قبل 200 عام على الأقل، أنشئ جهاز الاستخبارات العسكري الروسي الحديث إبان حروب نابليون، ولكنه اكتسب صورته القوية المخيفة في العصر الشيوعي؛ إذ أصبح الـ«كي جي بي» أو «KGB» وهو جهاز الشرطة السرية السوفيتي، مرادفًا لأشباح السوفيت الذين يتسللون إلى أروقة أعداء النظام في الخارج ويتخلصون من المعارضين في الداخل. 

لكن هذا الجهاز الذي كان مختصًّا بتولي العمليات السرية في الداخل والخارج الروسي وأصبح مهابًا بين الجميع، لم ينجُ أعضاؤه من تلقي مصير المعارضين ذاته إذا فشلوا في تأدية مهامهم أو أصبحوا يمثلون تهديدًا محتملًا للسلطة الروسية، وفي السطور التالية نتناول سويًّا جزءًا مهمًّا من تاريخ الشرطة السرية الروسية عندما عمد الجهاز للتخلص من رؤسائه السابقين تحت بند «أعداء الشعب».

تاريخ موجز لوكالة «الشرطة السرية الروسية»

في أعقاب «الثورة البلشفية» أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917، احتاج فلاديمير لينين – رئيس الاتحاد السوفيتي المشكل حديثًا – إلى طريقة لإبقاء الأمور تحت السيطرة. حينها أسس «Cheka»، وهي اختصار لـ«لجنة الطوارئ الروسية لمكافحة الثورة المضادة والتخريب»، والتي أصبحت نموذجًا لما سيعرف فيما بعد باسم «الشرطة السرية».

خلال الحرب الأهلية الروسية في 1918-1920، كانت لجنة الطوارئ مسؤولة عن اعتقال وتعذيب وإعدام آلاف المواطنين ممن عُدُّوا أعداءً للثورة البلشفية، وهو ما جعل اللجنة تتقن نظام الإعدامات السريع بإجراءات موجزة، وهو الأسلوب الذي استخدمته فيما بعد وكالات الاستخبارات الروسية اللاحقة، بما في ذلك نظام ستالين؛ إذ كان النظام يتخلص من معارضيه عن طريق طلقة واحدة في مؤخرة الرأس، وعادةً ما يكون ذلك في قبوٍ مظلم.

لعبت أجهزة المخابرات دورًا مركزيًّا في روسيا السوفيتية، إذ أصبحت الشرطة السرية السوفيتية «Cheka» – والتي عُرفت فيما بعد باسم «NKVD وKGB» – «سيفًا ودرعًا» للحزب الشيوعي؛ فهي درع للدفاع عن الثورة الروسية، وسيف يضرب خصومها من وجهة نظر السلطة، وبعد وفاة جوزيف ستالين، تحول اسم الجهاز إلى «كي جي بي» في 13 مارس (آذار) 1954، وذلك حين أسس الزعيم الشيوعي نيكيتا خروتشوف جهاز المخابرات السوفيتية رسميًّا.

Embed from Getty Images

(أعضاء الشرطة السرية – الاتحاد السوفيتي)

على الرغم من سمعته المخيفة في الغرب، كان جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) أكثر فاعلية في ضبط الأمن في الاتحاد السوفيتي والدول التابعة لأوروبا الشرقية، أكثر من إثارة الثورة في أوروبا الغربية، أو سرقة الأسرار العسكرية من الولايات المتحدة.

ففي الشؤون الداخلية، استخدم النظام الجهاز للسيطرة على الشعب واجتثاث المعارضين، وفقًا لما يراه النظام مناسبًا، لذا فقد أصبحت الشرطة السرية مرادفًا للقمع والتعذيب؛ إذ اشتهرت بالقسوة وإلصاق تهم مثل «عدو الشعب» بالمنشقين عن الحزب الشيوعي ذريعةً للتخلص منهم، كما كانت الأداة التي قاد بها ستالين حملات التطهير والإعدامات الجماعية في فترة حكمه.

عمل 16 رجلًا على التوالي رئيسًا لجهاز الأمن حتى زوال الاتحاد السوفيتي عام 1991، وبينما توفي مديرها الأول، دزيرجينسكي، من جرَّاء موت طبيعي، كما حدث لخليفته، أعدم الخمسة التالين الذين خدموا بين عامي 1936 و1951، بوصفهم أعداءً للشعب.

«إرهاب الشرطة السرية».. عصر ستالين

في عام 1934 تحت قيادة ستالين اتخذت الشرطة السرية اسمًا جديدًا، هو «NKVD»، وقد أصبحت الوكالة المسؤولة أمام موسكو عن ولاء السكان المحليين. قادت الشرطة السرية تحت لواء جوزيف ستالين أعظم حملة قمع في التاريخ الأوروبي الحديث؛ إذ أراد هذا الديكتاتور السيطرة الكاملة على مقاليد الأمور تأكيدًا لهيمنته المطلقة، وعُرفت تلك الفترة باسم «الإرهاب العظيم»، وهو الإرهاب الذي مارسته الشرطة على الشعب إبان الثلاثينيات من القرن الماضي، وقضى نتيجته ملايين الأبرياء نحبهم.

كان لعصر الإرهاب جانب سري؛ فإلى جانب العمليات العلنية التي أدانت خلالها المحاكمات عشرات الآلاف من المواطنين، كان هناك عمليات سرية فاق عدد ضحاياها عدد الضحايا العلنيين؛ إذ قادت العمليات السرية حملات اعتقال لحوالي مليون و600 ألف شخص في غضون أشهر قليلة، أُعدم ما يقرب من نصفهم، وحُكم على البقية بالسجن لمدد طويلة بتهمة «جرائم معادية للثورة»؛ إذ كان هدف الجهاز القضاء إلى الأبد على الأشخاص الذين عدهم ستالين ومستشاروه الأمنيون ضارين في المجتمع السوفيتي.

بحلول الوقت الذي انتهى فيه عصر الإرهاب العظيم، وبعدما استتبت الأمور للزعيم السوفيتي، كان ستالين قد أخضع جميع أفراد المجتمع السوفيتي لرقابة صارمة، إلا أنه واجه مشكلة أخرى، ما الذي يفعله بالجلادين؟ هؤلاء ممن ساعدوه على قمع الشعب. نتناول منهم أشهر ثلاثة إعدامات وفي مقدمتهم، رئيس جهاز الشرطة السرية في عصر القمع، نيكولاي يزوف.

هكذا تخلصت الشرطة السرية الروسية من رجالها الثقات

إعدام نيكولاي يزوف.. ذراع ستالين اليمنى

في عام 1936، عين ستالين نيكولاي يزوف رئيسًا لوكالة «NKVD»، وفي السنوات التالية سيصبح اسم يزوف مرادفًا للتعذيب بين السكان الروسيين، حتى إنهم استخدموا جملة «من عمل يزوف» دلالة على القسوة والعنف، ومن خلال يزوف تمكن ستالين من إدارة موجتين للاعتقالات الجماعية، العلنية منها والسرية. في العلن، حوكم عشرات الآلاف من المواطنين بوصفهم «أعداءً للشعب»، وكثير منهم كانوا أعضاءً سابقين في النخب السياسية والثقافية والعلمية السوفيتية. 

ألصقت بمعارضي السلطة تهم التجسس والتخريب، ونتيجة لذلك أدينوا وحكم عليهم بالإعدام أو السجن؛ إذ أظهرت المحاكمات الصورية للجمهور كيف كان أعداؤه يطوقون حدود الاتحاد السوفيتي ويتسللون إلى مجالسه، ومن ثم ينبغي للجميع الحذر من أدنى علامات للخيانة.

(نيكولاي يزوف – المصدر Spartacus Educational)

عندما وضع ستالين نهاية لفترة الإرهاب العظيم، أوائل عام 1938، واجه مشكلة أخرى، ماذا يجب أن يفعل مع جلاديه؟ أغلبهم يعرف أكثر من اللازم، وأيديهم غارقة في الدماء، وحينها تحول يزوف من رجل ثقة لدى ستالين، يوكل إليه بالمهام الصعبة إلى عبء يرغب الزعيم الروسي في التخلص منه.

في أبريل (نيسان) من العام نفسه، أحضر ستالين لافرينتي بيريا من جورجيا إلى موسكو وعينه نائبًا ليزوف، وفي الأشهر التالية، نُقل رجال يزوف تدريجيًّا من وكالة «NKVD»، في الوقت الذي أحضر فيه بيريا رجاله معه تمهيدًا للتخلص من رجال يزوف وجلاديه. 

في ذلك الوقت وجد يزوف نفسه معزولًا؛ إذ جرى تخفيض رتبته من رئيس الشرطة السرية إلى منصب أقل أهمية وهو وزير النقل المائي، قبل أن يُلقى القبض عليه في أبريل 1939 بتهمة تنظيم ثورة مضادة، وقد حكم عليه بالإعدام في فبراير (شباط) 1940، وفي الوقت نفسه، أخذ بيريا مكانه في رئاسة الشرطة السرية، وقاد بنفسه حملة التخلص من رجال يزوف بعدما أمر بالقبض على ما يقرب من ألف ضابط من وكالة الشرطة السرية، من بينهم معظم الرؤساء الإقليميين.

إعدام «مهندس الرعب» السادي في عصر ستالين.. لافرينتي بيريا

عرف لافرينتي بيريا بـ«مهندس الرعب»، وهو من قاد وكالة «NKVD» بعد التخلص من خلفه يزوف بإطلاق النار عليه بأوامر من ستالين، واستمر بيريا في قيادة نشاطات الشرطة السرية السوفيتية في عصر ستالين، من بينها معسكرات العمل والمعتقلات، وقد اشتهر بحسه السادي في التعذيب، كما عرف عنه اغتصاب النساء والفتيات الصغيرات.

بحلول وفاة ستالين عام 1953، أصبح بيريا أكثر الشخصيات المكروهة في البلاد، إلا أنه تمكن من التوصل لتفاهم مع الرئيس السوفيتي والحليف القديم جورجي مالينكوف، ليبقى في منصبه، كما أضيفت إليها مهام أخرى مثل الشرطة النظامية، وقيادة وحدة صغيرة في جيش المشاة.

جعلت تلك السلطات بيريا مهابًا ومخيفًا في نفوس الناس أكثر من ستالين نفسه في عصره، بحسب تعبير بعض الباحثين؛ مما جعل المسؤولين، حتى المقربين منه، يرغبون في التخلص منه؛ إذ بدأ تطهير الجهاز السوفيتي من هؤلاء الذين عارضوه شخصيًّا، كما استخدم سلطاته لإطاحة بعض المسؤولين المحليين المهمين؛ مما جعله يشكل خطرًا على طريقة القيادة التي أسست لعصر ما بعد ستالين.

جاء سقوط بيريا الفعلي على يد نيكيتا خروتشوف، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي؛ إذ تمكن خروتشوف من حصد موافقات الجنرالات والشخصيات القوية في الحزب الحاكم، ومن بينها موافقة الرئيس مالينكوف على إقالة بيريا، بعدها تمكنوا من اعتقاله، وحرصت اللجنة المركزية لمحاكمة بيريا على التأكد من محاكمة قائد الشرطة على وجه السرعة وإدانته وإعدامه بأقصى قدر من الانضباط القانوني.

(وثائقي عن إعدام بيريا)

أعلنت اللجنة أن بيريا وستة متواطئين معه، كانوا يتآمرون لسنوات عديدة للاستيلاء على السلطة في الاتحاد السوفيتي من أجل استعادة الرأسمالية؛ بتشجيع من وكالات الاستخبارات الأجنبية، وهي التهمة التي استخدموها ذريعة لحكم الإعدام.

شكلت محكمة خاصة من أجل لافرينتي بيريا، ولم يُسمح للمتهمين فيها بأي دفاع أو استئناف، وعندما صدر حكم الإعدام، سقط بيريا على الأرض وتوسل على ركبتيه من أجل الرحمة، والرحمة هي الصفة التي لم يظهرها يومًا للآخرين، ومن ثم لم تمنح له حين احتاجها. وبعد المحاكمة اقتيد هو ورفاقه وأعدموا على الفور رميًا بالرصاص.

إعدام ميركولوف نيكولايفيتش

كان ميركولوف نيكولايفيتش من رجال الاتحاد السوفيتي الثقات؛ إذ كان مفوضًا شعبيًّا لأمن الدولة من عام 1941 وحتى عام 1946، ومن أوائل الثلاثينيات فصاعدًا، تبع ميركولوف لافرينتي بيريا الذي أصبح فيما بعد كاتب خطاباته ونائبه. 

في أواخر عام 1931، عندما تولى بيريا منصب السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الجورجي، أصبح ميركولوف مساعدًا له – قبل ذلك كان رئيسًا لعدة إدارات في اللجنة المركزية الجورجية بين عامي 1929 و1931.

عندما أصبح بيريا النائب الأول لمفوض الشعب عن وحدة الاستخبارات الأجنبية عام 1938، انتقل ميركولوف معه للعمل في جهاز الشرطة السرية السوفيتي وأصبح رئيس قسم مكافحة التجسس في المديرية الرئيسية لأمن الدولة، وسرعان ما أصبح النائب الأول لبيريا. 

كان يُطلق على ميركولوف لقب «صاحب الوجه القاسي»؛ إذ بعدما أصبح شريكًا مقربًا من لافرنتي بيريا، عمل ميركولوف تحت إشراف رئيس وحدة الاستخبارات الأجنبية في «NKVD» عام 1938، وكان مسؤولًا عن عمل الجواسيس السوفيت في الولايات المتحدة الأمريكية. كما عرف عنه زرع عملاء داخل «مشروع مانهاتن الأمريكي» والذي اشتهر بتطوير الأسلحة النووية وإنتاجها.

تولى ميركولوف منصب مفوض الشعب لوكالة أمن الدولة السوفيتية مرتين، واحدة من فبراير (شباط) إلى يوليو (تموز) 1941، والثانية من أبريل (نيسان) 1943، كما أصبح النائب الأول لبيريا عندما جرى تفويضه عن وكالة «NKVD».

في عام 1946 شجبه ستالين من منصبه لعدم قدرته على مزاولة مهام أمن الدولة لفترة ما بعد الحرب. إذ فصل عن العمل وظلَّ عاطلًا حتى عام 1947 حين تمكن بمساعدة بيريا من أن يصبج مساعدًا لرئيس المديرية الرئيسية للممتلكات السوفيتية في الخارج، ومقرها في بودابست.

عاد ميركولوف إلى موسكو في أكتوبر 1950، عندما عُين وزيرًا للرقابة بمجلس السوفيت الأعلى لاتحاد الجمهورية الاشتراكية السوفيتية، وقد شغل هذا المنصب حتى 22 مايو (أيار) 1953، عندما أُجبر على أخذ إجازة طويلة استمرت لمدة أربعة أشهر، خضع خلالها للاستجواب بعد سقوط رئيسه السابق بيريا واعتقاله.

في تلك الفترة، قبض على ميركولوف في 18 سبتمبر (أيلول) 1953، وطردت عائلته من منزلهم الواقع في وسط المدينة للعيش في غرفة صغيرة بشقة مشتركة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1953، حُكم على ميركولوف بالإعدام ليُعدم جنبًا إلى جنب شريكه المقرب بيريا.

فنون

منذ 5 سنوات
«أعرف طريقًا واحدًا إلى الله»: قصة موسيقى هزمت جبروت ستالين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد