يتناول بعض الشباب الفلسطينيين صورة لطفل صغير أسمر اللون، ذي ملامح بدوية هادئة، يرفع كلتا اليدين، ومكتوب على «الكوميك» عبارته الشهيرة التي قالها في فيديو قصير يبرئ فيه نفسه من قتل «فرخ دجاجة» بمسدس لعبة، وهي «احنا ملناش دخل».

يحاول رواد «السوشيال ميديا» من خلال «الكوميك» السابق التندر على سياسة بعض الفصائل في قطاع غزة، والتي تتبرأ من عمليات إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل، في وقت من المفترض أن يلتزم كلا الطرفين بالاتفاق الضمني للتهدئة، فحركة المقاومة الإسلامية «حماس» تسارع بالنأي عن مسئولية إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل مؤكدة التزامها بمبدأ «الهدوء مقابل الهدوء»، فيما يتهامس الجميع بأن فصيلًا آخر هو من يقف وراء تلك العمليات لتحقيق عدة أهداف يحاول التقرير التالي مقاربتها.

من يقف وراء العمليات ضد إسرائيل؟

بعد توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة العام 2014، تغيرت قواعد الاشتباك بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في القطاع، بالنسبة للإسرائيليين بنيت تلك القواعد على مبدأ  «الهدوء مقابل الهدوء»، أما بالنسبة للفصائل فبنيت على مبدأ «الهدوء مقابل كسر الحصار نسبيًّا».

فلسطينيون يشيعون الشاب أحمد الشحري الذي قتل الجمعة في خان يونس

بيد أنه كما يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس، هاني البسوس، إن الحالة السابقة من الهدوء استمرت حتى مارس (آذار) عام 2018، حين بدأت الفصائل تطلع لأهمية وجود حراك شعبي يكسر الحصار ويحلحل الأوضاع السياسية، فكانت مسيرات العودة التي فرضت تغيير قواعد الاشتباك آنفة الذكر.

وقبل الولوج في تطورات الأمور الأخيرة، يضعنا البسوس أمام تقسيم يوضح وضعية الفصائل في غزة، فيقول إن هناك ثلاثة أنواع من الفصائل في غزة، الأولى فصائل تحاول أن تبقى على الوتيرة نفسها، تقاوم الاحتلال مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، أما النوع الثاني فهي الفصائل المتشددة التي ولدت من الواقع الصعب في القطاع، مثل الفصائل السلفية أو الشيعية، والتي رغم محدوديتها تعمل على تعكير صفو الحالة السياسية والأمنية، وتشكل عامل ضغط على «حماس» التي تقود القطاع سياسيًّا وأمنيًّا، أما النوع الثالث والذي لا يسميه البسوس فصائل إنما أجنحة، فهي موجودة داخل «الجهاد الإسلامي» وحتى «حماس».

ولتفسير علاقات الفصائل والأجنحة سابقة الذكر بالأوضاع الآن في القطاع، يبين البسوس لـ«ساسة بوست» أن بعض عمليات إطلاق الصواريخ التي حدثت في الأشهر الماضية ضد إسرائيل، ولم تكن في الحسبان ولم تكن بموافقة غرفة العمليات المشتركة للأجنحة العسكرية التابعة لفصائل المقاومة الفلسطينية (تشكلت في يوليو (تموز) 2017) كان يقف وراءها فصائل متشددة جديدة أو تنفذ بأمر من بعض الشخصيات التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري «للجهاد الإسلامي» والتي لم تنضبط ضمن العمل الجماعي للفصائل بحسبه.

ويوضح بسوس: «ما حدث أن تيارًا في داخل سرايا القدس قد يكون له حساباته السياسية والأمنية، وهو غير موافق على الوضع الأمني في قطاع غزة، وفي الوقت نفسه قد يكون لديه اعتبارات ناجمة عن دعمه ماليًّا ولوجستيًّا من قبل إيران وحزب الله، فيريد أن يخوض في مواجهة قد تكون نيابة عن ايران».

ويبرر البسوس سياسة النأي بالنفس من قبل «حركة حماس» عن تلك العمليات، بكونها لا تريد الدخول في سجال سياسي مع بعض الأفراد في «حركة الجهاد الإسلامي» أو الدخول في مواجهة تخلق نوعًا من التوتر.

مترجم: «حرب الظل».. مصر وإيران تتنافسان من أجل النفوذ في غزة

هدوء غير معلن.. من صاحب المصلحة في خرقه؟

تفاجأ الفلسطينيون ليلة الجمعة الماضية، الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بإطلاق صواريخ من قطاع غزة تجاه مستوطنة «سديروت» الإسرائيلية؛ فقد جاء القصف دون مقدمات، وفي ظل هدوء نسبي شهده القطاع في الفترة الأخيرة، وقيل إن من يقف وراء هذا القصف مجموعة مدربة ولديها قدرات صاروخية.

عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري «للجهاد الإسلامي»

وأسوة بعمليات القصف الأخيرة، لم يتبن أي فصيل فلسطيني مسئوليته عن هذا القصف، بيد أن البعض يستشف من بيان «الجهاد الإسلامي» الذي عقب العملية بساعات، أن الحركة تتبنى ضمنيًّا إطلاق تلك الصواريخ.

لكن ماذا نقصد بالعمليات غير المتبناة في قطاع غزة؟ يمكننا القول إنه منذ انطلقت مسيرات العودة الأسبوعية  على حدود قطاع غزة الشرقية مع إسرائيل في مارس (آذار) 2018، انتقل قطاع غزة إلى آلية جديدة في التصعيد بين فصائله وبين إسرائيل، اقتضت تلك الآلية أن يشهد القطاع أكثر من عشر جولات تصعيد عسكرية مع إسرائيل، لكن الفترة الأخيرة شهدت ما يشبه التوافق الضمني غير المكتوب الذي فرض استتباب الهدوء بين الجانين بغية مرور كل من «حماس» وإسرائيل تلك المرحلة الحرجة بالنسبة لهما، وكان تطبيق تلك التفاهمات يقضي بإدخال أموال المنحة القطرية وغيرها من التسهيلات مقابل تقييد «حماس» حجم المشاركة في مسيرات العودة، ومنع إطلاق الصواريخ على إسرائيل.

لكن ما سبق لم يمنع وقوع عمليات إطلاق صواريخ على الإسرائيليين، لا تلحق بردة الفعل الانتقامية المعتادة للفصائل الفلسطينية، لتسارع «حماس» بأن تظهر أن من يقف وراء تلك العمليات هم أفراد سئموا الأوضاع الإنسانية في القطاع وعملوا وحدهم، في محاولة منها للنأي بنفسها عن التصعيد، وتأكيد رغبتها في الحفاظ على الهدوء مع إسرائيل الذي لعبت فيه كل من مصر، وقطر، والأمم المتحدة أدوارًا رئيسية.

ويمكننا الوقوف على بعض تلك العمليات التي سجلت مؤخرًا، ومنها ما حدث في الرابع من مايو (أيار) 2019 ، تلك الجولة التي أسفرت عن إلقاء نحو 690 صاروخًا من قطاع غزّة، فيما رد الاحتلال باستهداف مواقع فلسطينية بنحو 350 موقعًا عسكريًّا لحركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

وفي 25 أغسطس(آب) 2019 ، وبعد توتر كبير على جبهات سوريا، ولبنان، والعراق إثر استهداف إسرائيل مواقع إيرانية تابعة لـ«حزب الله» و«الجهاد الإسلامي»، أطلقت ثلاثة صواريخ من قطاع غزة على جنوب إسرائيل، فقد جاء القصف بعد مضي ساعات على قصف الموقع الإيراني في عقربا قرب دمشق؛ مما جعل الإسرائيليين يتحدثون عن أن القصف نُفذ بإيعاز من إيران، وكالعادة رد الطيران الإسرائيلي بقصف أهداف تابعة لـ«حركة حماس» في قطاع غزة.

السر عند «الجهاد الإسلامي»

في الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، علم الفلسطينيون أن تفاهمات المخابرات المصرية مع «حركة الجهاد الإسلامي» الفلسطينية قد تمخض عنها الإفراج عن معتقلين فلسطينيين في سجون مصر من قطاع غزة.

 

منحت القاهرة الحركة تلك الهبة، بعد أن تمكنت من التفاوض مع مجموعة شاملة وجامعة لقادة سياسيين للحركة من غزة أو من القيادات الخارجية، وحتى العسكرية، بغية تذليل خلافات داخلية أو اختلافات في وجهات النظر بين قيادات الحركة أنفسهم إزاء التهدئة مع إسرائيل.

ابتهج الفلسطينيون بالإفراج عن 26 معتقلًا فلسطينيًّا بمصر عادوا بصحبة وفد «الجهاد الإسلامي»، وسرعان ما كشف النقاب أن التفاوض جرى بموافقة إسرائيلية بعد تنسيق حثيث بين القاهرة وتل أبيب ضمن إطار تحقيق التهدئة في غزة، وهو ما قُرئ محاولة لإبعاد الحركة عن دائرة التأثير الإيراني.

المحلل السياسي عدنان أبو عامر يرى أنه ليس من الضروري أن يكون ما حصل في ليلة الجمعة الماضية هو تصدير لأزمة إقليمية، سواء من إيران، أو لبنان، أو سوريا، لكنه يقول إنه جرت العادة أن الإقليم كله مشتعل حاليًا، وأي جبهة متوقع لها أن تندلع فيها مواجهة عسكرية كبيرة، بطرق مختلفة نتيجة سوء تقدير أو حدث عابر، خاصًة أنه من الصعب الفصل بين الإقليمي والمحلي، في ظل وجود أجنحة عسكرية متعددة في قطاع غزة من شأنه أن يحدث نوعًا من عدم الانضباط التنظيمي أو الميداني.

ويعتقد أبو عامر خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه رغم تشكيل غرفة عمليات مشتركة للفصائل منذ عام ونصف تقضي بفرض قرار موحد تجتمع عليه كل الفصائل المسلحة، لكن في بعض الأحيان يبدو من الصعب الانضباط بصورة حديدية لهذه التوجيهات، مع أن ذلك من شأنه أن يفت في عضد المقاومة، ويفتح المجال للاحتلال، لضرب مقدرات المقاومة بسبب صاروخ لم يطلق بتوافق تنظيمي داخلي.

ويتابع القول: «أكثر من مرة كانت هناك مطالب بأن تضبط الحالة التنظيمية والعسكرية في غزة منطوية في غرفة عمليات مشتركة، هي من تتخذ قرار التصعيد أو قرار التهدئة، دون اجتهادات فردية هنا وهناك من شأنها أن تدخل القطاع في حالة من الحيرة والارتباك، دون معرفة ما الذي حصل وكيف حصل».

ويضيف أبو عامر: «على اعتبار ما يحصل بين حين وآخر حالة من الاستنزاف والضرب في ظهر المقاومة وتوجيه طعنات لها، فمفاجأة المقاومة بإطلاق صواريخ دون توافق مسبق قد يسفر عن عدوان دون تحضير كما في المرات القادمة»، متابعًا القول: «يجب أن تكون هناك حالة من وضع الأمور على الطاولة، بعيدًا عن خلط الأوراق وتصفية الحسابات، أو محاولة إرباك الساحة الداخلية، وهي الأهم في أي مواجهة عسكرية مع الاحتلال؛ لأن الجبهة الداخلية يجب أن تكون منضبطة بعيدة عن حالة الاستقطاب التي تكون بين هذا الجناح أو ذاك».

معهد إسرائيلي: حزب الله وحساباته المعقدة في الرد على الهجمات الإسرائيلية

المصادر

تحميل المزيد