بعد احتفاظها بالمرتبة الأولى لثماني سنوات متتالية، واصلت الجنسية الفرنسية تربعها على رأس قائمة أفضل الجنسيات في العالم لعام 2019، ونالت درجة 83.5% من 100%، طبقًا لمؤشر «كالين وكوشينوف لجودة الجنسية» (QNI)، وهو تصنيف يفاضل بين جميع الجنسيات في العالم.

يرتب مؤشر «كالين وكوشينوف لجودة الجنسية»، الذي تعده مؤسسة «هنلي آند بارتنرز Henley & Partners»، أفضل جنسيات العالم، من حيث قيمة حامل الجنسية داخل بلده وخارجها، بحسب عوامل داخلية هي التنمية البشرية والازدهار الاقتصادي والاستقرار والسلام، وخارجية تتوقف على حرية السفر والقدرة على الاستقرار في الخارج بدون عوائق.

وبحسب ترتيب المؤشر الذي يشمل 168 دولة، تقدمت فرنسا والجنسية الفرنسية بـ0.07% عن كل من ألمانيا وهولندا اللتين اشتركتا في المرتبة الثانية على المؤشر بنسبة 82.8%، وعلى قائمة العشر الأوائل لعام 2019، احتلت الدنمارك المرتبة الثالثة بدرجة 81.7%، وجاءت كل من النرويج والسويد في المرتبة الرابعة بـ81.5%. فيما احتلت كل من أيسلندا وفنلندا وإيطاليا والمملكة المتحدة وأيرلندا وإسبانيا المراكز من الخامس إلى العاشر على التوالي.

وداعًا للعصر الألماني.. كيف أصبحت فرنسا الحصان الأسود لاقتصاد أوروبا؟

شارك في وضع القائمة كل من الدكتور «ديمتري كوشينوف» بروفيسور القانون الدستوري الأوروبي في جامعة جرونينجن ومؤلف كتاب الجنسية «Citizenship» و«كريستيان كالين» رئيس مجلس إدارة هنلي آند بارتنرز ومؤلف كتاب الجنسية عن طريق الاستثمار.

ومن بين العوامل التي يستند إليها ترتيب الدول على المؤشر، يلفت «كوشينوف» و«كيلين» إلى أن حرية السفر والاستقرار في دول أخرى هي أبرز العوامل التي تجعل جنسية دولة ما ذات قيمة.

هذا التركيز على عامل حرية السفر والتنقل هو ما جعل الدول الأوروبية تحتل المراكز الأولى على المؤشر، ولذلك كان أفضل 32 دولة وفق المؤشر هي دول الاتحاد الأوروبي ورابطة التجارة الحرة الأوروبية؛ نظرًا للميزة التي يوفرها الحصول على جواز سفر أوروبي بحرية التنقل والسفر والإقامة المسموح بها بين الدول الأعضاء، وأنه إذا كانت البلد التي تقطن فيها تواجه خطرًا، فيمكنك الانتقال إلى مكان قريب في وقت سريع.

ونتيجة لهذا التركيز على حرية التنقل والإقامة، جاء تصنيف جنسيات أفقر دول الاتحاد الأوروبي في مرتبة أعلى من جنسيات دول أخرى أكثر تقدمًا، فمثلا احتلت الجنسية اليونانية مرتبة أعلى من نظيرتها الأسترالية، وذلك بسبب أن أستراليا، رغم كونها أكثر ثراء واستقرارًا من اليونان، إلا أن جواز السفر الأسترالي لا يسمح لصاحبه بالسفر دون تأشيره إلا لعدد أقل من البلدان التي توفرها الجنسية اليونانية لأصحابها.

ميزة الجنسية الفرنسية.. نقطة سوداء في تاريخها

غير أن ما يلفت الانتباه هنا هو تلك الميزة التي منحت فرنسا والجنسية الفرنسية نقطة تفوق على باقي الدول الأوروبية، وجعلتها تتقدَّم على دول مثل ألمانيا وهولندا بفارق ضئيل لتحتل المركز الأول، هي في الوقت ذاته تعتبر نقطة سوداء تذكر بتاريخ دموي واستعماري لعبته فرنسا على مدار عقود طويلة وراح ضحيته ملايين القتلى والمصابين والمفقودين.

هذه الميزة تتمثل في أن فرنسا والجنسية الفرنسية توفر لمواطنيها إمكانية السفر والتنقل وحرية الإقامة في مستعمراتها السابقة، والحصول على تأشيرات سفر مجانية لهذه الدول؛ التي وقعت يومًا تحت احتلال الإمبراطورية العسكرية الفرنسية، التي كانت تنتهج سياسة احتلال الدول الضعيفة، وتنهب خيراتها وثرواتها وتستخدمها لصالح قوتها الاقتصادية والسياسية، وليس لصالح سكان البلد الأصليين.

هذا الأمر يدعو للنظر بريبة في دوافع وتداعيات حرية الفرنسيين وإقامتهم داخل هذه «المستعمرات القديمة»، وتمتعهم بمزايا ربما لا يتمتع بها سكان هذه الدول أنفسهم، وماذا يفعل الفرنسيون الذين يفضلون الإقامة في هذه الدول الأفريقية عن الإقامة في بلدهم الأوروبي.

هناك نقطة أخرى دفعت في اتجاه تقدم الجنسية الفرنسية على غيرها، وهي: أن جواز السفر الفرنسي يمنح صاحبه الحق في قائمة انتظارٍ أقصر، وإمكانية الوصول إلى قائمة انتظار القادمين من أو إلى الاتحاد الأوروبي، والتي عادة ما تكون أسرع بكثير من «الجنسيات الأخرى»، وتجعل الفرنسيين يتقدمون على غيرهم في صفوف إنهاء تعاملات السفر في المطارات وغيرها، لكن مرة أخرى ما يعتبره الفرنسيون ميزة، يراه كثيرون «عنصرية» ربما تثير مشاحنات وجدالًا بين صفوف المسافرين.

ماذا يفعل الفرنسيون في أفريقيا؟

حاجة فرنسا لأفريقيا كحاجة الإنسان إلى الطعام والشراب؛ هذه الحقيقة ظهرت يومًا على لسان الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، الذي أعلن في عام 2008 أنه «بدون أفريقيا.. فإن فرنسا سوف تنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث»، واعترف في لقاء مصور بأنه «يجب الاعتراف بأن نسبة كبيرة من الأموال الموجودة في حافظة نقودنا مصدرها تحديدًا هو الاستغلال لقارة أفريقيا لعدة قرون». 

ومن قبل شيراك، أعلن «فرانسوا ميتيران» أنه «بدون أفريقيا، فإن فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين»، ومن بعدهما أعلن فرانسوا هولاند أن «فرنسا، مع أوروبا، تود أن تكون أكثر مشاركة في تحديد مصير أفريقيا»، أي أن بلاده ما زالت تسعى للتحكم في مصير الأفارقة لوقت أطول، رغم ما تسببت فيه من كوارث -في نظر قطاع عريض من المؤرخين- للقارة السمراء على مدار قرون.

ووفقًا لهذه السياسة المتوارثة على أعلى المستويات، لا تزال فرنسا تواصل استخدام قدر كبير من النفوذ على الدول التي كانت تحتلها سابقًا، حتى وإن كانت قد نالت استقلالها نظريًا، وذلك عبر وكلاء أو موظفين فرنسيين كبار يعملون في مؤسسات دبلوماسية أو شركات دولية تمتص خيرات هذه الدول.

ومنذ عام 1945 أنشأت فرنسا نظامًا ماليًّا تتحكم من خلاله باقتصاد الدول التي تحتلها وكان أهم وسيلة لذلك هو «الفرنك الأفريقي – CFA» الذي يخدم مصالح باريس الاقتصادية والسياسية، وله أهمية حيوية بالنسبة للشركات الفرنسية الدولية التي تمارس أنشطة تجارية في أفريقيا.

مترجم: 14 دولة أفريقية ملزمة بدفع ضرائب لفرنسا

هناك أيضًا حاجة ماسة لباريس للتواجد المكثف في أفريقيا، يتمثل في: اعتماد فرنسا المفرط على المصادر الأفريقية لتوريد المواد الخام الرخيصة إليها. لذلك كان الهدف الرئيس لفرنسا في سياستها مع القارة الأفريقية هو توفير الوصول الحر والمستمر للمواد الخام «الاستراتيجية» التي تعد ذات أهمية حيوية للصناعات الفرنسية، وعلى سبيل المثال، تستورد فرنسا معظم احتياجاتها من اليورانيوم من النيجر والجابون وجمهورية أفريقيا الوسطى.

إضافة إلى ذلك، فإن المواد الخام مثل المغنيسيوم والفوسفات والكروم، الموجودة في البلدان الأفريقية، هي أيضًا مهمة في صناعة الأسلحة الفرنسية وغيرها من الصناعات الأخرى، ولتأمين الحصول على تلك المواد بشكل منتظم تعمل فرنسا بشتى السبل على توفير حماية أصحاب الجنسية الفرنسية الذين يعملون في تلك البلدان وحرية تنقلهم وإقامتهم، من أجل الوصول إلى الأسواق والمصادر الطبيعية الموجودة بها.

«ذبابة تمتص دماء أفريقيا».. هكذا تعتبر فرنسا سببًا في إفقار القارة السمراء

هذه الحقائق يدركها الفرنسيون والأفارقة على السواء، وحتى الأوروبيين باتوا يقرأون هذه السياسات على حقيقتها ويقرون بها في لحظات خصوماتهم مع باريس، ويدركون أن فرنسا هي سبب رئيس من  أسباب انتشار الفقر في أفريقيا، وهو ما جاء صراحة على لسان نائب رئيس وزراء إيطاليا لويجي دي مايو الذي قال في يناير (كانون الثاني) الماضي إن «فرنسا هي ذبابة أخرى تمتص دماء أفريقيا».

كلمات «دي مايو» الصريحة جاءت في سياق تحميل فرنسا مسؤولية موجات الهجرة من أفريقيا، حيث أوضح المسؤول الإيطالي أنه «إذا وُجد أناس يهربون من بلدانهم، فهذا يعود لكون بعض البلدان الأوروبية ـ لا سيما فرنسا ـ لم تكف أبدًا عن استعمار أفريقيا». وطالب السياسي الإيطالي بأن يعاقب الاتحاد الأوروبي فرنسا لأنها تدفع الأفارقة إلى الفقر.

في مقابل حرية الفرنسي في التجول بأفريقيا.. عنصرية فرنسا تجاه الجاليات الأفريقية

وفي مقابل امتصاص فرنسا لثروات أفريقيا وتمتع الفرنسيين بحرية الحركة والتنقل والإقامة في بلدان القارة السمراء، فإنها تعامل الأفارقة الموجودين على أراضيها بشيء من الازدراء وكثير من الانتهاكات التي تصل إلى حد القتل على الهوية.

ولطالما نفت باريس الاتهامات الموجهة إليها بممارسة سياسة عنصرية ضد المهاجرين وأحفادهم الذين وُلدوا في فرنسا، ولكن الواقع هناك يقول إن العنف الشرطي هو أحد المؤشرات الأكثر وضوحًا على هذه العنصرية ضد الجاليات ذات الأصول المهاجرة، وخاصة من أبناء أفريقيا.  

وفي حوار بعنوان «عدوانية الشرطة تزداد ثلاثة أضعاف عندما يكون الأشخاص الذين يخضعون للتفتيش من غير البيض»، نقلت مجلة «نوفيل أوبسرفاتور» الفرنسية في 10 فبراير (شباط) 2017 عن عالم الاجتماع الفرنسي «سيباستيان روشي» قوله إن ظاهرة انعدام الثقة وعداء الشرطة تجاه سكان المناطق الفقيرة والأقليات يعد جزءًا من ظاهرة العنصرية والعنف في المجتمع الفرنسي.

ويضيف «روشي» قوله: «لاحظت عبر دراسات إحصائية عديدة وموثوقة، أن هذا العداء المتكرر للأقليات من قبل الشرطة أمر حقيقي في فرنسا، وهو معروف للجميع، ولكن لا يتحرك أحد من السلطات للحد من هذه الظاهرة، لا أدري لماذا. إنه لغز حقيقي».

ودعا عالم الاجتماع الفرنسي إلى إعادة تأهيل ضباط وأفراد الشرطة وخاصة صغار السن لمكافحة التمييز الواضح جدًا في تصرفاتهم. مضيفًا إن «استطلاعاتنا تعاملت مع 22 ألف مراهق على مدار 10 سنوات، وكنا نقوم بمتابعتهم طوال الوقت، وقارنا فرنسا بألمانيا، حيث لا تتصرف الشرطة هناك على هذا النحو. من الواجب على الشرطة الفرنسية أن تفعل خلاف هذه التصرفات».

هذا الواقع، يشير إليه أيضًا وزير العدل الفرنسي الأسبق جاك توبون، في دراسة حديثة يستنكر فيها «الاستهداف غير المتكافئ» للشبان السود والعرب، لافتًا إلى أن نسبة 16% من أصحاب الجنسية الفرنسية من البيض المُستطلعة آرائهم يقولون إنّهم خضعوا للتفتيش مرة واحدة على الأقل في السنوات الخمس الماضية، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 80% لدى الشبان السود أو ذوي الأصول المغاربية.

هذا الواقع الذي تعيشه الجاليات الأفريقية في فرنسا دفع الكثيرين للمشاركة في «مسيرة الكرامة» التي جابت شوارع باريس في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ونظمتها عائلات ضحايا العنف الشرطي الذي يودي بحياة كثير من الأبرياء، وجاءت المسيرة في الذكرى العاشرة لمقتل شابين في «كليشي سو بوا» بضواحي باريس وأدت وقتها إلى اندلاع أعمال شغب استمرت ثلاثة أسابيع في كل أنحاء فرنسا، اعتبرت الأسوأ في تاريخ الضواحي التي يعيش فيها معظم المهاجرين من أفريقيا.

هذه المسيرة اعتبرها كثيرون امتدادًا لفعاليات حركات النضال السياسي التي تشكلت في الثمانينيات من قبل ناشطين أفارقة وحقوقيين، مثل «المسيرة من أجل المساواة وضد العنصرية» و«حركة الهجرة والضواحي» وشعارها الشهير «لا سلام بلا عدالة».

واللافت هنا أن فداحة الانتهاكات الشرطية أخذت تتفاقم تدريجيًا بمرور الوقت بسبب إفلات عناصر الشرطة من العدالة بشكل شبه منهجي وخاصة المتورطين في قضايا قتل وانتهاكات ضد المهاجرين في الضواحي والمناطق الشعبية الفرنسية.

بعد عام من «السترات الصفراء».. هل تستطيع الحركة خلق عقد اجتماعي جديد بفرنسا؟

15 حالة وفاة سنويًّا بسبب عنصرية الشرطة الفرنسية

في إحصائية مثيرة، وثقت حركة «شرطتنا تقتل» (Urgence. notre police assassine) مئات القتلى والجرحى الذين سقطوا برصاص الشرطة الفرنسية وتحت التعذيب والإهمال في مقرات الشرطة بشكل لا يختلف عما يرتكب في البلاد التي تحكم من قبل عسكريين ومستبدين في العالم الثالث، والفارق الوحيد أنها ها هنا موجهة ضد طائفة واحدة من المجتمع.

هذه الحركة التي أسستها «أمل بنتونسي» بعد وفاة أخيها الأعزل نتيجة إطلاق الشرطة النار عليه من الخلف عام 2012، تقول: «نحن نحصي 15 حالة وفاة سنويًا» وتضيف أن «هناك شعورًا بالازدراء إزاء سكان الأحياء الشعبية، حيث إن المضايقات التي يتعرض لها سكان الأحياء الشعبية من السود والعرب والروم وحتى البيض والإهانات التي يعانون منها باتت تشكل جزءًا من حياتهم اليومية».

عنصرية فرنسية متأصلة تاريخيًّا

كيف يمكن لفرنسا إذًا أن تبرر هذا التناقض الصارخ بين ما تمنحه من حرية وامتيازات لأصحاب الجنسية الفرنسية في أراضي مستعمراتها السابقة، التي يفترض أنها قد نالت استقلالها، وبين التضييق الذي يصل إلى حد العداء الذي تمارسه تجاه أبناء هذه المستعمرات الذين اضطروا للهجرة إلى فرنسا بشكل أو بآخر؟

للإجابة عن هذا السؤال يمكن التفتيش في تاريخ فرنسا، لتجد أنه خلال الجمهورية الثالثة (بين 1870 و1940)، طبّقت باريس استثناءات في القانون تشرّع التمييز المؤسسي ضدّ من أتى به «الاستعمار» إلى فرنسا آنذاك، ومن ثم ضدّ أبنائهم وأحفادهم الذي وجدوا أنفسهم في أحضان فرنسا وشعاراتها المرفوعة بالحرية وحقوق الإنسان.

ولفهم أعمق لأسباب العنصرية في فرنسا، يجب العودة إلى تاريخ تجارة الرقيق التي كانت تمارسها باريس، وجرائم الاستعمار، و«قانون الأهالي» أو ما عُرف فرنسيًا بقانون «الأنديجينا»، الذي فرضته فرنسا في عام 1881 وهو عبارة عن كم هائل من الإجراءات العقابية المسلطة على الفرد والجماعة، إذ يحتوي على مواد تحد من حق سكان المستعمرات الفرنسية، وخاصة في الجزائر، في امتلاك الأراضي، وحرمهم من التمتع بالحريات المدنية والسياسية، ووصف بأنّه «الوجه الآخر لقانون العنصرية ضد السود».

هذه الانتهاكات الفرنسية بحق الأفارقة على أراضيها، مقابل تمتع الفرنسيين بكل المميزات التي تمكنهم من الاستحواذ على ثروات أفريقيا، تكشف وجهًا آخر تخفيه المؤشرات العالمية التي تتحدث عن أفضلية الجنسية الفرنسية. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد