أثار قرار المفوضية الأوروبية القاضي بوضع ملصقات تميز المنتجات الوافدة من المستوطنات الإسرائيلية تحديدا أواخر الأسبوع الماضي، حفيظة صناع القرار داخل إسرائيل، وسط موجة من التنديد والضغط بضرورة العدول عنه. لذلك فإن دلالات توقيت القرار في الوقت الحالي، ومدى تأثر الاقتصاد الإسرائيلي ووجهة نظر ساسته، وطبيعة المنتجات التي ستميز بوسم، هي أبرز التساؤلات التي يجيب عنها التقرير التالي.

(1) ماذا يعني قرار المفوضية الأوروبية بتمييز بضائع المستوطنات الإسرائيلية؟


في العاصمة البلجيكية “بروكسل”، وتحديدا في الحادي عشر من الشهر الجاري، وبعد مرات عديدة من التردد، قررت اللجنة التنفيذية في المفوضية الأوروبية وضع ملصقات لتمييز المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما يعني من وجهة نظرها التنويه التفسيري للإشارة إلى منشأ السلع الواردة من الأراضي التي تحتلها إسرائيل عام 1967.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي في بيانه المتواتر عبر وسائل الإعلام المختلفة يؤكد أن الإجراء تقني، يهدف إلى إطلاع المستهلكين الأوروبيين على طبيعة البضائع الوافدة من أية دولة، فإن إسرائيل تنظر إليه كقرار سياسي، كما يجزم رئيس حكومتها.

توحي الملصقات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية حاليا، أنها مصنعة في إسرائيل (الأراضي المعترف بسيطرة إسرائيل عليها دوليا) وهذا مخالف للقانون الدولي، لذا فقد بدأ الاتحاد الأوروبي بخطوة تمييز القادمة من المستوطنات فقط، كونها تعارض سياسة الأخيرة الرافضة لبناء المستوطنات.

والجدير ذكره أن وزراء خارجية 16 دولة أوروبية من أصل 28 قد بعثوا في إبريل الماضي برسالة إلى الممثلة الأوروبية العليا للسياسة الخارجية “فيديريكا موغيريني” بطلب تسريع الإجراءات؛ لوضع الملصقات على منتجات المستوطنات في الضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان المحتل.

وبحسب التشريع الساري المفعول لدى الاتحاد الأوروبي فإن الإشارة إلى منتج منشؤه المستوطنات الواقعة في الأراضي المحتلة على أنه صنع في إسرائيل تعتبر “مغلوطة وخادعة” كما ورد في المذكرة التي ستصدر في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي.

وكانت المحكمة الدولية في لاهاي في العام 2004، قد قضت بأن المستوطنات الإسرائيلية غير شرعية، وتخرق البند 49 من ميثاق جنيف، الذي يحظر على دولة محتلة أن توطن سكانها في المناطق التي احتلتها.

والمتعارف عليه أن الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تربطهما علاقات اقتصادية وطيدة منذ سنوات عديدة، حيث إن المنتجات المستهدفة تمثل اثنين إلى ثلاثة في المائة من الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي، وقدرت قيمتها بمائتي مليون دولار (187 مليون يورو) سنويا.

(1) ما هي أبرز دلالات القرار الأوربي في الوقت الحالي؟


ربما أبرز دلالة كانت من خلال تزايد المطالب الدولية والفلسطينية بممارسة ضغوط اقتصادية أكبر على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الذي أخذ يوسع من أنشطته الاستيطانية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة في القدس والضفة.

وثمة من يرى أن هذه الضغوط كانت نتيجة حركات المقاطعة الدولية للبضائع الإسرائيلية، والنشطاء الأوروبيون، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي لم يعترف بسيادة إسرائيل على أراضي الضفة، وينظر إلى المستوطنات على أنها خارج أية تسهيلات تحظى بها إسرائيل بموجب اتفاقيات تعقد مع الاتحاد الأوروبي ودوله، حتى إن القرار بتمييز البضائع جاء أقل من المتوقع بالنسبة إلى الناشطين في أوروبا المطالبين بمقاطعة جميع البضائع الإسرائيلية.

ويشار إلى أن الاتحاد الأوروبي هدد مرارا وتكرار بوقف العمل باتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية من أجل إثناء إسرائيل عن البناء في المستوطنات، ولكن ذلك التهديد ذهب أدراج الرياح، وأخذ الاحتلال يزيد من استيطانه.

من بين الإشارات أيضا على قرار تمييز المنتجات هي فشل عملية التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية، والمفاوضات التي كان من المفترض أن يتمخض عنها ثمار جيدة حينما بدأت 2014، ولم تأت بجديد حتى الآن، وهو ما يفسر تأجيل القرار منذ عام 2013، بعد ضغوط أمريكية.

أسباب أخرى دفعت الاتحاد الأوروبي إلى ذلك: وهي توافر بضائع منافسة للبضائع الإسرائيلية في السوق الأوروبية، وقد تكون أرخص منها في بعض الأحيان، حتى إن مواطني أوروبا المعارضين للسياسة الإسرائيلية نحو فلسطين، لم يعترضوا على البضائع الإسرائيلية، لن يُقدموا على شرائها، هربًا من تأنيب الضمير، أو بالأحرى بعد الزبائن عنها لدوافع “دينية”، وعرقية”.

(3) كيف تابع صناع القرار في إسرائيل القرار؟


ما أن أقرت المفوضية الأوروبية القرار، حتى ثار غضب المسئولين في إسرائيل، حتى إن بعضهم قد نعت أوروبا بـ” النازية” على فعلتها، فضلا عن استدعاء سفير الاتحاد الأوروبي في إسرائيل.

ورأت إسرائيل أن القرار منحاز ويتزامن مع تعرضها لهجمات” إرهابية” من بقاع مختلفة، إن على الاتحاد الأوروبي أن يشعر بالخجل؛ فالقرار غير عادل ويعبر عن الازدواجية المطلقة والنفاق، كونه طبق على “تل أبيب” فقط وتجاهل ما يزيد عن 200 صراع دولي حول العالم.

ولوح بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية إلى أنهم سينظرون للإجراءات القانونية التي من الممكن أن تتخذها في هذا الصدد، متهمة الاتحاد الأوروبي بمعاداة السامية، وكشف نواياها في عدم دعم علمية السلام المنشودة. كما وصفوا الإجراء بأنه بـ” الإجراء التمييزي” والذي لم يتخذ بحق أي بلد، ويتيح الفرصة للمسئولين الفلسطينيين رفضهم السلام، وسط تحذيرات الإسرائيليين من أن القرار سيعرض 26 ألف عامل فلسطيني داخل المستوطنات للبطالة.

من جانبها قررت وزارة الخارجية الإسرائيلية تعليق حوارها الدبلوماسي مع الاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات، والذي كان مقررا أن يجري خلال الأسابيع القليلة القادمة.

(4) هل سيتضرر الاقتصاد الإسرائيلي من وراء ذلك؟


تجتهد إسرائيل في الوقت الحالي كثيرا بالضغط على من يقفون خلف القرار للعدول عنه، لكنها في الوقت نفسه تكابر بأن لا يحمل أية آثار أو انعكاسات سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي، والذي بدأت صادراته ترتفع خلال السنوات الماضية.

حتى أن الكنيست الإسرائيلي أصدر قرارا بعدم تأثير حملة المقاطعة مؤخرا على الاقتصاد، حيث في السنوات التسع الماضية ارتفعت الصادرات الاسرائيلية من 7,8 الى 15,6 مليار دولار، وهذا ما يوضحه الاتحاد الأوروبي بأنه لا علاقة بين وضع الملصقات وحملة المقاطعة التي يرفضونها.

قلق الساسة الإسرائيليين ينبع من الخوف أن يندرج الإجراء ضمن حملة واسعة تهدف إلى نزع الشرعية عن إسرائيل، وحينها سيتكبد الاقتصاد خسائر فادحة، لاسيما أن إسرائيل كانت قد تراجعت استثماراتها الأجنبية بفعل حروب غزة، وحملات المقاطعة الأوروبية.

إلى جانب أن القرار يشكل انتقالا رسميا أوروبياً من حملات المقاطعة الخاصة والفردية المنتشرة في أوروبا مثل حملة” البي دي إس” إلى سياسة رسمية أوروبية، تدرجها إسرائيل في إطار زيادة عزلتها الدولية، وتقويض شرعيتها باستخدام أدوات اقتصادية للتأثير السياسي، وبخاصة أن دول الاتحاد الأوروبي هي المركب الاقتصادي الأول في الاقتصاد الإسرائيلي ويحظى بتصدير 30% من مجمل الصادرات الإسرائيلية، فيما أن الولايات المتحدة تشكل 20% من الصادرات، والدول الآسيوية 10% منها.

كل هذه المعطيات القلقة لدى إسرائيل توحي ربما بأثر القرار سلبا؛ لأن المستوطنات تصدر سلعا استهلاكية لدول الاتحاد الأوروبي تتراوح بين 300 إلى 350 مليون دولار سنويا وهذا من شأنه أن يخفض تلك الصادرات.

ويرى المتابعون للقرار أنه بداية لسلسلة تحركات فلسطينية من شأنها التأثير على نسبة 16 % من الصادرات الإسرائيلية والتي تنتجها المستوطنات، حيث تصدر المستوطنات إلى دول العالم ما بين 11 إلى 13 مليار دولار من إجمالي 95 مليار دولار، تمثل صادرات إسرائيل للعالم.

لاسيما وأن متابعة الصحف الإسرائيلية للقرار تتحدث عن خسارات بمليارات الدولارات إذا ما تم تنفيذ القرار، الأمر الذي دفع” نتنياهو” إلى إرسال أكثر من رسالة تحذيرية إلى رئيس البرلمان الأوروبي “مارتن شولتز”، بعد زيارات مكوكية لوزراء إسرائيليين إلى بروكسل في الآونة الأخيرة.

ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة للتجارة والتطوير، تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إسرائيل بنسبة 46% خلال العام الماضي 2014، لتصل إلى 6.4 مليارات دولار، مقابل 11.8 مليار دولار عام 2013، فيما أرجع اقتصاديون ذلك إلى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وحملات المقاطعة الدولية.

وجاء في تقرير للبنك الدولي أن الربع الأول من العام 2015، شهد تراجعاً في الصادرات الإسرائيلية السلعية إلى السوق الفلسطينية بنسبة 24%، وهو ما لم يحدث بهذا المعدل منذ احتلال الضفة وقطاع غزة عام 1967.

وقدر أيضا معهد راند الأميركي أن استمرار المقاطعة الاقتصادية الدولية سيؤدي إلى تقلص الناتج الإجمالي الإسرائيلي بنسبة 2% سنوياً، وهو ما يعني بلغة الأرقام 80 مليار دولار في السنة.

(5) ما هي أبرز المنتجات التي تصدرها لإسرائيل ومدرجة ضمن التمييز؟


لابد من الإشارة إلى أن المستوطنات تضم 250 مصنعاً، و3 آلاف منشأة اقتصادية أخرى من مزارع وشركات ومحلات تجارية متنوعة، وتنتج 146 علامة تجارية في كافة القطاعات الإنتاجية، منها نحو 40 علامة تجارية غذائية، وقرابة 50 علامة تجارية منزلية، و56 علامة تجارية، لمنتجات وصناعات متنوعة.

وفيما يتعلق بالمنتجات التي من المتوقّع أن يتم وسمها، فهي الخضار والفواكه، وزيت الزيتون، والعسل، بالإضافة إلى النبيذ ومستحضرات التجميل.


عرض التعليقات
تحميل المزيد