(1)

“ارتفعت رأس ريحانتي على خشبة المشنقة صباح اليوم بافتخار وشرف، لست أدري أنا مشتعلة غضبا أم حزنا، لست أدري أنا واجمة أم صابرة”

بهذه الكلمات تنهي الممثلة الإيرانية شعلة باكروان قصة نضالها الطويل من أجل إنقاذ ابنتها ريحانة من الإعدام. حملتها المستمرة منذ سبع سنوات وصل صداها إلى المنظمات العالمية ووكالات الأنباء الدولية وجعلت اسم ريحانة الأكثر ترددًا على الألسنة في إيران في أيامها الأخيرة.

بدأت القصة منذ سبع سنوات، ريحانة جباري الفتاة الإيرانية ذات التسعة عشر عاما آنذاك، اعتقلت بتهمة قتل مرتضى سربندي موظف المخابرات الإيراني السابق. قالت الفتاة أنه استدعاها لشقته لتأخذ القياسات اللازمة لعملها كمصممة ديكور، لكنه حاول الاعتداء عليها جنسيا بينما كانت معه في الشقة. رفضت المحكمة اعتبار الحالة بملابساتها دفاعا مشروعا عن النفس، لتحكم عليها بالإعدام طبقا لقانون القصاص المتبع في إيران كتطبيق للشريعة الإسلامية. سبع سنوات من الجدال القضائي والتشريعي والإنساني من أجل إنقاذ ريحانة من حبل المشنقة انتهت أخيرًا بشنقها فجر الرابع والعشرين من أكتوبر 2014 تاركة وراءها غضبا كبيرا وانتقادات كثيرة ومطالبات بمراجعات حقيقية للنصوص القانونية الإيرانية.

(2)

تصنف إيران عالميا على أنها إحدى  أكثر الدول إجراء لأحكام الإعدام في العالم، إذ يأتي ترتيبها بعد الصين مباشرة خاصة في الأعوام الأخيرة. الأرقام الرسمية – والتي يفترض محللون أنها بالضرورة أقل من الأرقام الحقيقية – تشير إلى إعدام 580 شخصًا عام 2012 مثلا، بينما نفذ حكم الإعدام خلال 37 عاما كاملة قضاها الشاه محمد رضا بهلوي على رأس البلاد، نفذ في 621 شخصا فقط بمعدل 16.8 شخصًا لكل عام، مما يظهر أن معدل الإعدامات تضاعف من 34 إلى 48 مرة بعد نجاح الثورة الإسلامية.

من الطبيعي إذا أن يثير العدد الكبير لأحكام الإعدام جدلا واسعًا كل عام، ومن الطبيعي أيضًا أن يتكرر تبني حملات كبيرة لإنقاذ بعض المحكوم عليهم من حبل المشنقة، خاصة حين يكونون أقل من 18 عاما، إذ لا تعترف الحكومة الإيرانية بحد الـ 18 عامًا كحد بين معاقبة الطفل والبالغ بل يعامل الذكور كبالغين إذا كانوا أكبر من 15 عاما والإناث إذا كن أكبر من 9 أعوام. الحملات لا تكون مجدية في الغالب حيث يتم عادةً تنفيذ الحكم بتجاهل تام لكل المناشدات الداخلية والخارجية. بل إن ثمة من يعتقد أن المتهم الذي تتحول قضيته إلى حالة إعلامية وسياسية تتزايد احتمالات شنقه، لرغبة الجمهورية الإسلامية في إظهار سيطرتها ورفضها للتدخل في شؤون البلاد الداخلية، وكذلك لمعارضتها الشديدة للمطالبات الدولية بإلغاء عقوبة الإعدام، ما تعتبره إيران مخالفة للشريعة الإسلامية. يمكن الإشارة في هذا الصدد لحالات شهيرة جدا مثل دلارا دارابي، شهلا جاهد وزهرا رهنما وجميعن تم إعدامهن ليثير عاصفة من الإدانة على نطاق واسع دوليا.

(3)

في قضايا القتل غالبا تكون التفاصيل محورية تماما، تلك التي لا تُروى أو تُروى بأشكال مختلفة ومحرفة يصعب تمييز الصحيح بينها، يقول محامي ريحانة أنها كانت تدافع عن شرفها، يقول الادعاء أن كون الطعنة جاءت من الخلف ينفي حالة الدفاع. يقول المحامي أن مسرح الجريمة مهيأ بما يثبت رغبة المقتول بإقامة علاقة جنسية مع ريحانة، يقول الادعاء أن الرغبة في إقامة علاقة جنسية أمر والرغبة في الاغتصاب أمر آخر، فمسرح الجريمة لم يشهد عنفا يثبت أنه حاول اغتصابها بعد أن رفضت طلبه بإقامة علاقة معه. يقول المحامي أن فتاة في التاسعة عشر من عمرها شعرت بالرعب من هول الموقف فلم تحسن التصرف وكان أول ما فكرت فيه هو طعن الرجل، يقول الادعاء أن السكين عثر عليها في حقيبة ريحانة مما يثبت أن نية القتل كانت مبيتة وأنها حاولت إخفاء جريمتها.

سبع سنوات من المداولات والجدالات عرضت فيها القضية على ثلاثة عشر قاضيا حكموا جميعا بلا استثناء بإعدام ريحانة، إذ فشل المحامون في إقناعهم جميعا بلا استثناء بأن ريحانة لم يكن أمامها خيار سوى قتل الرجل لتنقذ نفسها من الموقف.

(4)

يتعرض قانون القصاص في إيران لانتقادات واسعة ومتكررة، ليس فقط في حالة الإعدام بل في حالات أخرى مثل قصاص العين بالعين والأذن بالأذن مثلا والتي تعتبرها المنظمات الحقوقية غير إنسانية أيضا، في العام 2013 أثار حصول محسن مرتضوي على حكم بالقصاص لإحدى عينيه وأذنيه الذين فقدهما في شجار مع زميله، أثار جدالا قانونيا واسعا أيضا، إذ اعتبرت آلية تطبيق الحكم نفسها غير إنسانية، كما أثار سؤالا حول الإمكانية الطبية لإلحاق الضرر بعين المتهم مثلا بنفس مقدار الضرر الذي لحق  بعين المدعي بشكل يضمن أن لا تتأذى الأعضاء المجاورة للعين كالمخ أو العين الأخرى.

ينص قانون القصاص أيضا على أن المدعي ينفذ حكم القصاص بنفسه، فأهل المقتول مثلا هم من يسحبون الكرسي بأنفسهم من تحت قدمي القاتل ليتدلى مشنوقا. تشريع يعتبره الكثير من الحقوقيين حول العالم نوعا من إشعال الكراهية والتحريض على عدم التسامح بين أعضاء المجتمع وتحجيم لدور الدولة في إدارة الصراعات بشكل حكيم، بينما تدافع الحكومة الإيرانية عن التشريع باعتباره الأكثر تسكينا للمظلوم لأنه يأخذ حقه من المعتدي عليه بنفسه.

(5)

يتساءل مجتمع الإنترنت الإيراني بكثافة بعد إعدامها عن جدوى تداول القضايا المماثلة إعلاميًا، يصف عباس عبدي المدون الإيراني الحملات الإعلامية بأنها القاتل الأول لريحانة، إذ يرى أن هدف المنظمات في الأغلب هو أن تعدم ريحانة فعلا حتى يتم استغلال موتها سياسيا متسائلا كيف يمكن أن يحدث كل هذا التشويه لسمعة القتيل وأهله ثم يتوقع أحد أن يرضوا بأي شكل من أشكال الصلح؟

“لقد حولت المتهمة وأسرتها القضية إلى صراع سياسي، نشروا القصة على مواقع التواصل الاجتماعي وجمعوا التوقيعات من هذا وذاك، ربما لو لم يفعلوا هذا لكانت القضية سلكت مسلكا آخر” قاضي ملف ريحانة

بهذه الكلمات عبر قاضي ملف ريحانة عن استيائه الكبير من التداول الواسع لقصتها إعلاميا ومن محاولات الضغط على القضاء بالتركيز على كون القتيل عضو مخابرات سابق، الأمر الذي يجعل الحكم يبدو سياسيا. يؤكد القاضي على أن القضاء لا يحكم بما يرضي الشارع، واصفا حكمه بالمتجرد والنزيه طبقا لما هو متاح بين يديه من قوانين، فالقانون الإيراني في حالة كهذه يدور بين حالتين، إما أنها كانت في وضع لا يمكن الخلاص منه إلا بالقتل، فتبرأ ويفرج عنها، أو أنها كانت تستطيع الهرب دون قتل، فتدان ويحكم عليها بالإعدام، دون الأخذ في الحسبان تخفيف العقوبة حسب ملابسات القضية، وهو قانون يوصف كثيرا بأنه بحاجة إلى تعديلات تشريعية جذرية تضمن عدالة أكبر للمتهمين.

(6)

كان من الممكن ألا يتم تنفيذ حكم إعدام ريحانة في حالة واحدة وهي أن يعفو “أولياء الدم”. لهذا كانت المناشدات لا تتوقف لكي تصفح عائلة سربندي عن ريحانة. فنانون ومثقفون وحقوقيون إيرانيون بدأوا حملات فردية وجماعية لحض عائلة سربندي على العفو باسم الإنسانية، واعتبار ما عانته ريحانة في الأعوام السبع تكفيرا عما اقترفته. أصغر فرهادي المخرج الإيراني الحاصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2012 أعلن أنه سيطلق اسم يوم التسامح على اليوم الذي يعفو فيه ورثة سربندي عن قاتلته، وأنه سيخلد اسم عائلتهم للأبد.

وعدت والدة ريحانة أيضا بتخليد اسم سربندي بطريقتها، إذ أعلنت أنها ستبني مدارس ومؤسسات خيرية باسم سربندي، وأنها ستنشئ صندوقا باسمه أيضا لدعم أهالي كل مقتول كان يعيل أسرته، وأنها ستجعل ذكراه صفحة مضيئة في تاريخ إيران، لكن الورثة لم يبدوا أي لين أبدا، بل أعلنوا أن ريحانة لا يجب أن تتوقع عفوا إلا إذا تراجعت عن تصريحاتها بمحاولة القتيل الاعتداء عليها جنسيا. الأمر الذي رفضته ريحانة بدورها، قائلة أنها سترحل وتترك عائلة سربندي تواجه الفضيحة أمام المجتمع إلى الأبد. مطالبة والدتها أن تتوقف عن التوسل لعائلة القتيل كي يصفحوا عنها.

“إنني أرى حبل المشنقة يتراقص أمام عيني منذ سبع سنوات، لم أعد أخاف منه، وسأواجه موتي بشرف.” من إحدى رسائل ريحانة قبل إعدامها

(7)

رحلت ريحانة إذاً تاركة “ميراثا من الورق والكلمات” كما وصفته لوالدتها في رسالتها الأخيرة لها، كتاباتها الكثيرة التي تشرح فيها بالتفصيل ما حدث لها، مشاعرها في السجن، ما تعرضت له من ضرب وإهانات أثناء التحقيقات، حبسها مع مجرمات مخضرمات مرعبات لفتاة في التاسعة عشر من عمرها، تفتح الباب أمام جدل آخر بعد وفاتها عن حالة السجون الإيرانية وعن العذاب الذي يقضيه المحكوم بالإعدام طيلة سنوات حتى تنتهي مداولات القضية. أسدل تنفيذ الحكم الستار على حياة ريحانة، لكنه فتح الباب واسعا أمام جدل مجتمعي محتدم بين مؤيدي الإعدام ومعارضيه الذين لا يرون التشريعات الإيرانية قابلة للاستخدام في العصر الحديث. جدل لا يبدو أنه قد يقترب من الحسم قريبا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد