على ما يبدو، لم تستفيد البورصة المصرية من برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما أن التوقعات لا تشير إلى تحسن قريب في السوق، فلماذا ينفصل أداء البورصة المصرية عن الأداء الاقتصادي المعلن؟

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة المصرية عن النجاح الكبير على مستوى المؤشرات الاقتصادية الرئيسة، ونجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من «صندوق النقد الدولي» خلال السنوات الثلاث الماضية، يصدر حساب رئاسة مجلس الوزراء المصري على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بيانات شبه يومية حول تحسن الاقتصاد المصري، ولعل أبرزها ما نشر حول تحقيق مصر نموًا اقتصاديًا يضعها بالمركز الثالث عالميًا في قائمة «الإيكونومست» الدورية للنمو الاقتصادي.

هذا بالإضافة إلى احتلال الجنيه المصري المركز الثاني كأفضل عملات العالم أداءً في 2019، بحسب ما نقل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء عن وكالة «بلومبيرج»، وخلال الربع الأول خلال من 2019 حققت مصر طفرة في معدلات النمو الاقتصادي وصلت إلى 5.6%، كما ارتفع سعر صرف الجنيه بنحو 6.5% أمام الدولار الأمريكي خلال النصف الأول من 2019، لكن رغم كل هذا البيانات والإشادات يواصل خبراء سوق المال التحذير من التدهور الكبير في البورصة المصرية.

فعلى ما يبدو لم تستفيد البورصة من برنامج الإصلاح، كما أن التوقعات لا تشير إلى تحسن قريب في السوق، فلماذا ينفصل أداء البورصة المصرية عن الأداء الاقتصادي المعلن؟ وهل أداء البورصة هو المعبر الحقيقي عن الوضع الاقتصادي أم أن مؤشرات الحكومة هي الأقرب للواقع؟ وما هي أسباب هذا التدهور؟ كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها خلال السطور القادمة.

برنامج السيسي لإصلاح اقتصاد مصر يقترب من نهايته.. 15 مؤشرًا يكشف هل نجح أم فشل

البورصة المصرية.. 19% فقط نسبة المساهمة بالاقتصاد

مؤخرًا عقدت «جمعية رجال الأعمال المصريين» مناقشة مفتوحة؛ وذلك بهدف تناول أسباب تراجع أداء البورصة المصرية، ونتائجها، تحت عنوان «الوضع الحالي للبورصة المصرية.. الأسباب والنتائج»، وخلصت المناقشة إلى أن البورصة المصرية تمر بمرحلة من الأداء السيئ؛ إذ قال هاني توفيق محلل سوق المال، والرئيس السابق للجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر: إن الأداء السيئ للبورصة المصرية خلال الفترة الماضية يعود في الأصل لمشاكل داخلية متعلقة بالبورصة.

وأوضح توفيق أن الضرائب والرسوم والأتعاب للبورصة و«هيئة الرقابة المالية» و«مصر للمقاصة» ساهمت في تدهور أداء البورصة، بالإضافة إلى عدم تنوع الشركات وآليات التداول، لكن يرى أن ما تمر به البورصة «عرض، وليس مرضًا».

مؤشر  البورصة المصرية

ويشار إلى أن البورصة المصرية تعتبر ثالث أقدم بورصة في العالم، وأول بورصة في الشرق الأوسط، فهي تعود إلى عام 1883 عندما تم إنشاء بورصة الإسكندرية، ثم بورصة القاهرة عام 1903، وذلك بعد بورصتي نيويورك ولندن، لكنها حققت طفرة كبيرة مع بداية الألفية الحالية، وخاصة أعوام 2004 و2005 و2007، حين سجلت تعاملات المستثمرين الأجانب في 2005 صافى شراء 6.5 مليار جنيه، ووصلت إلى الذروة في 2007 بنحو 8 مليارات جنيه.

وحتى الآن يعتبر عام 2007 أحد أفضل أعوام البورصة المصرية من ناحية الأداء؛ حيث ارتفع مؤشر السوق الرئيس أكثر من 50%، ووصل متوسط التداولات اليومية لنحو 1.4 مليار جنيه، ولكن مع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 توقفت التداولات في البورصة لمدة 38 جلسة، ومنذ ذلك الحين تواصل البورصة نزيف النقاط.

كما تراجعت مساهمتها في الاقتصاد بصورة واضحة بحسب المحللون، فقد تراجعت نسبة رأس المال السوقي لشركات البورصة المصرية بالناتج المحلى الإجمالي لنحو 19% بقيمة 42 مليار دولار حجم رؤوس الأموال المدرجة بالبورصة، وذلك في الوقت الذي تصل فيه النسبة ببعض الأسواق المجاورة إلى 66% و85% و63% و330%، لكل من السعودية، وقطر، والإمارات، وجنوب أفريقيا على التوالي.

مؤشر البورصة المصرية منذ 2016

مؤشر البورصة المصرية

ويشير توفيق إلى تدهور عدد الشركات المتداولة حاليًا بنسبة 75% منذ عام 2000 وحتى الآن، وذلك من 1071 شركة مقابل 250 شركة حاليًا، بينما بلغ حجم التداول اليومي عام 2004 نحو 2 مليار جنيه، بما يعادل 400 مليون دولار يوميًا، بينما حجم التداول يصل إلى 20 مليون دولار الآن، وكان عدد المتداولين يصل لنحو 300 ألف مستثمر نشط، وبينما الآن لا يتجاوز 4 آلاف مستثمر نشط.

5 أسباب رئيسة أدت لتراجع البورصة المصرية

خلال حديث مطول مع محمد شعراوي، الأكاديمي المصري، ورئيس قطاع التدريب بشركة «بايونيرز» لتداول الأوراق المالية حاول «ساسة بوست» الوقوف على أسباب التدهور الكبير في مؤشرات البورصة، وخلص الحديث إلى تحديد 5 أسباب رئيسة وهي:

1- إلغاء الإعفاء الضريبي

ويرى شعراوي أن مشكلة البورصة المصرية تكمن في القرارات المصدرة غير المدروسة، وأهم هذه القرارات وضع ضريبة دمغة، والحديث عن ضريبة الأرباح الرأسمالية، وجاءت ضريبة الدمغة، والتي كان من المقرر أن تستمر لمدة ثلاث سنوات، -ي السنة الأولي تساوي 1.25 في الألف، وفي السنة الثانية تساوي 1.5 في الألف، وفي السنة الثالثة تساوي 1.75 في الألف، وحاليًا نعتبر في السنة الثالثة، ولكن تم التعديل بحيث تظل ثابتة عند مستواها الحالي 1.5 في الألف.

ووفق رئيس بورصة مصر، محمد فريد، تبحث إدارة البورصة تعديلات مرتقبة مع وزارة المالية على منظومة الضرائب بالسوق تشمل مزجًا بين ضريبتى الدمغة والأرباح الرأسمالية، بهدف تخفف عبء ضريبة الدمغة من على كاهل المستثمرين.

وبحسب شعراوي فهذه الضرائب والعمولة تسببت في تراجع العمل الكفء بنظام (T+0)، وذلك لأن المستثمر يقوم بشراء السهم ويضع في اعتباره عمولة السمسرة، وضريبة الدمغة، وعمولة الحفظ، وعمولة البورصة، ومع دفع كل هذه الضرائب والعملات يكون المستثمر في حاجة لأن يرتفع السهم بأكثر من 1% حتى يحقق ربحًا، وهو ما لا يحدث.

يشار إلى أن نظام تسوية (T+0) هو نظام تكتمل فيه تسوية صفقات الأوراق المالية من فئة الأسهم في نفس يوم تنفيذ الصفقة، وفي ظل تراجع أرباح الأسهم وزيادة الضرائب والعملات تراجع العمل بهذا النظام، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على حجم التداول اليوم في السوق.

جدير بالذكر أن الشركات المقيدة بالبورصة كانت تعفى من الضرائب حتى نسبة 10% من رأس المال لإغراء أصحاب الشركات على القيد بالبورصة، لكن فرضت ضريبة على البائع والمشتري في معاملات البورصة في مايو (أيار) 2013 قبل أن توقف العمل بها وتفرض ضريبة بنسبة 10% على التوزيعات النقدية والأرباح الرأسمالية في يوليو (تموز) 2014 ثم توقف العمل بها أيضًا في مايو 2015.

وأخيرًا أقرت الحكومة في 2017 فرض ضريبة دمغة متدرجة على معاملات البورصة تبدأ بنسبة 1.25 في الألف على البائع والمشتري في العام الأول من التطبيق ثم 1.5 في الألف في العام الثاني لتصل الى 1.75 في الألف في العام الثالث، إلا أنه مع تدهور أوضاع البورصة ألغت وزارة المالية في مايو تطبيق المرحلة الثالثة، وقالت إنها ستدخل في مفاوضات مع القائمين على سوق المال لوضع تعديلات تساعد السوق على الانتعاش.

2- تأخر الطروحات الحكومية

ويقول شعراوي: إن الطروحات الحكومية التي لم تحدث حتى الآن، تعتبر ثاني أسباب التدهور، فالبورصة في حاجة إلي مولود جديد لم يسبق له الوجود فيها مثل «بنك القاهرة»، كما أنه لم يحدث توسيع في قاعدة الشركات التي يتم طرحها في البورصة حتى الآن، بينما بالنسبة للشرقية للدخان تعتبر زيادة في رأس المال، وليست اكتتابًا أو طرح جديد في البورصة.

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت منذ أكثر من عام عن نيتها جمع ما بين ثمانية و10 مليارات جنيه، من طروحات الشركات الحكومية بالبورصة في السنة المالية 2018-2019، ولكن انتهت السنة المالية ولم يحدث ذلك، وهو ما أثر سلبًا على البورصة المصرية، فقد رأى المحللون أن «التأجيل يعكس عدم ثقة الحكومة في السوق».

وأعلنت الحكومة عن برنامج لطروحات الشركات سيعرض أسهم عشرات الشركات المملوكة للحكومة على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة في قطاعات مثل البترول والخدمات والكيماويات والشحن والخدمات البحرية والعقارات للمساعدة في دعم المالية العامة للحكومة.

3- ارتفاع سعر الفائدة

يتابع، شعراوي الأسباب قائلًا: إن سعر الفائدة المرتفع هو ثالث الأسباب؛ فقد تسبب في هروب الكثير من المستثمرين من البورصة ولجوئهم إلى الأرباح ذات العائد الثابت مثل البنوك؛ وهو ما أدى لتدهور البورصة، بالإضافة إلى أن معظم الشركات المدرجة داخل البورصة تعتمد على خطوط إنتاج بالقروض، فعند ارتفاع سعر الفائدة، إما يتوقف خط الإنتاج، أو يرتفع سعر خط الإنتاج؛ فتنخفض المبيعات، وبالتالي تنخفض أرباح الشركات.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن عدم وعي المستثمرين بنظام «المارجن» – حصول المستثمر على قرض من البنك بضمان الأسهم التي يملكها فيتم منحه نحو 60% من قيمة أسهمه كسيولة لشراء أسهم جديدة أو لتداول جديد – جعل المستثمرين تتراكم عليهم فائدة تصل لنحو 30% سنويًا، وهو الأمر الذي دمر محافظ المستثمرين في مصر.

وإذ كان المستثمر لديه محفظة أسهم بقيمة 100 ألف جنيه، فعند حصوله على قرض من البنك بضمان أسهمه، يحصل علي نسبة 60% من قيمتها، لتكون قيمة محفظته بعد حصوله علي القرض 160 ألف جنيه، وبمجرد نزول السوق يقوم البنك بإعلامه أن «المارجن» (60%) كان علي قيمة المحفظة السوقية المساوية لـ100 ألف، ولكن حاليًا القيمة السوقية للمحفظة بعد انخفاض السوق أصبحت مثلًا 90 ألف جنيه؛ لذلك يجب البيع حتى يصل المارجن لـ55 ألف جنيه؛ ما يضطر المستثمر إلى البيع بالخسارة.

وتشير تقديرات هيئة شؤون المال إلى أن نسبة المستثمرين الذين يعملون بنظام «المارجن» من الأفراد بالبورصة المصرية أكثر من 70%، وفي ظل ارتفاع سعر الفائدة وتراجع السوق يتعرض كل هؤلاء إلى الخسارة.

4- سوء إدارة السوق

وحول السبب الرابع، يقول شعراوي: إن البورصة المصرية تعاني حاليًا مما يمكن وصفه بسوء الإدارة، فمثلًا أحد مواد سوق المال تنص علي أن أي سهم يسجل صعودًا أو هبوطًا بأكثر من 50%، يتم إيقافه وطلب مستشار مالي مستقل لتحديد قيمة عادلة له، وما يحدث هو تطبيق المادة في حالة الصعود والتغاضي عن حالة الهبوط.

ويضرب هنا مثال على «جلوبال تليكوم»، حيث صعدت قيمته في مدة قليلة بأكثر من 50%، فقررت البورصة وقف السهم وطلب مستشار مالي مستقل لطلب قيمة عادلة للسهم؛ حتى لا يتم التلاعب في قيمة الأسهم، وحتى لا تكون قيمها مبالغًا فيها، بينما يتساءل لماذا لا يتم ذلك عند انخفاض قيمة الأسهم بأكثر من 50%، فقد يكون هذا تلاعبًا من المستفيدين من انخفاض قيمة هذا السهم.

5- البيروقراطية وعرقلة الصفقات

ويشير رئيس قطاع التدريب بشركة «بايونيرز»، إلى وجودة مشكلة بين محمد عمران رئيس «الهيئة العامة للرقابة المالية والمستثمرين» بسبب بعض القرارات كقرار المستشار المالي وقف الأسهم الصاعدة، وتطبيق القانون علي بعض الأسهم دون غيرها، وعلى سبيل المثال أزمة «جلوبال» التي تسببت في خسائر أغلب المتعاملين بالسوق.

هل البورصة المصرية لم تعد مرآة الاقتصاد؟

يؤكد المحللون أن البورصة لا يجب أن تكون مرآة الاقتصاد فقط، ولكن كذلك هي شريان الاقتصاد، لكن هذا الأمر ربما لا يتطابق مع الحالة المصرية؛ ففي الوضع الحالي مع التحسن المعلن في المؤشرات الرئيسة هناك تدهور في أداء البورصة، وبالقول إن البورصة مرآة الاقتصاد فإن هناك افتراضين الآن: إما أن البورصة لا تعبر عن الواقع، أو أن البورصة تعبر عن الواقع والمؤشرات المعلنة غير حقيقية.

لكن يذهب بعض المحللين إلى رأي آخر، حيث يرون أن البورصة المصرية لا تعكس أداء الاقتصاد؛ وذلك لضعف عدد الشركات المدرجة، وتضاؤل نسبة مساهمتها في الاقتصاد، وانخفاض حجم رأس المال السوقي للبورصة نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، ففي الوقت الذي نجد فيه عشرات الشركات فقط مدرجة بالبورصة، هناك عشرات الآلاف العاملة في البلاد، وهو ما لا يجعل منطق المرآة في مصر منطقيًا.

وبالرغم من أن البورصات وأسواق المال عمومًا تلعب دورًا محوريًا في تنشيط حركة الاستثمار، وتيسير حركة أموال المستثمرين بكل اقتصادات العالم رغم تنوع سياستها، إلا أن الخبراء دائمًا ما يتهمون الحكومة المصرية بعدم اهتمامها بالبورصة، وهو ما يضاف لأسباب تدهورها في الأشهر الماضية.

«اقترض بفائدة تساوي صفر».. هل اقتصاد بلا «ربا» يعني اقتصادًا ناجحًا؟

المصادر

تحميل المزيد