حق أي نائب التقدم بمشروع قانون»، ما يعني أنه يمكن إخراجه في أي وقت، والمثير للانتباه أن الأزهر صمت أمام مشروع القانون، لكن الذي يُلفت الانتباه أنه لم يعد يثير الضجة بعد ذلك.

لمعرفة القصة الكاملة لصراع الإمام مع الرئيس، اقرأ التقرير التالي: الطيب والسيسي.. ماذا تعرف عن صراع الشيخ والرئيس؟

والجدير بالذكر أنّ الأزهر اتخذ إجراءاتٍ عنيفة ضد كلٍ من الشيخ سالم عبد الجليل الذي قال إن «المسيحيين كفار وعقيدتهم كافرة وفقًا للدين»، وصرح وزير الأوقاف بأن عودة «سالم» مرهونة بالاعتذار عن تكفير الأقباط، وامتد العقاب ليشمل إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة، الشيخ عبد الله رشدي، بسبب موقفه المماثل، وحتى الآن لم يصدر بيان عن الأزهر يوضِّح الخطأ في كلام الشيخين، كما جرت العادة.

«حزب النور.. التنازل عن الخطوط الحمراء»

البرلمان لا يمكنه فقط القضاء على المؤسسات، فقوة إصدار القوانين تستطيع أن تهزم الجميع، وأضعف هؤلاء هو حزب النور؛ فمن ثاني أكبر حزبٍ في مصر في عام 2012، إلى أضعف كتلة في البرلمان الحالي، ومن التمسَّك بـ«المادة الثانية في الدستور»، إلى الموافقة على «سعودية الجزيرتين»، تُرى ما الذي يُخيف الحزب الإسلامي الذي يرفع شعار «ندعم السيسي تعبُّدًا لله»؟

ينتهج الحزب سياسة «النجاة» التي كانت سببًا في بقائه حتى الآن وعصمته من مصير التيارات الإسلامية الأخرى، فهو أعلنها صراحة بأنه «يؤيد موقف الدولة»، لكنه لا يخشى أن يصرح أن نظام السيسي يساهم في الحرب عليه، وخلال الانتخابات الأخيرة ترشّح على قائمتين انتخابيتين بدلًا من أربع، وعلى 160 مقعدًا فرديًّا بدلًا من 448، وكانت المفاجأة أنه حصل على 12 مقعدًا – نسبة 2% -، بالرغم من أنه رشّح «الأقباط» على قوائمه بعدما كان يجهر بتكفيرهم، ويبدو أنه يلتزم بسياسة النجاة خوفًا من دعوى برلمانية تطالب بحلّه لأنه مبني على أساس ديني.

حزب الدستور: نحن نناضل من أجل البقاء وإذا نجحنا في أن نبقى متحدين سيكون ذلك إنجازًا في حد ذاته

الأحزاب الليبرالية أيضًا واجهت مصيرًا مشابهًا لحزب النور؛ إذ إنها تمزقت نتيجة الأزمة المالية خاصة بعدما نجحت الدولة في استقطاب رجال الأعمال للدخول في الأحزاب التابعة لها بصورةٍ غير مباشرة، سببٌ آخر لم تتدخل الدولة فيه لإضعاف الحياة السياسية، فالانقسامات الداخلية التي عانت منها أحزاب «الوفد والمصريين الأحرار، والحزب المصري الديمقراطي» ساهمت في إضعاف دورها.

من جانب آخر تقوم الحكومة بالقبض على شباب الأحزاب المعارضة لأنّها أولًا عارضت النظام بسبب اتفاقية «تيران وصنافير»، ثم هاجمت السيسي عقب أحداث هجوم المنيا، بالإضافة لحجب المواقع الإلكترونية، ثم إنها أخيرًا – الأحزاب المعارضة – أعلنت عن رغبتها في تكوين تحالف للاتفاق على مرشّح واحد، والذي سيكون غالبًا ضد السيسي، لذلك نشطت في الفترة الأخيرة حملات للقبض على شباب حزب الدستور والتحالف الشعبي والعيش والحرية، من جانبها وصفت أحزاب أخرى حملات الاعتقال بأنها قتل للعملية السياسية.

اقرأ أيضًا: الإيكونوميست: الليبراليون فاشلون في مصر

3) الانتقام من الشخصيّات العامة المعارضة

قائمة «خارج السرب» الجديدة كان بها معارضون قدامى، لكن الذي دفع النظام للخطر، هو انضمام شخصيات عامة كانت في فترة سابقة من أشد أركان قوة النظام. يأتي على رأس القائمة رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي حشد حزبه (المصريين الأحرار)، إضافة إلى القنوات التليفزيونية والصحف التي يدخل شريكًا بها للدفع لتأييد المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي، وكانت الدولة في مقابل ذلك تتغاضى عن الضرائب التي لم يدفعها.

لكنّ «ساويرس» هاجم الدولة بصورةٍ مباشرة، إذ دعا الشباب في حوارٍ مع صحيفة «اليوم السابع» المقربة من النظام إلى النزول والتظاهر في ذكرى الثورة الخامسة، وهو ما كان سببًا في تعرُّضه لبلاغ للنائب العام بتهمة الدعوى للتظاهر وإشاعة الفوضى، ولم تكن هذه فقط آخر صداماته، حيث صرح رجل الأعمال المصري بأن «السيسي يطالبنا بالتبرع بجنيه وحكومته تهدر الملايين يوميًا»، وكان هذا كافيًا لشنّ الحرب عليه.

فبدأت الأحزاب المؤيدة للدولة هجومًا عليه بعدما وصفها بأنهم «خراف»، ليتصاعد الغضب الذي انتهى بانضمام أعضاء من حزبه لائتلاف «دعم مصر» المحسوب على النظام، كما تعرَّض إلى أقسى هجمة شرسة في تاريخه السياسي، عقب الإطاحة به من الحزب الذي اتهمه بالتخابر مع إسرائيل، ويبدو أن رجل الأعمال الذكي أدرك أن الوقت ليس مناسبًا للاستمرار في معركته مع الدولة التي يراها تنتهج سياسات خاطئة كان هو أكثر الرابحين فيها ماليًا، إذ ربح عام 2016 نحو 700 مليون دولار، ليقرر في النهاية الاعتذار على طريقته الخاصة قائلًا: «أؤيد السيسي ولو أخطأ».

اقرأ أيضًا: «ميدل إيست أوبزرفر»: «السيسي» باع الجزر مقابل ساعة روليكس وهدايا للبرلمانيين

وثالث أعضاء القائمة هو رجل غير محسوب على النظام، فأحمد السيد النجار بالرغم من كونه رئيسًا سابقًا لمجلس إدارة الأهرام، إلا أنه كان أحد الشخصيات التي حرص النظام على استقطابها، لكنّ استقالته الأخيرة من منصبه، واتجاهه لمعارضة الحكومة جلبت له العداوات والخصوم، فبعدما كان أحد الرموز التي تتفاخر بها الدولة، أصبح فجأة مُدانًا في نظر المؤيدين بعد تقديم استقالته وتصريحاته عن بيع المخدرات داخل المؤسسة إضافة إلى مهاجمة الحكومة.

وسبق لـ«النجار» أن هاجم السيسي بسبب جزيرتي «تيران وصنافير»، كما عارض سياسات صندوق النقد الدولي، واتهم الحكومة بالفساد، وهو الآن يواجه تهمًا تتعلق أيضًا بالفساد لكنها لم تتحرك حتى الآن.