منذ نحو تسع سنوات، وتحديدًا في 25 مايو (أيار) 2010، خرج بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) في الفترة من 2006 إلى 2013، في مؤتمر دولي يناقش مستقبل البنوك المركزية في عصر العولمة في العاصمة اليابانية طوكيو، ليتحدث عن التدخل السياسي في السياسة النقدية وتأثيره في الاقتصاد، وناقش كعادته إشكالية استقلالية البنوك المركزية، ولكن ربما بوضوح أكثر، إذ يعد الرجل أكبر المحاربين لأجل استقلالية البنوك المركزية على مدار العقد الماضي.

برنانكي كان يرى أن السياسية قد تؤثر في قرارات السياسة النقدية؛ مما يهدد مصداقية البنوك المركزية في محاربتها للتضخم، إذ إن أشهر ما قال حول أهمية استقلالية البنوك المركزية إن: «ميزة البنك المركزي المستقل تتمثل في قدرته على قول لا للحكومة»، إلا أنه خلال زيارته لليابان لم يكتف بهذا القول فقط.

فعندما كانت اليابان غارقة في الانكماش، اختلفت نظرية برنانكي، إذ قال إن: «الوضع يتغير مع الانكماش المطول»، إذ تحتاج السياستان إلى نوع من التعاون، لكنه أكد أن «وجود هذا التعاون لا يتعارض مع استقلالية البنك المركزي بأي حال من الأحوال»، فكيف نفرق إذن بين هذا التعاون وذاك؟

«لكي أكون واضحًا، أنا لا أؤيد بأي حال من الأحوال الاستقلال غير المشروط للبنوك المركزية، فالاستقلال يعني مسؤولية البنك المركزي أمام الجمهور عن أفعاله، لكن أهداف السياسة تحددها الحكومة، وليس البنك المركزي نفسه؛ والبنك المركزي عليه التأكد أنها تسعى بشكل صحيح إلى تحقيق الأهداف المنوطة بها، إلا أنه ينبغي عدم افتراض أن البنوك المركزية المنوط بها صنع السياسة النقدية تتحكم دون حق في أمور خارج نطاق وظائفها النقدية».

كانت هذه الفقرة إحدى الفقرات التي ضمها خطاب برنانكي الشهير، ورغم أنها مربكة بعض الشيء، وتحمل عدة تناقضات غير مفهومة، لكن مع الوضع الآن، بعد أن أصبح الجميع تقريبًا مهددًا بدخول الدوامة نفسها التي تحاول اليابان الخروج منها منذ «العقد الضائع»، هل بات على البنوك المركزية والحكومات وضع صياغة جديدة لمفهوم الاستقلالية؟

ماذا يجب أن نعرف عن استقلالية البنوك المركزية؟

في البداية هذه الأمور متعلقة بطبيعة السياستين الرئيسيتين في أي اقتصاد، وهما السياسة المالية الممثلة غالبًا في وزارة المالية، والسياسة النقدية الممثلة في البنك المركزي، إلا أن عمل كل سياسة لا يمكن أن يكون منفصلًا عن السياسة الأخرى، وإلا فلن تحقق أي منهما أي نتائج حقيقية؛ فالاقتصاد الحديث يعتمد في الأساس على التكامل بين السياستين.

ولتوضيح الأمر أكثر، يجب أن نشير إلى أن أهم أدوات السياسة المالية تتمثل في الضرائب والنفقات العامة، بينما أبرز أدوات السياسة النقدية هي أسعار الفائدة، والاحتياطي الإلزامي للبنوك التجارية، وغيرها من الأدوات، لكن كما ذكرنا فالإجراءات التي تتخذها كل سياسة يجب أن تتوافق مع إجراءات السياسة الأخرى، ولنضرب مثالًا على الحالة التركية يوضح أكثر، ففي ظل أزمة ديون الشركات التركية المتفاقمة، تسعى وزارة المالية – بصفتها الفاعل الرئيسي في السياسة المالية- لإيجاد حلول لهذه الأزمة من خلال دعم الصادرات وخفض الضرائب، وذلك لخفض الضغوط على هذه الشركات.

إيجابيات وسلبيات وتوقعات.. دليلك الشامل حول إقالة محافظ البنك المركزي التركي

لكن في المقابل قد ينسف المركزي كل هذه الجهود بقرار رفع الفائدة، وهو ما سيزيد أعباء الديون على الشركات، ويضعها في وضع حرج، ففي هذه الحالة نجد في النهاية أن إجراءات السياستين لا توجهان لخدمة الاقتصاد القومي، بل على العكس قد يتضرر الاقتصاد من هذا التضارب في السياسات؛ لذلك في الاقتصاد الحديث بات التعاون بين السياستين هو الأساس لتحقيق الأهداف الاقتصادية للدولة، وضمان تحقيق نمو مستدام وبتضخم منخفض.

لماذا يحتاج البنك المركزي إلى الاستقلال؟

قد يبدو أن فكرة التكامل، ربما تتحقق عندما تكون السياستان – المالية والنقدية- تحت مظلة واحدة، وذلك للوصول إلى نتائج أفضل، وبالفعل هذا الأمر هو أساس جدل واسع وقديم أيضًا، لكن يبدو أن الاتجاه الغالب في معظم الدول هو تأكيد استقلالية السياسة النقدية عن المالية، فهناك شبه اتفاق على ضرورة تمتع المركزي بأعلى درجات الاستقلال في إدارة الشؤون النقدية من الناحية الفنية.

لكن الجدل الأساسي لا يتعلق بالأمور الفنية، بل بأهداف السياسة النقدية التي في النهاية لها طابع سياسي، وهذا الأمر مسؤولية الحكومة، ومن المفترض أنها تخضع للمساءلة السياسية أمام البرلمان عن كافة السياسات، سواء كانت مالية، أم نقدية، أم تجارية، وبالتالي فإن الحكومة لا بد وأن يكون لها دور في تحديد أهداف السياسة النقدية، وهذه هي المعضلة.

ونجد هنا اختلافًا بين الدول في ضبط هذا الأمر، فإنجلترا تعمل بنمط مختلف عن النمط الأمريكي، وألمانيا تسلك طريقًا ثالثًا، لكن في النهاية لا يختلف أحد على الاستقلالية التامة للبنك المركزي فيما يخص إصدار النقود الورقية، فبحسب الاقتصادي الكبير ديفيد ريكاردو «لا يمكن الاطمئنان إلى الحكومة في السيطرة على إصدار النقود الورقية، إذ إن منح الحكومة هذه السلطة سوف يؤدي غالبًا إلى الإفراط في استخدامها. كما تشكل سيطرة الحكومة على إدارة النقود الورقية خطرًا كبيرًا على الاقتصاد»، بمعنى أن الحكومة في حال كانت تملك هذه الصلاحية لحلت كل مشاكلها عبر طبع النقود الذي يؤدي إلى كارثة في النهاية.

الإنجليزي جون مينارد كينز، مؤسس مدرسة الاقتصاد الكينزي، قال هو الآخر إن «البنك المركزي النموذجي هو البنك الذي يمزج المسؤولية الأساسية للحكومة، مع درجة عالية من الاستقلالية لسلطات البنك»، وهو المبدأ التي تسير عليه أوروبا منذ 1992 منذ معاهدة «ماستريخت» – الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الأوروبي- والتي نصت على أن تكون البنوك المركزية للدول الأعضاء مستقلة عن السلطات السياسية، وعن أي تدخلات أخرى تؤثر في هدفها الرئيس القاضي بتحقيق الاستقرار في المستوى العام للأسعار.

هل ينتهي عصر استقلالية البنوك المركزية؟

في أغسطس (آب) الماضي، عندما اجتمع محافظو البنوك المركزية العالمية في «جاكسون هول»، كان الحديث يبدو انقلابيًّا بعض الشيء على القواعد القديمة، إذ قال، جيمس بولارد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، لـ«فاينانشيال تايمز» إن هناك تحولًا نظاميًّا بسبب التقدم «أعتقد أن هذا يتسبب في إعادة التفكير بالكامل في المصرفية المركزية، وفي جميع أفكارنا التي نعتز بها حول ما نعتقد أننا نفعله».

جرى الاتفاق على أن الظروف الاقتصادية الحالية يجب أن تكون نقطة تحول في الطريقة التي ينظر بها إلى النظام العالمي، فالأدوات التي استخدموها قبل الأزمة المالية لتشكيل البيئة الاقتصادية، مثل البنوك المركزية، غير قادرة على العودة إلى السياسات التي اعتمدت عليها قبل الأزمة المالية العالمية، التركيز الآن ليس على السياسة النقدية التي فشلت على مدار السنوات الماضية.

في المقابل كان وليام دودلي، الرئيس المباشر السابق لبنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، أكثر صراحة حيال هذا الأمر، إذ كتب مقالًا على «بلومبرج» قال فيه: «إن الانتخابات – الأمريكية- بحد ذاتها تقع ضمن اختصاص مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، في طلب صريح لتأثير المركزي في نتائج الانتخابات، وهو ما يعني حدوث صراع مباشر بين السياسة والبنك، وهو الأمر الذي قد ينهي الاستقلالية كذلك.

ليست هذه التصريحات فقط التي تشير إلى أن الاستقلالية التي كانت سائدة في التسعينيات لن يكون لها مكان في النظام الجديد، الذي يهتم الآن بالنظرية النقدية الحديثة، ويبحث طرق تطبيقها، إذ تقول النظرية إن الحكومات ليست بحاجة لضبط ميزانيتها والقلق بشأن الدين؛ لأنها تستطيع ببساطة طباعة أموالها، أي ببساطة وداعًا لقيود البنوك المركزية واستقلاليتها.

ويرى كثيرون أن الوقت الآن قد يكون مناسبًا لاعتماد النظرية النقدية الحديثة، خاصة بالنظر إلى النموذج الياباني، إذ يرتفع عجز الموازنة ويقل معدل الفائدة عن الصفر؛ ولم يواجه الاقتصاد أي كارثة، فإغراء تخفيض أسعار الفائدة كما تطلب الحكومات للحفاظ على اقتصاد مزدهر، ومعدل بطالة منخفض، لم يعد يحقق تلك المكاسب قصيرة الأجل، التي كان يتحدث عنها المدافعون عن الاستقلالية، وكذلك مضاعفة الاستقلالية لم يجدِ منذ الأزمة المالية الأخيرة، لذلك من المؤكد أن الوضع الحالي لن يستمر.

ويرى محللون أن «إعادة النظر في موقف البنوك المركزية خطوة حكيمة، في ظل أن أسعار الفائدة ستستقر مستقبلًا عند الحد الأدنى الصفري، أو ستكون قريبة منه. لذلك فإن تأسيس رسمي لنظام خاص، يكون هدفه الأساسي معالجة الحد الأدنى الصفري، تسهم فيه الفروع التنفيذية للحكومات والبنوك المركزية بآرائها للتوافق على المدى الكامل لخيارات السياسات المتاحة، قد يكون الخيار الأمثل».

«نيويوركر»: هل تحل طباعة المزيد من النقود مشكلات الاقتصاد؟ هذه النظرية تجيبك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد