1,049

عاش البشر منذ قديم الزمان جنبًا إلى جنب مع الفيلة، تلك الكائنات المدهشة، وتشاركوا معها الكثير من الذكريات والتفاصيل، وربما يرجع ذلك للترابط بين حياة الإنسان والفيل؛ فكلاهما يستغرق وقتًا طويلًا حتى ينضج، بالإضافة إلى أن الفيل يعيش ضمن شبكة اجتماعية متكاملة لا يستطيع أن يفارقها، كما أنه رغم ضخامة حجمه يمتلك مشاعر رقيقة وحبًّا لا يوصف لأقربائه، ويحترم كبار السن في القطيع، ويحزن على فراق الموتى.

من المدهش إثبات الفيل في تجربة عملية قدرته على فهم إرشادات البشر الإيمائية دون أن يخضع لترويض مسبق، فيمكنه أن يستجيب من خلال فطرته الغريزية لحركة من إصبع إنسان ترشده لمكان غذائه دون تمرين، وقد توصلت لذلك دراسة أُجريت في جامعة «سانت أندروز» البريطانية، خضع فيها 11 فيلًا أفريقيًّا للتجربة، من نوعية الفيلة البرية المستخدمة في الرحلات والأسفار السياحية داخل أدغال زيمبابوي.

وتكون الفيلة بذلك قد تميزت عن الحيوانات المنزلية الأليفة مثل القطط والكلاب، والتي لا تستجيب لحركات الإنسان وإيماءاته استجابةً فطريةً، فتحتاج إلى تدريب مكثف ووقت طويل من العيش المشترك مع مربيها حتى تتمكن من التجاوب مع أوامره الإيمائية، وقد أرجعت الدراسة السابق ذكرها هذه الميزة إلى أن نظام تفكير الفيلة أشبه بالطريقة التي ينتهجها البشر في التفكير.

لتوطيد العلاقة بين البشر والفيلة بحثت الدكتورة جويس بول، الخبيرة في سلوك الأفيال، أكثر من 40 عامًا، واستخدمت بصحبة فريقها معدات تسجيل لالتقاط أصوات الأفيال، وكانت النتيجة إنتاج تطبيق يتيح ترجمة لغة الأفيال وفهمها، فهذه الحيوانات اللطيفة تمتلك لغة تتفاهم من خلالها حتى لو كانت غير مفهومة بالنسبة للبشر، ومنها مثلًا أن الفيل عندما يريد أن يقول مرحبًا فإنه يرفع خرطومه إلى الوراء، ومن ثم يدليه لأسفل مصدرًا نبرة صوت تتكامل مع هذه الحركة.

ظهرت في الحضارة الفرعونية واستخدمها الملوك في مهاداة بعضهم

يرتبط تاريخ الفيلة بالعصور القديمة، فقد عُثر في مدينة هيراكونبوليس الواقعة بين مدينتي إسنا وإدفو في مصر على أفيال مدفونة ترجع لعام 3500 قبل الميلاد في إحدى المقابر الفرعونية، وكان عمر أحدها يُقدر ما بين 10- 11 عامًا، ولم يقتصر وجود الفيلة على مصر القديمة، فكانت تُستخدم في آسيا منذ أكثر من 4 آلاف عام من خلال ترويضها لاستخدامها في الزراعة، وبذلك كانت أحد العناصر المؤثرة في حضارة وادي السند.

أما الأوروبيون فعرفوا الأفيال عام 327 قبل الميلاد، عندما ذهب الإسكندر الأكبر إلى الهند، وتبني بعض الفيلة، ويُذكر أن خيمته حماها أربعة أفيال، وبعد فترة وجيزة أصدر بطليموس مساعد الإسكندر عملات معدنية يظهر فيها رأس الفيل الذي أصبح شعارًا ملكيًّا في الشرق الهلنستي.

كما يعد الفيل إحدى الهدايا التي تبادلها الملوك في ما بينهم؛ فقد أهدى الخليفة المسلم هارون الرشيد فيلًا كبير الحجم يُدعى أبا العباس إلى الزعيم الأوروبي الشهير شارلمان إمبراطور فرنسا الكارولنجية، وحدثت هذه الواقعة عام 802م، وتعهد شارلمان برعاية الفيل حتى عام 810م.

ومن الحوادث التي كان الفيل بطلها عندما استقدم الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع زرافةً وفيلًا من مصر عام 1053م، وقرر أن يعرضهما للجمهور؛ فجلبهما إلى مضمار كان يُستخدم في سباقات الخيل، ولكن ما أدهش الحضور أنه عندما ظهر الإمبراطور ركع الفيل على ركبتيه للملك كما روي، وهذا ما يزيد الاعتقاد بأن قوة الصلة بين البشر والفيلة ليست وليدة اليوم.

وبلغ عدد الأفيال التي كانت تعيش في الأسر خلال عهد ملوك المغول في القرنين السادس عشر والسابع عشر حوالي 130 ألف فيل، استُخدِموا في قطع الأشجار والحروب والاحتفالات الدينية، إلى جانب تداول شركة الهند الشرقية في بريطانيا الأفيال تداولًا تجاريًّا في جميع أنحاء آسيا.

ظهر الفيل مجددًا بوصفه هدية ملكية، عندما أرسل ملك فرنسا عام 1255م فيلًا هدية إلى الملك هنري الثامن ملك إنجلترا، ويُعتقد أنه كان أول فيل يصل إلى إنجلترا؛ مما جعل الكثير من الناس يتوافدون لرؤيته، ووضعه الملك في برج بصحبة مجموعته الخاصة من الحيوانات، لكن المثير للاستعجاب أن وفاته كانت نتيجة شربه كميات كبيرة من النبيذ عام 1257م.

تعددت استخدامات الفيل عبر التاريخ، ووصلت إلى حد استخدامه في تنفيذ أحكام الإعدام، وكان ذلك في القرن السادس عشر، عندما أمر السلطان العثماني سليمان القانوني بالقضاء على أحد المتمردين من صربيا، فجعل الفيل يسحقه تحت أقدامه حتى لا يجرؤ أي أحد على خيانة السلطان بعد ذلك.

مجتمع الفيلة «الراقي» من الداخل

ترجع أحد الأسباب التي تدعو البشر إلى حب الفيلة والاستئناس بهم إلى أن الفيل أحد الحيوانات البرية القليلة التي تجمعها روابط اجتماعية قوية بالأصدقاء والعائلة، فيستطيع التعرف ليس فقط إلى أمه وأبنائه وإخوته، ولكن الأمر يصل إلى الجدات والعمات وأبناء العمومة وبناتهم، كما لوحظ عليه تشكيل صداقات خاصة مع الأفيال التي لا تربطهم به صلة قرابة.

وتنقسم قطعان الفيلة إلى وحدات صغيرة جدًا تتكون من ثلاث أو أربعة فيلة تربطهم ببعض صلة قرابة وبصحبتهم أبناؤهم، فيعيشون ويسافرون معًا معظم فترات حياتهم، وفي بعض الأحيان تندمج هذه القطعان مع قطعان أخرى، ولكن ذلك لا يُشتت المكون الأساسي للمجموعات الصغيرة المتمثل في العائلة، ولذلك إذا ما التقت مجموعة بمجموعة أخرى بينهما قرابة فإنهم يتبادلون التعبير عن التقدير والمودة.

ولأن الفيلة تعيش في مجتمع مُعرض للتغير باستمرار، فإن طرق الاتصال عن بعد ضرورية للحفاظ على العلاقات بين المجموعات الصغيرة، ولجذب الأصدقاء عندما يحين وقت التزاوج، ويعتقد الخبراء أن الفيلة تستغل عدة وسائل للتواصل بشكل يسمح لها بالتعبير عن مزاجها العاطفي، وحالتها النفسية، وشرح موقفها للأفيال المجاورة لتسهيل التعايش بينها.

وفي حال المسافات البعيدة، ففي الغالب يجري التواصل من خلال الموجات فوق الصوتية التي يمكن أن تنتقل عدة أميال، وتُستخدم في المقام الأول من جانب الإناث بغرض الإشارة للذكور أنها مستعدة للزواج، ومن الممكن أيضًا أن تتواصل الأفيال في المسافات الطويلة بطريقة زلزالية، عن طريق ضرب الأرض بأقدامها، وأحيانًا تستخدم القطعان هذه الطريقة لتحديد أماكن الاجتماعات والعثور على بعضها البعض.

بالمقارنة بالعديد من الثدييات الأخرى، فإن التواصل اللفظي بين الفيلة منتشر انتشارًا لافتًا للنظر، فهي تستطيع صنع الضوضاء بالغرغرة الصادرة عن حناجرها، أو بالصوت العالي الآتي من خرطومها، ويكون ذلك بغرض التحذير من اقتراب الخطر، أو للإشارة إلى أن الفيل يستعد للهجوم.

لا تنتهي طرق التواصل بين الفيلة عند هذا الحد، فهي تبرع في نقل الكثير باستخدام لغة الجسد، فيمكنها أن تعبر عن المودة من خلال تعانق خراطيمها، ويحدث ذلك عادة بين الأقارب والأصدقاء الذين سافروا في قطيع واحد لفترة طويلة، إلى جانب أن أنثى الفيل تشير إلى قبولها الزوج المحتمل بفرك جسدها بجسده.

كما أن الموت لا يمر على الفيل مرور الكرام، فعندما يقترب أجل أحد أفراد القطيع، فإن الفيلة تتوقف عن الحركة، وتجلس للراحة بعض الوقت حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبعدها يبقون بضعة أيام يجتمعون بشكل شبه متكرر حول الجثة مبدين حزنهم عليه؛ بل وإذا مر قطيع مسافر على فيل ميت فإنهم يجتمعون حوله بضع دقائق حتى لو كان غريبًا بالنسبة لهم، ويلمسون جسمه بخراطيمهم من باب إظهار التوقير له.

أشهر 5 فيلة في التاريخ.. أحدها استخدمه ملك البرتغال في تكتيك استراتيجي ناجح

شاركت الفيلة في صنع الكثير من الأحداث على مر التاريخ بشكل جعل المؤرخين لا يستطيعون التغاضي عن ذكرها في صفحات كتبهم، ومن أشهرها:

1- الفيل سورس.. رفيق أعظم القادة القرطاجيين

ضمن توسعاته باعتباره أحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ، غزا القائد القرطاجي هانيبال إيطاليا من الشمال عام 218 ق.م، وعبر جبال الألب من بلاد الغال وبصحبته جيش من الجنود المشاة، وسلاح الفرسان، وبضعة أفيال أتى بها من شمال أفريقيا، ولكنها ماتت جميعًا ولم يبق منها سوى فيل يُدعى سورس، أصبح ملازمًا لهانيبال في جميع تحركاته، وكان شاهدًا على انتصاراته في معارك كبيرة نتج منها احتلاله معظم أنحاء إيطاليا.

2- الفيل كاندولا.. شارك في توحيد سيريلانكا

تؤكد كتب التاريخ السيريلانكي استخدام الفيلة ركوبةً للملوك، إلى جانب دورها في تقدم الرجال في ساحة المعركة، ومن ذلك أن الفيل كاندولا كان ركوبة الملك دوتو جامونو، بينما كان الفيل مها بامباتا ركوبة الملك إلارا، خلال المعركة التاريخية التي جمعت بينهما عام 200 ق.م في جنوب شرق آسيا، وكانت نتيجتها تمكن الملك دوتو جامونو من هزيمة منافسه إلارا، فنجح بذلك في توحيد مملكة سيلان -سيريلانكا اليوم-، ولا ننسى دور الفيل كاندولا المؤثر في ذلك الانتصار بتحطيمه العديد من تحصينات العدو.

3- الفيل محمود.. أبّى أن يحطم الكعبة

سُجلت حادثة عام الفيل بوصفها أهم الحوادث التي وقعت في التاريخ، وورد ذكرها في القرآن الكريم، وترجع تفاصيلها إلى محاولة أبرهة الحبشي حاكم اليمن تدمير الكعبة؛ لإجبار العرب وقريش على الذهاب إلى كنيسة القليس التي بناها في اليمن، لكنهم لم يهتموا بدعوته؛ بل ذهب أحدهم إلى هناك وأهان الكنيسة بأن تبول فيها؛ مما أشعل غضب أبرهة فخرج بجيش عظيم وبصحبته فيلة ضخمة، وعندما اقترب من مكة هرب أهلها إلى الجبال لخوفهم من أبرهة وجنوده، مما دفعه لسؤال عبد المطلب جد الرسول محمد -بحسب الرواية الإسلامية- عن سبب عدم دفاعهم عن الكعبة؛ فأخبره بأن لها ربًّا يحميها، وهنا جاء دور الفيلة عندما رفضت التقدم نحو الكعبة بقيادة الفيل محمود، بحسب ما تذكر اسمه بعض المصادر الإسلامية، وهو الفيل الذي ذاع صيته في السير وكتب التاريخ الإسلامية.

4- الفيل هانو.. تكتيك استراتيجي للتحايل على البابا ليو العاشر

أرسل ملك البرتغال مانويل الأول عام 1514م هدية إلى البابا ليو العاشر عبارة عن فيل هندي أبيض يُدعى هانو، وكان الفيل مُغطى برداء من الذهب ومحمل بصندوق مليء بالفضة والهدايا التي لا تُقدر بثمن، وأقيم لاستقباله حفلًا حضره جمع من الجماهير الذين حياهم برش الماء عليهم بخرطومه، ولكن ما وراء كواليس تلك الهدية أن ملك البرتغال أراد بذلك كسب البابا في صفه حتى يوافق على مطلبه بضم جزر إندونيسيا إلى البرتغال، وبالفعل نجحت هذه الحيلة الذكية، وبعد وفاة هانو عام 1516م، طلب مانويل الأول من الرسام الروماني المعروف رفائيل أن يصنع له لوحة تذكارية للفيل الراحل.

5- الفيل جامبو.. يأتي بالأرباح حتى بعد وفاته

أُستولي على هذا الفيل من دولة مالي عام 1861م، ونُقل إلى جمعية علوم الحيوان في لندن، وهناك جذب إليه الأنظار بتجواله بين الأطفال في الحديقة التابعة للجمعية، وقد أُطلق عليه هذا الاسم نظرًا لحجمه الضخم، لكن متعة الزوار لم تدم؛ ففي عام 1882، وافقت الحديقة على بيعه لرجل الأعمال الأمريكي وشومان بي تي بارنوم، وذلك مقابل 10 آلاف دولار، ولم توقف عملية البيع الاعتصامات والتوسلات التي بذلها محبو جامبو حتى لا يرحل، وعاش الفيل الشهير نجمًا بارزًا في سيرك «بارانوم آند بيلي» الأمريكي حتى توفي عام 1885 مقتولًا في حادث قطار، ويبدو أن رغبة صاحب السيرك في جني المزيد من الأموال من ورائه لم تتوقف عند موته، فقد عرض هيكله العظمي؛ مما جذب إليه المزيد من الزائرين.

لا تخشى الفئران ولا تحب الفول السوداني.. صحح معلوماتك عن الفيلة

يعتقد الكثير من الأشخاص ببعض الخرافات الشائعة عن الفيلة، والتي في الواقع ليس لها أساس من الصحة، ومنها تلك الخرافة التي روجها فيلم الرسوم المتحركة «دامبو» بـأن الفيلة تخاف من الفئران، ففي الفيلم كان هناك فأر اسمه «ثيموتي. كيو» يظهر ليثير ذعر فيلة السيرك، قبل أن يتصادق مع بطل الفيلم «دامبو»، وهو فيل خارق لديه القدرة على الطيران، لكن الصورة التي رسخها الفيلم في أذهان مشاهديه خاطئة تمامًا، فوفقًا لكريغ بروس الذي يعمل في جمعية علم الحيوان في لندن، لا يوجد دليل جاد يُثبت أن الفيلة تشعر بالخوف من الفئران.

هناك أيضًا أسطورة أخرى نشأت نتيجة سماح حدائق الحيوان للزوار بإطعام الحيوانات، وهي أن الأفيال تحبذ أكل الفول السوداني، بينما في الحقيقة لا الفيلة الآسيوية ولا الأفريقية تأكل الفول السوداني في البرية، ولا يكون هذا غذاءها أيضًا عند أسرها، وبشكل محدد، يحتاج الفيل -في المتوسط- إلى حوالي 150 كيلوجرامًا من الطعام يوميًّا، وهذا ما يعني أن البقوليات الصغيرة لن تكون مؤثرة مقابل شهيته الكبيرة.

كما عليك ألا تصدق من يخبرك بوجود مقابر للأفيال تذهب إليها عندما تتقدم في السن كي تفارق الحياة فيها، ورغم وجود مناطق بها تجمعات كبيرة لعظام الفيلة، فإن السبب الأكثر منطقية هو أنها نتيجة حدوث موجات جفاف، أو عمليات صيد أدت لتجمع العظام بهذا الشكل.

آخر الخرافات الشائعة هي الاعتقاد بأن الفيل يشرب عن طريق خرطومه، فحقيقة الأمر أن حجمه الكبير يجعل من خفض رأسه إلى مستوى الماء عملًا يتطلب الكثير من الجهد، مما يجعله يستخدم خرطومه الذي ما هو إلا عبارة عن أنف ممتد وشفة عليا، ليسحب به الماء ثم يرشه في فمه ويبتلعه.