في عالم مترابط كالذي نعيشه اليوم بفضل وسائل الاتصال والتواصل لا تحتاج المعلومة، أي معلومة كانت، أكثر من ضغطة زر على حاسوب أو هاتف أحدهم ليتم تداولها في لمح البصر، فالإنسان الحديث باستطاعته متابعة آخر الأخبار والأحداث التي تحدث في الصين مثلًا، بينما هو مستلق على فراشه في قرية نائية في سهول أفريقيا، أو في مجاهيل غابة الأمازون. لا فرق، يكفي أن يكون لدينا جهاز متصل بالشبكة العنكبوتية، وسنكون على اطلاع بآخر التطورات في أي بقعة على هذا الكوكب. بذخ معرفي يعود الفضل فيه لاختراع الإنترنت الذي جعل منّا كجزر متفرقة يوحدّها ويربط بينها بحر معلوماتي واحد. 

حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان التلفاز، والراديو، والصحف الورقية مصدر المعلومة الأوحد لكثير من معلوماتنا. لكن مع بزوغ فجر الإنترنت في بداية التسعينات انفلت عقال المعلومات، وزادت مصادرها مع اختراع الهواتف الذكية حتى حوّلت المواطنين إلى صحافيين متنقلين، ومزوّد أساسي للمعلومات إلى جانب مصادرها الرسمية. فما عاد بالإمكان إخفاء أي شيء، والأهم أنه صار بإمكان الجميع الوصول إليها.

لكن من جهة أخرى عنى اتصال المواطنين المستمر بالشبكة المعلوماتية بالنسبة لآخرين ذوي مصالح محددة سهولة الوصول إليهم، وبالطبع سهولة تمرير رسائل سياسية، وأيديولوجية، وتوجيه الرأي العام بعناية فائقة نحو اتجاه محدد مسبقًا. خصوصًا في أوقات الأزمات، أو صراعات الأحزاب السياسية على أصوات الناخبين والجمهور بشكل عام، ولعل تيارات اليمين في أوروبا كانت من أهم الأطراف المستفيدة من ذلك. 

توفّر أزمة تفشي وباء الكورونا اليوم في كثير من دول العالم فرصة ذهبية للاصطياد السياسي لعقول المواطنين. ضاربين بعرض الحائط حساسية الموقف صحيًا، والخطر الذي يتهدد البشر نتيجة لذلك. على الأغلب عزيزي القارئ قد مرّ بك حتى الآن الكثير من الأخبار والمنشورات والفيديوهات التي تطلق نيران المعلومات والأخبار دون هوادة. منها ما يكون بريئًا، ومنها ما يكون دون ذلك. فما الذي يحدث حولنا، وكيف يحدث ذلك؟ في هذا التقرير سنحاول أن نعرض لك جزءًا من هذا المشهد المعقد.

من الإمبراطورية الرومانية حتى المكارثية.. تاريخ من التضليل

بعد مقتل الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر، حكم الإمبراطورية الرومانية ثلاثة من أقوى رجالها وقادتها العسكريين (ماركوس، أنطونيوس، أكتافيوس، ولابيدوس) فيما عرف بفترة الحكم الثلاثي الثاني، وبسبب الصراع على السلطة بين الثلاثة نشبت حرب أهلية طاحنة بين أوكتافيوس الذي سيعرف لاحقًا باسم «أوغسطس»، أول إمبراطور روماني مطلق السلطة، وبين مارك أنطوني وحليفته كليوباترا عام 31 قبل الميلاد، بعد إزاحة لابيدوس عن ساحة الأحداث. استخدمت فيها كل الوسائل المتاحة وقتها لكسب الحرب الإعلامية من خطابات، وتمويل للشعراء، وحتى من استغلال للمسكوكات النقدية وطباعة شعارات معادية للأطراف المتناحرين. 

سياسة

منذ 3 سنوات
إن لم تكن معي فأنت ضدي.. هكذا كان عصر الرعب في أمريكا «المؤمنة»

يمكن القول إنه في ذلك الصراع قد شهد التاريخ واحدة من أوائل الدعايات وأساليب التضليل لتشويه الخصوم بغرض تحقيق أهداف سياسية بحتة. فقد استغل أكتافيوس رفض مارك أنطوني الزواج من امرأة رومانية لتشويه صورته أمام مجلس الشيوخ الروماني. واستخدم أوكتافيوس ذلك لنشر الدعاية التي تقول إن أنطوني أصبح أقل من روماني؛ لأنه رفض زواجًا رومانيًا شرعيًا بسبب «عشيقة شرقية»، يعني كليوباترا. 

وإمعانًا في تشويه صورة خصمه، استولى أوكتافيوس على وصية أنطوني السرية وقام بنشرها على الملأ. إذ إن الوصية تمنح الأراضي التي غزاها الجنود الرومان كممالك لأبنائه ليحكموها بعد موته، كما نصّت على إنشاء ضريح له هو وزوجته في مدينة الإسكندرية. والتي استخدمها للترويج أن الوصية تهدف إلى تقليص نفوذ روما.

عندما قادت حركة الكشوفات الجغرافية في القرن الخامس عشر الأوروبيين إلى أقاصي القارة الأفريقية كان عالم الرياضيات والفلكي جون هيرشل، أحد أولئك الذين قادهم القدر إلى جنوب أفريقيا، ومن على سواحل رأس الرجاء الصالح كان قد نصب منظاره الحديث بمقاييس عصره وراح يدوّر عدسته في أرجاء السماء كما يفعل أي فلكي آخر بانتظار رصد أحد المذنبّات التي كان يُتوقع مرورها في وقت ما من ذلك العالم. وكعالم رصين كان الرجل يواظب على نشر ملاحظاته في دورية جامعة أدنبره العلمية، لتلتقط هذه الملاحظات صحيفة «الصن» الأمريكية التي كانت تصدر في الجانب الآخر من المحيط من مدينة نيويورك.

نشرت الصحيفة، التي نشأت عام 1833 لتنافس صحيفتي «نيويورك تايمز» و«نيويورك هيرالد تريبون»، سلسلة من ستة مقالات تحت عنوان «اكتشافات فلكية عظمى حديثة للسير جون هيرشل»، إذ خصّصت الصحيفة أولى تلك المواد الست التي نشرت يوم 25 أغسطس (آب) 1835 للحديث عن مكانة هيرشل العلمية، وعن أهم إنتاجاته البحثية، وعن قوة تلسكوبه المستخدم الذي وصفته بأنه قادر على تكبير الصورة حتى 42 ألف مرّة، وأضافت أن الرجل قد تمكّن من حل أهم المسائل الرياضية الفلكية، وصحح كثيرًا من المفاهيم السائدة آنذاك عن علم الفلك، لتبدأ بذلك رحلة لأكبر عملية خداع صحافي مبنية على حقائق علمية عرفت إعلاميًا باسم «The Great Moon Hoax» أو خدعة القمر الكبير، التي استمرت آثارها حتى وقت قريب.

وبعد أن أسست الصحيفة، التي كانت تستهدف قرّاء الطبقات الدنيا تحديدًا بسعر في متناول اليد، الأرضية العلمية المقنعة اللازمة لخدعتها، أمعنت في تشويه الوعي الجماهيري في الأعداد الخمسة اللاحقة باسم الاكتشافات العلمية، فقد زعمت أن هيرشل، الذي لم يكن يعلم حتى ذلك الوقت بما يحدث، قد حقّق اكتشافات مذهلة حينما وجّه منظاره إلى سطح القمر. فقد روّجت الصحيفة أن القمر تعجّ فيه الحياة على أحسن ما يكون؛ سهول خضراء، وبحار داخلية، وزهور من كل الألوان، وصخور من الكريستال، وحيوانات وحيد قرن زرقاء بلحى، وقطعان من الثيران الجوّالة. وكان الخبر الأقوى الذي روّجت له الصحيفة هو اكتشاف هيرشل لمجتمعات مسالمة وبدائية تعيش على سطح القمر وترتاد معبد ذي قبّة ذهبية، وخفافيش بشرية مجنحة، تشبه قصص «باتمان» في عصرنا اليوم.

حققّت الصحيفة مبيعات هائلة في تلك الفترة من القصص المبنية على الفورة العلمية آنذاك والتي أعطت شيئًا من احتمالية تصديقها. ولم ينفع دحض خصومها من الصحف الأخرى مزاعمها كثيرًا، بل انساقت كثير من الصحف في الولايات المتحدة في نهاية المطاف وراء الموجة المحمومة في سبيل تحقيق الأرباح، وانتقلت عدوى الموجة إلى صحف القارة الأوروبية. ولم يتم البت في هذه القصة حتى أواخر عام 1835 عندما كان مالك إحدى حدائق الحيوانات الأمريكية يجوب الأدغال الأفريقية بحثًا عن حيوانات لحديقته، عندما التقى بهيرشل وسلّمه نسخة من صحيفة «الصن»، ويدحض كل الاكتشافات المنسوبة إليه حينها. 

وفي مطلع خمسينات القرن الماضي بدأ بعض القادة الأمريكيين تحذير المواطنين مرارًا وتكرارًا من خطر تسلل المد الشيوعي إلى بلادهم خلسة، وروّجت الحملة أن الشيوعيين يمكن أن يفسدوا حياة الأمريكيين مستخدمين مناصبهم كمعلمين في المدارس، وأساتذة جامعيين، وناشطين عماليين، وفنانين، أو صحافيين للمساعدة في برنامج الهيمنة الشيوعية العالمية.

وصلت الحملة، التي صارت تعرف لاحقًا باسم الخوف الأحمر، إلى ذروتها بين عامي 1950 و1954، عندما أطلق السيناتور جو مكارثي من ولاية ويسكونسن، وهو جمهوري يميني، سلسلة من التحقيقات ذات الدعاية الشديدة في الاختراق الشيوعي المزعوم لوزارة الخارجية، والبيت الأبيض، والخزانة الأمريكية، وحتى لمناصب مهمة في قيادة وصفوف الجيش الأمريكي. خلقت إدانات مكارثي الصاخبة موجة من التشكيك اجتاحت الولايات المتحدة وأثارت مناخًا من الخوف والشك في جميع أنحاء البلاد بحيث لم يجرؤ أحد على التشابك مع مكارثي خوفًا من وصفه بأنه خائن.

وقد كان هناك من الحقائق التي استغلها الرجل للتأكيد على صدق ما يقوله والذهاب بعيدًا حد التطرف فيما بعد في ملاحقة الخصوم واضطهادهم. فما بين العامين 1950 – 1953 شهدت الولايات المتحدة واحدة من أشهر المحاكمات لزوجين، يوليوس وإيثل روزنبرج، اتهما بتهريب أسرار «مشروع مانهاتن» النووي الأمريكي لصالح مخابرات الاتحاد السوفيتي. إلا أن تحقيقات مستقلة خصوصًا بعد الإفراج عن وثائق رسمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد تصريحات لأحد الشهود عام 2014 أثبتت براءة الزوجة من التهمة التي كان ذنبها أن أصولها تعود إلى يهود روسيا المهاجرين للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما كان كافيًا آنذاك لإدانتها جزافًا. وأن الشاهد كان قد كذب لحماية زوجته المتورطة فعليًا والتي لم تحاكم أبدًا.

بالرغم من أن الحملة المكارثية كانت قد بدأت بقائمة تضم مئتي اسم من المتهمين بالانتساب للشيوعية إلا أنها توسعت مع الوقت لتطال الآلاف من الناس. وقد اعتمد الرجل على التهديد الشيوعي المزعوم لهوية المواطنين الدينية لتطال اتهاماته شخصيات بارزة في المجتمع مثل المناضل ضد العنصرية والزعيم الأمريكي من أصل أفريقي مارتن لوثر كينغ، والعالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين الذي انتقد في بعض رسائله الرأسمالية، والكاتب المسرحي والمدافع عن الحرية الفكرية آرثر ميللر بسبب إدانته للسياسة الأمريكية الخارجية في مجال حقوق الإنسان، و الممثل من أصول إنجليزية تشارلي تشابلن بسبب أعماله الفنية التي انتقد فيها الرأسمالية كفيلم «السيد فيردو»

مجتمع

منذ 5 سنوات
في 10 نقاط مقارنة بين "المكارثية" الأمريكية وما يحدث في مصر الآن

التضليل الإعلامي.. عملية تستهدف المثقفين أيضًا

تحدّث وكتب كثير من المختصين حول سهولة انقياد العقل الجمعي الجماهيري للمعلومات المضلّلة. فقد خلصت كثير من الدراسات والأبحاث أن عمليات التضليل والخداع الجماهيري دائمًا ما بنيت على شيء من الحقيقة. وأن الظروف المجتمعية المحلية والإقليمية والعالمية وقت ظهورها عامل أساسي في نجاحها. ويزيد من استعداد الجماهير النفسي والذهني للإيمان بها وتصديقها وتداولها. ولذلك لا تلبث أن تتحول اعتقادًا جماهيرًا عامًا، وتحتاج بالتالي وقتًا طويلًا وجهدًا مريرًا لدحضها وتفنيدها والتخلص من توابعها. 

إذا لا يتم الحديث هنا عن ترويج معلومات خاطئة أساسًا. لو كان كذلك لكن من السهل اكتشاف الخبر الصادق من الخبر الكاذب كما يحدث في «كذبة أبريل» من كل عام. لكن ما يحدث هو خلط للمعلومات الصحيحة مع المعلومات الخاطئة بشكل متعمّد من أجل تحقيق مكسب ما، أو من أجل الإضرار بالخصوم، أو بأطراف أخرى. ولا يتم الحديث هنا فقط عن «الأشرار» الذين يقفون خلف حملات التضليل تلك، بل عن حلقة كاملة من المتعاونين غير المدركين لدورهم في تضخيم ونشر تلك الأخبار والمعلومات بقصد أو دون قصد. 

لذلك كان تضليل الصحافيين وتسريب معلومات معدّة مسبقًا لخدمة أهداف محددة واحدة من أهم جبهات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، كما ذكر لورانس مارتن بيتمان، ضابط مخابرات تشيكوسلوفاكي سابق ومحاضر في جامعة بوسطن بعد فراره إلى واشنطن، في كتابه «كي جي بي والتضليل السوفيتي» الصادر عام 1985.

الرجل كان العقل المدبر لواحدة من أكبر عمليات التضليل للصحافة الغربية عام 1964 عرفت باسم «عملية نيبتون» لتشويه سمعة بعض السياسيين الغربيين وعملائهم العاملين في أوروبا الشرقية، كما اعترف لاحقًا بذلك في مؤلفاته. لذلك لنا أن نتخيل اليوم حجم التضليل الذي تمارسه سواء الحكومات أو السياسيين على الجماهير في عصر منصات التواصل الاجتماعي، والكم الهائل من المعلومات المغلوطة التي تغزو وعي الجماهير يصعب التحقق من صدقها. 

هذه الحملات لا تستهدف فقط، كما يُعتقد خطأً، من هم أقل حظًا من التعليم والثقافة. فعندما يُنظر للموضوع من وجهة نظر القطيع، يتأثر المثقف وغير المثقف بمحتوى هذه الحملات، وينساق ورائها المتعلم وغير المتعلم، ويتساوى الفلاح والأستاذ الجامعي في تأثيرها عليهم نتيجة ثلاثية “التأكيد والتكرار والعدوى” كما يحددها غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير». فالفكر الجماهيري الجمعي لديه يقبل أقوال زعمائه، ويمكننا أن نضيف كل جهة رسمية، ككُلٍّ واحد دون مناقشة أو تحليل، خصوصًا إذا كان ذا «كاريزمة»، أو كانت المؤسسة ذات صفة رسمية أو علمية.

إعلام

منذ 6 شهور
لا يصدق الإنسان الأخبار الكاذبة فقط.. بل يبحث عنها أيضًا!

التضليل باستخدام الأوبئة.. كيف يستغل اليمين كورونا في أوروبا؟

منذ تفشي وباء الكورونا ولم يتوقف الدفق المعلوماتي حوله من أخبار وخرافات ومعلومات مضلّلة، سواء كانت اجتماعية، أو صحيّة، أو سياسية. وسعت جهات سياسية عدّة – كان اليمين الأوروبي واحد من أهم أطرافها – لتوظيفها بشتى الطرق الممكنة لمصالحها الخاصة، فقد رصد مكتب تابع لخدمة العمل الخارجي الأوروبي، وهو مكتب معني برصد حملات التضليل المتعمدة الموجهة ضد الاتحاد وتفنيدها، عدد من الأخبار التي تتعلق بوباء الكورونا والتي لا صحة. من قبيل أن فيروس (كوفيد-19) مصنع مخبريًا في الصين، أو أمريكا، أو بريطانيا، أو روسيا، أو حتى (الناتو). ومن قبيل أن المهاجرين يساهمون في جلب ونقل وتفشي العدوى بفيروس الكورونا في القارة الأوروبية.

ورصد المكتب «تريندات» محلية وعالمية للأخبار المضلّلة التي تم تداولها، مثل أن الفيروس ليس طبيعيًا، بل تم نقله مخبريًا بواسطة الجيش الأمريكي إلى ووهان الصينية. أو الأخبار التي قالت أن الفيروس مرتبط بشبكة الجيل الخامس G5 الهاتفية كون مدينة ووهان هي المركز العلمي لولادة هذا الجيل من الهواتف، كما رصدت تريندات حول نظرية أن الفيروس لا وجود له، وأنه مجرد خدعة. وقالت إنها جميعًا كانت تريندات مفتعلة على منصات التواصل الاجتماعي لأهداف وأغراض سياسية، ومالية، واقتصادية. 

وبالرغم من تفنيد كثير من هذه الأخبار، إلا أنه في خضّم الانقسام الشمالي (الألماني، الهولندي، والنمساوي) والجنوبي (الإيطالي، الفرنسي، والإسباني) في البيت الأوروبي، على الآليات الواجب اتباعها لمواجهة الأثر الاقتصادي لتفشي الوباء. استغلت قوى اليمين الأوروبي في كل من فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، في حملات إعلامية لا تخلو من التضليل والتهويل، الخوف الجماهيري من تفشي وباء الكورونا لتمرير أجنداتهم السياسية على جبهتين؛ الأولى استغلال الموقف المتخبط وغياب الرؤية الموحدة لأعضائه للدفع بسياستهم المعادية للاتحاد الأوروبي قدمًا.  

فقد رأى هذا المعسكر المعادي لفكرة الاتحاد والداعي للخروج منه والانكفاء على الذات، في الانقسام الحاصل وفي تفشي فيروس «كوفيد-19» مسمارًا جديدًا تدّقه في نعش الاتحاد الذي ظهر تفككّه وضعفه عند أول اختبار حقيقي.

عزّز ذلك الحملات الدعائية الروسية والصينية، التي اشتكى منها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، المرافقة للمعونات الطبية لإيطاليا، وإسبانيا تحديدًا، فقد أثارت صور الخبراء الروس وعرباتهم العسكرية المحمّلة باللوازم الطبية التي جابت طرقات الشمال الإيطالي المنكوب، وصور الطائرات الصينية المحملة بالمواد الإغاثية الطبية على مدرجات روما ومدريد مؤسسات الاتحاد أكثر من صور الأطباء والممرضين المنهكين من مواجهة الفيروس، وأكثر من صور المستشفيات المكتظة بالمرضى الذين يعانون لحجز سرير لاقتناص فرصة للعيش. وهي الفرصة التي لم يفوتها اليمين الأوروبي لبث رسائل جماهيرية حول جدوى اتحاد انكفأ أعضاؤه داخل حدودهم الوطنية في مواجهة الجائحة بدلًا عن التوحد.

عام

منذ 3 سنوات
حتَّى لا يخدعك الإعلام.. إليك دليل المحترفين للتحقُّق من المعلومات على الإنترنت

وعلى جبهة ثانية لم يوفر المعسكر اليميني الفرصة لمهاجمة الأقليات والمهاجرين الذي يشكل العداء لهم الرافعة السياسية لبرامج هذا الخط السياسي. فقد دعا بأن تفرض حكوماتهم ضوابط صارمة على الحدود لمنع تدفق المهاجرين. بحجة أنهم قد يحملون المزيد من حالات العدوى إلى القارة العجوز في تضليل إعلامي واضح. 

ففي تصريحات لها انتقدت ماري لوبين، زعيمة حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، «سياسة اللاحدود للقيادة الأوروبية» في ظل أزمة كورونا، وطالبت بإغلاقها مجادلةً بأن ذلك يحمي سكان القارة، بغض النظر عن الوضع وتطوراته. أما أليسا فايدل، وهي نائبة في البرلمان الألماني (بوندستاج) عن حزب «البديل الألماني» اليميني، فقد ذهبت إلى أن تفشي الوباء في القارة كان بسبب «سياسة الحدود المفتوحة» للمهاجرين.

ولم يتأخر زعماء اليمين الإيطالي عن ركوب نفس الموجة في بلادهم، لنفس الغايات السياسية، فزعيم «حزب الرابطة» اليميني، ووزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، وهو ربما الرمز اليميني الأشهر في البلاد، كان قد طالب منذ وقت مبكر بإغلاق الحدود، ورفض السماح للسفن المحملة بالمهاجرين قبالة شواطئ شبه الجزيرة الإيطالية بدخول البلاد. كما انتقد السياسات الأوروبية التي تحاول التدخل في شؤون بلاده بزعمه من بوابة المساعدات الاقتصادية، ولم تتأخر السياسية اليمينية، جورجا ميلوني، عن انتقاد ما سمته «الفتات المالي» لبلادها من بروكسل لمواجهة تفشي الوباء، الذي يفتك بمواطنيها خلال الأسابيع الأخيرة. كذلك استغلت الحكومة اليمينية في اليونان تفشي الوباء لإيقاف العمل بقوانين الهجرة لآلاف المهاجرين المنتظرين في مراكز اللجوء في جزرها بحجة الحد من تفشي الوباء بين مواطنيها. 

يظهر الإنسان ضعفًا في الظروف القاسية والحرجة، ويميل لتصديق أي خبر يتلقاه نتيجة الخوف والاضطراب الحاصل كما هو في حالة وباء الكورونا. وهناك من يحاول دائمًا استثمار مثل هذه الظروف مستغلًا التشويش الجمعي العابرات للقارات والقوميات.

ومثل هذه الظروف تشكل مرتعًا خصبًا لنيران الإشاعات، والأخبار غير الدقيقة، وبالتالي تحقيق المصالح الضيقة. فقد أظهرت دراسة صدرت مؤخرًا أن 40% من التفاعل الإلكتروني على «تويتر» حول فيروس كورونا خلال شهر فبراير (شباط) الماضي كان يتم نشرها بواسطة بوتات إلكترونية موجهة. الدراسة التي حللّت قرابة السبع ملايين تغريدة على «توتير» بـ47 لغة من اثنين إلى 14 يناير خلصت إلى أن قرابة 2.5 مليون حساب غرّد حول موضوع الكورونا كانت عبارة عن حسابات يتم التحكم بها إلكترونيًا، أي أن 38.7% من المحتوى المتعلق بـ(كوفيد-19) في تلك الفترة كان موجهًا. وقد انقسمت موضوعاتها حول أربعة محاور أساسية: دينية، ومهاجمة الثقافة الصينية، ومؤامرة الأسلحة البيولوجية، وأرقام «tencent» حول الأعداد الحقيقية للضحايا في الصين. 

المصادر

تحميل المزيد