«نحن الآن على أعتاب تغيّر مهم للموازين على المستوى الأوروبي، ونواجه توجهًا جذريًا، إما يتصف باليسارية والأممية، أو باليمينية والزينوفوبية. ولو استمر اليسار الزاعم بمعاداة النيوليبرالية بتكرار شعارات «أوروبا اجتماعية» و«إصلاح المؤسسات الأوروبية» بابتهال، لن يؤدي ذلك لضعف اليسار فحسب، بل لانحلاله التام». *ستاسيث كوفيلاكيس.

في إحدى الحوارات التي أجريت معه، ولقت رواجًا كبيرًا، عبر المفكر الماركسي الفرنسي/ السوري، فاروق مردم بك، عن اندهاشه مما اعتبره تناقضًا صارخًا بين البرنامج الفلسفي لحكومة اليونان اليسارية، المعادي للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية المفروضة من الاتحاد الأوروبي، وبين التزامها البقاء في منطقة اليورو، مؤكدًا أن هذا التناقض أفقد تسيبراس أي قدرة على المناورة في مفاوضاته، التي أسماها مردم بك بـ«المستحيلة مع عصابة من المرابين»، مؤكدًا أن سيريزا رضخ لاملاءات الاتحاد الأوروبي، التي تتسم بالتهالك على مستوى منطقها الاقتصادي نفسه، بحسب مردم بك، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الديون والأعباء على اليونان، وستؤدي إلى طردها مدحورة في الأخير، من الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن مردم بك، كان مسرورًا في حديثه، من وجود حزب يساري استطاع أن يخوض معركة انتخابية طاحنة، ويفوز بها مثل «سيريزا» في اليونان، واستطاع أن يستقطب شرائح واسعة من المهمشين والشباب، ويضم الشراذم اليسارية المفتتة والمستقلة، بالنظر إلى نكبة اليسار الكبرى في التسعينيات من القرن الماضي، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، إلا أن المفكر الشيوعي، عاد ليؤكد على أنه قرأ برنامج سيريزا السياسي، ووجد أنه برنامجًا إصلاحيًا، ذا نزعة توفيقية.

نظرة على الأزمة اليونانية

في الواقع، معظم الدين اليوناني، هو لصالح صندوق النقد الدولي، والمفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، فقد أقرضت تلك المؤسسات اليونان أموالًا ضخمة، قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكانت هذه الديون على ضوء التوقعات القوية التي تبناها البنك الدولي، بخصوص النمو الاقتصادي المنتظر لأثينا، وقد تبين أن تلك التوقعات كانت خاطئة تمامًا، وحين تبين ذلك طالبت تلك المؤسسات بأموالها على الفور، وهو ما تسبب في طلب اليونان لقروض الإنقاذ.

حين وصلت حكومة سيريزا للحكم، كانت مجادلتها الأساسية، أن سياسة تلك المؤسسات في التعامل مع اليونان، غير منطقية ولا عقلانية، ولن تؤدي إلى النتيجة التي تريدها، وهي أن تسدد اليونان ديونها، فاقتصاد اليونان يحتاج أن ينمو ويستفيق، حتى تسدد الديون، فهي تحتاج أن تستثمر حتى تتجازو الركود ومن ثم تسدد المستحقات، بالتالي فالحل الذي كانت يقدمه سيريزا، هو ربط السداد بالنمو الاقتصادي، وليس فرض التقشف الذي يؤدي إلى أثر سلبي على معدل النمو. ببساطة كان حل سيريزا، أن تُعامل اليونان كما تم التعامل مع ألمانيا عام 1953، بربط السداد بالنمو الاقتصادي، لكن منطقة اليورو رفضت هذا الحل الكينزي، المرتبط بتخفيف عبء الديون على اليونان، وفضلت صرامة التقشف، وأن يدفع الشعب اليوناني، ثمن توقعات البنك الدولي الخاطئة.

لعبة سيريزا الفاشلة

منذ صعود ألكسيس تسيبراس اليساري، إلى سدة الحكم في اليونان، كانت خطته في مواجهة المؤسسات الاقتصادية سالفة الذكر، تعتمد على لعبة مراوغة تبدو ذكية، وهي التهديد بالعجز عن السداد، وهو ما يعني إعلان أزمة مالية قد تفكك اليورو، ومن ثم الضغط وتصعيد القوة التفاوضية، كلما اقترب موعد السداد، وبالتالي لا يصبح أمام أوروبا سوى تخفيف أعباء الديون عن اليونان.

افترضت خطة اللعبة، وجود فائض مخطط له في الميزانية، باستبعاد قروض الفوائد، كان من المتوقع أن يصل إلى 4%، من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يغطي هذا الفائض الأجور والمعاشات والإنفاق العام، الذي وعد به الحزب، أثناء فترة المناورة.

خطة اللعبة لم تكن محكمة بما يكفي، فالواقع أن التوقعات بالفائض الكبير لم تكن صائبة، بالتالي بات أمام أوروبا خيار مريح للغاية، وهو أن تترك أركان اللعبة التي اخترعها سيريزا تتهدم عليه، حيث يسيتطيع الاتحاد الأوروبي بالمعطيات الجديدة حبس اليونان داخل سجن منطقة اليورو، ويحرمها من المال، ويشاهد مستمتعًا شعبية سيريزا وهي تنهار، مع المستجدات التي باتت واضحة من عجز اليونان عن جمع قدر كافي من المال، لدفع أجور مواطنيها في أول كل شهر. باختصار كان فشل لعبة سيريزا قبل أن تبدأ، إيذان بضرورة اتباع استراتيجية جديدة تجاه الاتحاد الأوروبي، تخضع فيها اليونان لشروطه.

ماذا بعد اللعبة الفاشلة

في الواقع، بدأ اليسار الحاكم في اليونان، الذي بدأ حكمه بأحلام كبيرة للغاية، يتفهم بالممارسة أنه أمام مؤسسات أقوى مما يتخيل، وأن الظروف لا تقف على كل حال في صالح أحلامه، وبحسب العديد من المراقبين، فإن سيريزا حاول بكل ما أوتي من قوة في المفاوضات، أن يحقيق الموازنة والتوفيق بين التفويض الانتخابي الشعبي الذي حصل عليه، وهو معادي للتقشف، وبين رغبة الدائنين الأقوياء. فقد وجد سيريزا نفسه غير قادر في أرض الواقع على الإطلاق، أن يعطي ظهره لمنطقة اليورو، وبات سيريزا أكثر خضوعًا للتنازلات المتعلقة بالتقشف، أمام رغبات الدائنين الجامحة، التي تعادي ما أفصحت عنه الديمقراطية في اليونان من مطالب وتصورات، بشأن المستقبل.

موقف الراديكاليين من خضوع سيريزا

بالنسبة للعديد من الشيوعيين الراديكاليين في أوروبا، فإن إخضاع سيريزا لم يكن مفاجئًا، فبالنسبة لهؤلاء، هو لم يقم بخيانة الطبقات التي انتخبته وأحلامها، وإنما هو من البداية يخدم وبوضوح نفس المصالح الطبقية التي يخدمها الآن، من وجهة نظرهم، وهي مصالح رؤوس الأموال الكبرى، والمصالح الأوروأطلسية. بالنسبة لأصحاب هذه النظرة فإن الأمر يتعلق ببنية الحزب نفسه وتناقضاته المؤسسة، فهو حزب إصلاحي لا يمت للراديكالية بصلة، من وجهة نظرهم.

وفي إحدى بيانات الحزب الشيوعي اليوناني، منذ قرابة شهرين، قال بوضوح: «لم يكن سراً بأن الحزب الشيوعي اليوناني، كان قد حذر من دور سيريزا، حتى قبل استلامه لإدارة البلاد الحكومية. وبالتأكيد بإمكان المراقب الجيد للتطورات، والذي لا يستند تحليله على نظرية الاشتراكية العلمية، أن يلاحظ زيارات السيد تسيبراس على سبيل المثال، إلى الولايات المتحدة وتصريحاته في تكساس، حيث أدلى ضمنها بوضوح استعداده لتقديم خدماته في إدارة الرأسمالية. ولكان قد لاحظ تصريح تسيبراس قبل انتخابات عام 2015، و حتى منذ عام 2014، عندما أدلى قائلًا: «من أعماق قلبي، أصرح بأن اليونان تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي». ولكان قد لاحظ أيضًا، احتفالات اتحادات رجال الأعمال والولايات المتحدة، وروابطها الوثيقة مع كوادر سيريزا».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد