كان يفترض أن تؤدي العملة الموحدة إلى اتحاد سياسي أكبر، لكن السياسات التي اتُّخِذَت لضمان بقائها كان لها تأثير معاكس؛ من أجل ذلك قد يكون التراجع المنظم لليورو هو الخيار الأقل سوءًا أمام الأوروبي.

مع دخول منطقة اليورو عامها السابع من الركود الاقتصادي، لا يزال مستقبل عملية التكامل الأوروبي يحدوه الترقب. فعلى المديين المتوسط والطويل، تبقى إمكانية حدوث سيناريوهات مختلفة قائمة، بدرجات متفاوتة من  الاحتمالات؛ بدءًا من الفيدرالية الكاملة وحتى الانهيار الكارثي لليورو والاتحاد الأوروبي. وما بينهما، توجد مجموعة من السياسيات المتبعة حاليًا، والتي وصفت أحيانا بـ”التخبط”؛ استنادا إلى آثارها على النمو والبطالة الجماعية. ولم تفعل كافة الإجراءات التي اتخذت منذ منتصف عام 2012 سوى إرجاء خطر التفكك غير المنضبط لليورو لفترة غير محددة، ولهذا عواقب استراتيجية، ربما تدفع إلى التفكير في خيار آخر: انهيار متعمد ومنظم لليورو في إطار اتحاد أوروبيّ مصون.

بعيد المنال، ولا يمكن تنفيذه، وغير مرغوب فيه

لن تكون هناك حاجة للتفكير في خيار محفوف بالمخاطر اقتصاديًا، ومراوغ تقنيًا، ومتخلف سياسيًا، مثل: تفكيك منظم لليورو، إذا كان ثمة سياسات واعدة أكثر في متناول اليد. فالفيدرالية، بالمعنى الحقيقي للكلمة، غير متوفرة سياسيًا. وفي ظل الظروف الحالية، من شأن الدعوة إلى تشكيل حكومة اتحادية لأوروبا مسائَلة ديمقراطيًا، و10% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي للضرائب الاتحادية، من الطراز الذي يدعم العملات الواحدة للدول الفيدرالية على نطاق قاريّ مثل الولايات المتحدة والبرازيل والهند -من شأن هذه الدعوة- أن تدمر الآفاق الانتخابية لأي زعيم سياسي. لكن مثل هذه التدابير قد تؤدي إلى استدامة اليورو على المدى الطويل، كما هو الحال بالنسبة لغيره من العملات قاريَّة النطاق في الكيانات السياسية المنوعة اقتصاديًا وغير المركزية.

وبرغم كل شيء يشهد الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك منطقة اليورو، حركة نحو مزيد من التكامل. لكن في غضون ذلك، هناك منطقتين لليورو: أولاهما، تتألف من ألمانيا وفنلندا والنمسا، وتتمتع ببطالة محدودة (مع انخفاض معدلها في ألمانيا من 10.7% عام 2007 إلى 5.6% عام 2013)، وعودة مبكرة إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي ما قبل الأزمة، ونفاد صبر كبير حيال الجهود التي تبذلها الدول الأقل حظًا لنقل التزاماتها إلى مستوى الاتحاد الأوروبي. أما منطقة اليورو الأخرى فلم تصل لمستويات انتعاش ما قبل الأزمة، في ظل بطالة جماعية وغياب وظائف طويل المدى خلقت “جيلا ضائعا”، وناخبين صبورين صوتوا بالتزامن للفاشيين والبلاشفة. وما بين هاتين الكتلتين توجد فرنسا.

فإذا كانت الفديرالية غير متوفرة، وأمل العودة إلى الاستقرار والنمو غير ممكن، فإن التفكيك الفوضوي لليورو غير مفضل. قد يبدوا هذا بديهيًا؛ نظرا للدمار الاقتصادي الذي من شأنه أن يؤدي إلى-بجانب التدمير المحتمل للاتحاد الأوروبي ذاته- تعريض الحريات (حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، جنبا إلى جنب مع التحرر من الاستبداد والحرب) التي يتسم بها الاتحاد للخطر.

