716

لم يكن القارئ العربي يتخيل يومًا أن تبادر وسيلة إعلام تابعة لدولة عربية بتمرير رسائل إسرائيلية، رسائل تحقق أهدافًا عدة للمستويات السياسية والاستخباراتية العليا في إسرائيل.

نموذجًا واضحًا يشكله موقع «إيلاف» الإلكتروني الذي تحول – على حد وصف الصحافة العبرية – إلى «الأون ريكود» للتسريبات الإسرائيليّة؛ إذ لم تولِّد تلك الحقيقة مقابلة الموقع أخيرًا مع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ فقد سبقها الكثير من المقابلات مع شخصيات إسرائيلية مررت رسائل عدة باعتراف الإسرائيليين على مدى 10 سنوات.

من مقرّ هيئة الأركان الإسرائيلية.. معكم موقع «إيلاف» السعودي!

تمكّن مراسل الموقع السعودي «إيلاف»، مجدي حلبي من تحقيق هدفه بمقابلة رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ الجنرال «غادي أيزنكوت»، حدث ذلك بمبادرة من الموقع في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. فمباشرة بعد أن وافقت القيادة السياسية في إسرائيل على اللقاء، وصادق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو على إجرائه، ذهب «حلبي» إلى مقرّ هيئة الأركان الإسرائيلية وأجرى المقابلة هناك، حيث اختار «أيزنكوت» هذا المكان ليوجه منه رسائل سياسية ودبلوماسية وعسكرية للعالم العربي، فتحدث عن العلاقات الإسرائيلية مع السعودية التي «لم تكن في يوم من الأيّام عدوة لإسرائيل، فهي لم تقاتلنا، ولم نقاتلها»، حسب وصفه، وعن النفوذ الإيراني للسيطرة على الشرق الأوسط، وعن أهمية تشكيل حلف عربي يستفيد من إمكانات إسرائيل في مواجهة إيران وحزب الله اللبنانيّ.

                                                            عنوان وصورة مقابلة إيلاف مع «أيزنكوت»

لقد شكلت مقابلة «إيلاف»، المقرّب من دوائر صنع القرار السعودي، خطوة نحو إخراج العلاقات السعودية مع إسرائيل للعلن، وجاءت لدعم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعد الانتقادات التي تعرَّض لها إثر الأزمة اللبنانية، فحسب مصدر إسرائيلي شارك في إعداد مقابلة أيزنكوت: «ليس جديدًا أن تقوم إسرائيل ودول الخليج بتعزيز علاقاتهما على أساس المصالح المشتركة في الشرق الأوسط، لاسيما قلقهما إزاء تحركات إيران الجريئة»، ويضيف المصدر لصحيفة «هآرتس» العبرية: «تُعد مقابلة رئيس الأركان رابطًا آخر في سلسلة التفاعلات التي تجري في المجمل خلف الكواليس، وليس من الضروري الإشارة إلى أنَّه قد اتخذت خطوات كبيرة أخرى».

                أيزنكوت مع ما يسمى «وزير الدفاع الإسرائيلي»، أفيغدور ليبرمان (المصدر: موقع قناة i24NEWS)

المقابلة، احتفى بها الموقع السعودي كسبق أعادت نشره وسائل إعلام عربية وعالمية، فذكر أنها «الأولى من نوعها مع وسيلة إعلام عربية»، بالرغم من أنها لم تكن الأولى من نوعها لوسيلة إعلامية سعودية على وجه التحديد؛ فقد سبق وأن أجرى مراسل صحيفة «الشرق الأوسط»، نظير مجلّي، عام 2005 مقابلة مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق (وزير الأمن لاحقًا)، موشي يعالون.

يؤكد معدّ برنامج «المشهد الصهيوني» في فضائية القدس على أن إسرائيل تسعى لنقل وجهة نظرها وتبييض صورتها عبر الكثير من المواقع، فتلك سياسة تتبناها الدولة العبرية، مضيفًا: «فيما يتعلَّق بالمستقبل، فمن الواضح أنّ إسرائيل من خلال قدرتها على نسج العلاقات مع الدول السنيَّة، وتحديدًا السعودية، تحت عنوان محاربة إيران، فإنها تتَّجه لتحقيق عوائد كبيرة من جوانب مختلفة، منها الإعلامية»، ويوضح لـ«ساسة بوست» أن نسج مثل تلك العلاقات سيكون له عوائد دبلوماسية على إسرائيل من حيث ولوجها في العديد من الأماكن والمؤسسات في العالم.

هل كانت المقابلة الأولى مع مسئول إسرائيلي لإيلاف؟

في معركة الاحتجاجات الفلسطينية الرافضة للبوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى  أغسطس (آب) الماضي، اخترقت الأخبار الإعلامية المكثفة خبرًا يفيد بأن الملك السعودي، سلمان، تدخل بشكل شخصي لدى الاحتلال الإسرائيلي من أجل إزالة تلك البوابات، وقد استجاب نتنياهو – حسب الخبر – لمبادرة الملك سلمان.

                                                             مصلون في المسجد الأقصى

ناهيك عن أن الخبر أظهر حلقة جديدة من العلاقات التي تجري تحت الطاولة بين السعودية وإسرائيل، كان لموقع «إيلاف» الانفراد بنشره، فقد عكف الموقع على بثّ رسائل تتعلق بالسياسة الإسرائيلية تجاه الحكومة السعودية، لتضعنا جولة سريعة في أرشيف الموقع أمام عدة مقابلات أجريت مع مسؤولين إسرائيليين في عدة مناسبات، فقد أجرى الموقع مقابلة موسعة مع ما يسمى وزير «شؤون القدس» الإسرائيلي، زئيف إلكين، تحت عنوان «وزير إسرائيلي: القدس هادئة ولا اقتحامات للحرم» في يناير (كانون الثاني) 2016، ليسوِّق المسئول خلال المقابلة الوضع في المدينة المقدسة من وجهة النظر الإسرائيلية، ويؤكد على نجاح تهويد القدس، والذي وصل لحد الإدعاء بأنّ: «الغالبية من سكان القدس لا تريد العيش في ظروف يكونون تحت السيادة الفلسطينية.. لذلك انتقلوا عند بناء الجدار داخل المنطقة الإسرائيلية»، حسب «إلكين».

                                                     «دوري غولد» (المصدر:موقع المصدر الإسرائيلي)

كذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2015، أجرى الموقع مقابلة مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية «دوري غولد»، وهي المقابلة التي كشفت عن قيام إسرائيل باستهداف شحنة أسلحة سورية من صواريخ (SA-22) كانت متجهةً إلى حزب الله، وقد خصص «غولد» عبر الموقع مساحة للتأكيد على أن إسرائيل فاعل طبيعي في الإقليم من المهم التحالف معه، فقال: «التاريخ يقول إنه إذا قمنا نحن في دولة إسرائيل بعقد اتفاق أو معاهدة مع العرب، نحافظ على عهدنا إلى الأبد».

«تل أبيب» تمرر رسائلها بمبادرات من الموقع السعودي

«إن موقع إيلاف سيتحول إلى النسخة (الأون ريكود) للتسريبات الإسرائيليّة التي عادةً ما قدّمها مسؤولون إسرائيليّون»، تغريدة كتبها محرّر الشؤون الفلسطينية في موقع «واينت» العبري على حسابه بـ«تويتر». كان الأكثر تأكيدًا على تمكُّن إسرائيل من استخدام هذا الموقع السعودي لتمرير رسائل معينة إلى العالم العربي، هو ما خرج به أمس تقرير صحيفة «هآرتس» العبرية، الذي أكد أنه تم ترك اختار مضامين مقابلة موقع «إيلاف» لـآيزينكوت، بعد تشاوره مع نتنياهو، فقد اختار هو المضامين التي لم تكن مفاجئة ألبتة للقيادة السياسية العليا في إسرائيل، خاصة حول ما يتعلق بـ«تبادل المعلومات الاستخباراتية بين إسرائيل والسعودية».

                                                         نتنياهو مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب

ويشدد تقرير «هآرتس» على أن «الموقع السعودي تحول في السنوات الأخيرة، إلى قناة لتسريبات إسرائيلية، بحيث تنقل من خلاله إسرائيل رسائلها إلى الدول الخليجية»، ولن يقتصر حديث الصحيفة على مقابلتها الأخيرة مع جنرال الاحتلال الأول «أيزنكوت»، بل استشهدت باستخدام كلٍّ من مسؤولي قوات الدفاع الإسرائيلية والقادة الإسرائيليين مؤخرًا لهذه الصحيفة وموقعها كقناةً لعرض مواقف إسرائيل الرسمية تجاه القضايا المختلفة، في بعض الأحيان بناءً على طلب الموقع، حسب «هآرتس»، ويذكر التقرير أن «الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية استخدموا الموقع في العامين الماضيين، وبمبادرة من الموقع، لنقل الموقف الإسرائيلي خصوصًا المتعلق بالتهديد الإيراني المشترك وتهديدات حزب الله».

                                                           ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

يقول الصحافي الفلسطيني «محمد وتد»: إن «أيزنكوت الذي غالبًا ما يمتنع عن تخصيص وإجراء مقابلات حصرية حتى لوسائل الإعلام الإسرائيلية، إلا في المناسبات (الوطنية) والأعياد اليهودية، بدا متشجعًا ليخص الصحيفة السعودية بهذه المقابلة، حيث اختار بعضها للترويج والتهليل والمديح ليس لمضمون ومحتوى المقابلة، التي بجوهرها وثقت بتصريحات سابقة لرئيس هيئة الأركان، بل للمنبر الإعلامي السعودي والقصر الملكي بالرياض»، ويضيف في مقاله «آيزنكوت ضيف صحافة البلاط السعودي» المنشور على موقع «عرب 48»: «هدف المقابلة الحصرية إعادة ترتيب الأوراق مع الحلفاء بالرياض، والتأكيد على رهان تل أبيب سياسيًا وعسكريًا على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وإن بدت في جوهرها تحريضًا على إيران ومشروعها النووي، إلا أنها عكست التناغم السعودي الإسرائيلي بكل ما يتعلق بالإستراتيجية حيال القضايا الحارقة المشتعلة بالشرق الأوسط».

اقرأ أيضًا: كيف استخدمت السعودية والإمارات «الفزاعة الإيرانية» لتبرير التقارب مع إسرائيل؟

ويتضح من هذا التوجه، أن الإسرائيليين الآن أكثر حرصًا على الوصول إلى القراء العرب في فلسطين وخارجها، ولم تعد وسيلتهم تقتصر على إصدار الصحف الناطقة بالعربية أو النفوذ على وسائل الإعلام الغربية، بل حققوا مخططات الحركة الصهيونية التي نادت بتمكين الكثير من السياسيين الصهاينة على اختراق الصحف العربية في العالم العربي، ومن ثَمَّ تقديم وجهة نظرهم إلى القارئ العربي.

السعوديون أيضًا يذهبون للإعلام الإسرائيلي

«لا شك في أنه أصبح في السنوات الماضية، شخصية معروفة في وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ فقد ظهرت أكثر من مرة عناوين تذكره، وتتعلق بجلوسه في مؤتمرات دولية إلى جانب متحدثين إسرائيليين»، هكذا استهل موقع «المصدر» القريب من  المخابرات الإسرائيلية حديثه عن الأمير السعودي، تركي الفيصل.

                                                    الأمير السعودي، تركي الفيصل (المصدر: أ ف ب)

الفيصل الذي التقى مسؤولين إسرائيليين كرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) سابقًا اللواء احتياط «عاموس يدلين» ظهر أكثر من مرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وفي آخر مقابلاته مع الإعلام الإسرائيلي، يوم 24 أكتوبر الماضي، نفي «تركي الفيصل» ما اعتبره «شائعات» حول زيارة سرية قام بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى إسرائيل، معقبًا في اللقاء  الذي جاء على هامش اجتماع منتدى السياسة الإسرائيلية: «هذه الأخبار ليست صحيحة. عمل محمد بن سلمان وسعوديون مسؤولون آخرون دائمًا علنًا ومباشرة، ويشير موقفهم إلى أنه لن تُنسج علاقات بين إسرائيل والسعودية حتى حل القضية الفلسطينية».

اقرأ أيضًا: العشق الممنوع.. هل يكسر ابن سلمان «التابوه» ويقيم علاقات «علنية» مع إسرائيل؟

أما المقابلة التي أجرها الأمير «تركي الفيصل» عام 2015، فقال فيها المدير السابق للمخابرات السعودية: إنّ «مبادرة السلام العربية التي طُرحت سنة 2002 تضع الأسس التي يجب على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أن يجريا المفاوضات بموجبها»، مضيفًا «طالما أن إسرائيل لم تنضم إلى مبادرة السلام العربية، فلا أمل بأن تتعاون السعودية معها في أي شأن، سواء علنًا أم من وراء الكواليس»، وأكد الفيصل خلال هذه المقابلة على أن الولايات المتحدة وحدها تستطيع أن تدفع إسرائيل نحو السلام.

أما الجنرال السعودي المتقاعد ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جدة «أنور عشقي»، فقد ظهر أيضًا على  قناة «i24NEWS» الإسرائيلية يصف نتنياهو بـ«الرجل القويّ والواقعي»، فقال: «نحن بحاجة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ لأنه رجل قوي، وهو رجل منطقي كما أنه واقعي أيضًا، لكننا بحاجة إلى أن يوافق ويعلن قبول اقتراح مبادرة السلام».
وسبق أن قال عشقي لصحيفة إسرائيلية تدعى «سمدار بيري» عام 2015، إن «الملك سلمان يدعم ومستشاروه الكبار مبادرة السلام العربية»، مضيفًا: «يجب نقل رسالة لنتنياهو، وللوزراء وللشعب الإسرائيلي، أنّ هناك خطة سلام تنتظر موافقتهم».