بينما كانت مصر تنتظر أن يحمل لها مارس (آذار) الحالي حزمة مساعدات تبلغ 500 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، جاء قرار البرلمان الأوروبي بوقف المساعدات والتعاون الأمني مع السلطات المصرية كـ«ضربة موجعة»، لم تتوقعها الحكومة المصرية التي حملها بيان البرلمان مسئولية مقتلالطالب الإيطالي جوليوريجيني في فبراير الماضي.

بينما كانت مصر تنتظر أن يحمل لها مارس (آذار) الحالي حزمة مساعدات تبلغ 500 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، جاء قرار البرلمان الأوروبي بوقف المساعدات والتعاون الأمني مع السلطات المصرية، كـ«ضربة موجعة»، لم تتوقعها الحكومة المصرية، التي حملها بيان البرلمان مسئولية مقتل الطالب الإيطالي جوليو رجيني، في فبراير (شباط) الماضي.

ردًا على ما وصفه البرلمان بـ«تعذيب الشاب الإيطالي جوليوريجيني، واغتياله في ظروف غامضة»، اعتبر البرلمان الأوروبي أن روجيني قُتل «لأنه كان على صلة بمعارضين»، لذلك وافق 588 من أعضاء البرلمان على قرار إدانة مقتل ريجيني، وطالبوا السلطات المصرية بالتعاون «عبر توفير المعلومات والوثائق التي تسمح بإجراء تحقيق واضح وشفاف وتسليم».

القرار الذي اعتبر من قبل الحكومة المصرية «غير منصف ويحمل إيحاءات مرفوضة»، يُعد سابقة في إدانة انتهاكات حقوق الإنسان بمصر من قبل المؤسسة الدولية، إذ اعتبر البرلمان في قراره الذي صدر تحت عنوان «مصر وحالة جوليوريجيني»، أن «قتل ريجيني يتبع قائمة طويلة من حالات الاختفاء القسري، التي حدثت في مصر منذ 2013م، دون أن تتم معاقبة المسئولين عن هذه الحالات حتى الآن»، وتطرق البيان للتعذيب والاختفاء القسري والقتل داخل السجون وأماكن الاحتجاز، واعتبر ذلك «يمثل انتهاكًا واضحًا للمادة الثانية من الاتفاق بين مصر والاتحاد الأوروبي، والذي ينص على أن العلاقة بين الجهتين يجب أن تقوم على احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».

مأزق حقيقي لمصر

رغم أن قرار البرلمان الأوروبي الخاص بقضية الطالب الإيطالي غير ملزم للحكومات، إلا أنه يمثل مؤشرا خطيرا وضربة موجعة للحكومة المصرية التي تمر بمرحلة سياسة واقتصادية صعبة، وللقرار تأثيراته السلبية المتعددة على العلاقات المصرية الخارجية والخطط المستقبلية لمصر.

يُشدد رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، محمد زارع على أن القرار ربما يعكس توجهًا آخر للاتحاد الأوروبي في التعاطي مع مصر في قضية حقوق الإنسان، بخاصة وأن الاتحاد الأوروبي انتقد بشكل واضح تعاون بعض الدول الأعضاء مع مصر عسكريًا. «هذه المرة تأذى مواطنيهم من حملة القمع غير المسبوقة في مصر، وبالتالي تواجه هذه الدول موجة غضب واسعة من شعوبها»، يقول زراع.

على هذا إذًا، فإن تعامل الاتحاد الأوروبي مع هذه القضية قد يكون مختلفًا عن المُعتاد، إذ كانت مصر دائمًا محل انتقاد فيما يخص ملف حقوق الإنسان، إلا أن هذا لم يؤثر على المصالح المشتركة مع النظام المصري في أي فترة. لكن الآن، ربما يكون صعبًا ترجيح كفة المصالح على حقوق الإنسان، بخاصة وأن القضية تمس مواطنًا أوروبيًا.

إذًا، فالحكومة المصرية في مأزق حقيقي، أو كما يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حسن نافعة الذي يعتبر أن عدم التعامل من الجانب المصري مع القضية وانتقادات الاتحاد الأوروبي بشكل جدي، يجعلها مُتهمة بالفعل في قتل الطالب الإيطالي.

المساعدات بيد البرلمان

كما أسلفنا، جاء بيان البرلمان الأوروبي، في وقت تنتظر فيه الحكومة المصرية، في مارس (آذار) الجاري، تنفيذ قرار الاتحاد الأوروبي بمنحها نحو 500 مليون يورو كمساعدات جديدة، أما في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل فتنتظر مصر إطلاق برنامج المساعدات الفنية من الاتحاد الأوروبي، بقيمة 20 مليون يورو، وهو برنامج يقدم خدمات فنية وتقنية، لتطوير منظومة التجارة الخارجية والاتفاقات التجارية، وأيضا يساهم في التنمية الصناعية والبنية التحتية للجودة.

EGYPT-TOURISM-ATTACKSورغم أن قرار البرلمان الأوروبي غير ملزم، إلا أنه سيؤثر سلبًا على المنح والمساعدات التي تأتي من الاتحاد الأوروبي أو الدول التابعة له لمصر، والتي من المفترض أن تُسلَّم لمصر الفترة الحالية أو القادمة، إذ إن البرلمان الأوروبي يملك التصديق على موازنة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن المساعدات الأوروبية لمصر والتي تقدربـ 300 مليون يورو سنويًا هي«بيد البرلمان».

كما يحمل التقرير بين طياته انطباعًا سلبيًا لدى الدول الغربية ومواطنيها، بأن الأوضاع الأمنية في مصر مخيفة، مما يؤثر على تدفق السياحة الغربية لمصر، ومن جهة أخرى يُنفّر الاستثمارات الغربية، التي تُؤمل الحكومة المصرية عليها. ورغم أن قرارات البرلمان الأوروبي، لا ترقى لكونها تشريعات مُلزمة، إلا أن لها أثرًا كبيرًا تجاه الدول الأعضاء في الاتحاد، خصوصًا وأن البرلمان الأوروبي هو المُصدّق على المنح التنموية التي يُقدمها الاتحاد للدول النامية.

العقلية «العنصرية» الأوروبية

منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013م، وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل الجهات الرسمية المصرية مستمرة وواضحة وموثقة بشكل كبير. تُصوّر هذه الانتهاكات بالفيديو، من داخل السجون المصرية التي تعج بمئات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وفي الشوارع والمستشفيات والمدارس المصرية.

Human Rights Violationsمع هذا لم تتحرك المؤسسات الدولية، ولم يُسجَّل لها موقف واحد جدير بمستوى هذه الانتهاكات، ولم تُسمع دعوات الحقوقيين المصريين بتطبيق حقوق الإنسان وإعلاء حرية الرأي، لذلك كان موقف البرلمان الأوربي من مقتل ريجيني مُستنكرًا، لأنه خاص بمواطن أوروبي قُتل في مصر، فرغم أن البرلمان الأوروبي أشار إلى أن قضية ريجيني «ليست بالحادث المنعزل، لكنه حدث في سياق من حالات التعذيب والموت في السجون والاختفاءات القسرية عبر أنحاء مصر في السنوات الأخيرة»، إلا أن موقفه هذا لم يتطرق في السابق لنتهاكات النظام المصري، إلا في سياق محدود وباهت، فقد سبق للبرلمان الأوروبي أن أصدر عدة قرارات مرتبطة بحالة حقوق الإنسان بمصر في 17 يوليو (تموز) 2014م و15 يناير (كانون الثاني) 2015م.

في هذا الصدد، علّق الأكاديمي المصري العالمي، عماد شاهين، قائلًا:«خبرتي مع كثير من مسئولي الاتحاد الأوروبي، لا يتقبلون النقد بصدر رحب. ودائما يظنون أنهم وحدهم الذين يفهمون ما يجري، وغيرهم إما لا يدرك الصورة الكاملة أو دون المستوى لتوجيه النقد لهم».

شاهين اعتبر أن القرار يعكس عقلية «المركزية الأوروبية الانتقائية»، على اعتبار تحركهم عندما مس الأمر أحد مواطنيهم. «القرار عكس منطق الأهل والعشيرة الذي طالما انُتقد عليه الإخوان وبحق، حيث أغلب من ذكر بالاسم هم من أهل وعشيرة الاتحاد الأوروبي»، يقول عماد شاهين.

المصادر

تحميل المزيد