وعلى الرغم من إغراء الدفاع عن الخيار الأقل مخاطرة في مواجهة الانهيار المنظم لليورو، فإن العكس هو الصحيح: فالنمو المنخفض، والضائقة الاجتماعية العميقة، والقوى الطاردة المسببة للتآكل المتولدة داخل أوروبا بفعل تمدد السياسات الحالية قد يؤدي إلى تفكك وحشيّ. هذا خيار مرتفع المخاطر قائم على الأمل وليس خيارًا عمليًا ذا حد أدنى من المخاطر.

العودة إلى المستقبل

الهدف من الخيار المعروض هنا هو ضمان البقاء طويل المدى للاتحاد الأوروبي كمشروع ديمقراطي لمجتمعات منفتحة سياسيا واقتصاديا من خلال عودة ناجحة للنمو. وأداة تحقيق ذلك هو عودة تقريبية للشروط النقدية التي كانت سائدة في المجتمع الأوروبي خلال العقد الأخير من الحرب الباردة، مع الحفاظ على التغييرات التي حدثت في الفترة الفاصلة، خاصة (لكن ليس فقط) إنشاء السوق الموحدة و توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي، وباستثناء واحد؛ هو تفكيك اليورو كعملة وحيدة بناء على اتفاق مشترك. باختصار.. إعادة صياغة النظام النقدي الأوروبي. سيتوقف اليورو عن أن يكون عملة واحدة تستخدمها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الـ 18، وسيتم إعادة تدويره كوحدة محاسبية موحدة، على غرار وحدة العملة الأوروبية ما قبل اليورو. هذا في حد ذاته من شأنه أن يكون بعيدًا عن النتائج المثالية، فمن الناحية السياسية سيُنظر إلى عودة العملات الوطنية عالميًا باعتباره نكسة مهينة للاتحاد الذي لطالما افترض أن المشروع الأوروبي يعرف طريقا واحدا فقط: إلى الأمام، إلى جانب حالة ركود عرضية. لكن التاريخ القريب يخبرنا بأن هذه الرواية خطيرة وخاطئة.

وبعبارة أخرى فإن الاتحاد الأوروبي بدون اليورو لن يمثل ببساطة طبعة جديدة من أوروبا الشرقية في نهاية الحرب الباردة، بل سيكون متوافقًا تماما مع نتائج سياسات التكامل التجاري ما بعد عام 1990، والتوسع الإقليمي والاختصاصاتيّ (مثل العدالة والشؤون الداخلية)، وسيساعد على نزع فتيل الشعور الشعبي على المستوى الأوروبي باعتباره أقل شرعية من الناحية السياسية.

وفي النهاية سيكون الكاتب سعيدًا إذا نجح في إقناع القارئ بالقضية التي يناقشها، لكنه سيكون أيضا سعيدا إذا قبل القارئ المتشكك توصيتين مستقلتين عن الخيار المطروح هنا: الأول، المزيد من البحوث والنقاش لدراسة توصيات السياسة المستقبلية المتعلقة بمستقبل اليورو، وتفاعلها مع مشروع الاتحاد الأوروبي في جميع جوانبه. هناك أيضا حاجة إلى عمل مقارن؛ فحينما يكون مصير اليورو والاتحاد الأوروبي على المحك ينبغي على المرء أن يبحث بجد في سوابق الوحدة النقدية والمؤسسية. وبالمثل، توجد حاجة إلى المزيد من التحليل بأثر رجعي للجوانب النقدية من الأزمات العالمية عام 1914 والكساد العظيم. والتوصية الثانية هي أن يعطي صناع السياسة الأوروبيون، الذين يبحثون خيارات اليورو ومستقبلها، الأولوية للسؤال المتعلق بكيف ستؤثر خياراتهم على الاتحاد الأوروبي ككل.

لكن التفكير الاستراتيجي لا يعني إغفال الهدف الأسمى؛ وهو الحفاظ على الاتحاد الأوروبي، الذي يجب أن يخضع له مصير اليورو، سواء كانت سلبيًا أو إيجابيًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد