بعد استقرارٍ دام  – في مواجهة الدولار – نحو أربعة أشهر، عاد الجنيه المصري للهبوط مجددًا ليسجّل أدنى مستوى له خلال تلك الفترة، إذ تعد الأشهر الأربعة الماضية هي الفترة الأطول التي شهدت استقرارًا بسوق الصرف المصري بعد قرار الحكومة المصريّة تعويم الجنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة الماضية، حيث مرّ سعر الدولار في مصر بعدة محطات منذ بداية 2017، فهل يكون الهبوط هذه المرة هو بداية لموجة جديدة من انتعاش الدولار؟

بالنظر إلى الفترة التي تلت قرار تعويم الجنيه وحتى الآن، نجد أن قيمة العملة المصرية مرت بعدة مراحل، بدأت بالسقوط الحاد الذي سجله الجنيه عندما وصل إلى ما يقارب 19 جنيهًا للدولار بعد التعويم مباشرة، ثم استقر السعر مع بداية 2017 فوق 18 جنيهًا، ليعود مع بداية فبراير (شباط) الماضي للصعود إلى نحو 18.70 جنيه للدولار، لكنّ هذا الصعود بعد التعويم لم يستمر سوى أيام قليلة. وبعدها استقر الجنيه عند مستويات بين 18.05 و18.15 في مارس (آذار) الماضي، ثم عند 17.70 جنيهًا ببداية أغسطس (آب) واستقر عند هذا المستوى فترة طويلة، لتنتهي هذه الفترة بتراجع قيمته خلال الأسبوعين الماضيين.

اقرأ أيضًا: هل تتحكم الانتخابات الرئاسية القادمة بسعر الدولار في مصر؟

لماذا ارتفع سعر الدولار لأعلى سعر منذ 4 أشهر؟

غالبًا ما يرتفع سعر الدولار في مصر سنويًا في الشهر الأخير من كل سنة، وذلك لزيادة الطلب عليه. ومع ارتفاع الطلب على الدولار، فمن الطبيعي أن تنخفض قيمة الجنيه، خاصة أن مصر منذ تحرير سعر الصرف تعمل بسوق حر يتحكم به العرض والطلب، فيما يمكن تلخيص أسباب زيادة الطلب في هذا التوقيت في عدة نقاط وهي، أولًا: تحويل المستثمرين بالبورصة لأرباحهم خارج مصر في نهاية كل عام، ثانيًا: تحويل الشركات الأجنبية العاملة في مصر أرباحها السنوية لبلادها الأم، ثالثًا: قيام المستوردين بفتح الاعتمادات المستندية لعمليات استيراد العام القادم 2018، رابعًا: قيام الشركات بتغطية المراكز المالية المكشوفة بالنقد الأجنبي قبل موسم أعياد الميلاد ونهاية العام، الفترة التي تتزايد فيها العطلات الرسمية.

وكان الجنيه المصري قد تراجع بواقع 20 قرشًا مقابل الدولار خلال الأسبوعين الماضيين، إذ اقترب كثيرًا من حاجز الـ18 جنيهًا، بعد أن تم تداوله في البنوك ما بين 17.83 و17.98 جنيهًا للبيع مع بداية الأسبوع، وهو المستوى الذي لم يسجله منذ نهاية الأسبوع الأول من يوليو (تموز) الماضي، ويعد هذا الهبوط هو الأكبر خلال أربعة أشهر.

«الطلب أكثر من العرض»، هكذا يلخِّص المحللون سبب هبوط الجنيه أمام الدولار، وذلك قبل عطلة السوق الصيني، وهو سوق الاستيراد الأهم في البلاد. بينما يقول محمد عبد الحكيم، خبير أسواق المال ورئيس قسم البحوث لدى شركة (ماسترز) لتداول الأوراق المالية: «إن هناك عدة أسباب دفعت سعر الدولار للصعود حاليًا، إذ كان أولها: إزالة القيود على التحويلات بالعملات الأجنبية، وهو القرار الذي من شأنه رفع مستوى الطلب على الدولار، وبالتالي ارتفاع السعر».

وتابع عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «إن فارق التضخم بين مصر والولايات المتحدة يرفع السعر الحقيقي للدولار أمام الجنيه المصري، مشيرًا إلى أن الارتفاع طبيعي طالما سوق الصرف المصرية «حرة»، فالفارق لا يزال كبيرًا في مستويات التضخم بين البلدين، رغم تراجع التضخم المصري».

محللو المجموعة المالية «هيرميس»، يرجحون أن يكون تراجع قيمة الجنيه عائدًا إلى «تخفيف الأجانب لاستثماراتهم في أدوات الدَيْن الحكومية لجني الأرباح وإغلاق مراكزهم المالية قبل نهاية العام»، في الوقت الذي يؤكد خبراء «سي.آي كابيتال» لإدارة الأصول، أن «هناك تخارجًا للأجانب من أدوات الدين، ولذلك فإنّ وتيرة استثماراتهم الشهرية وصلت لأدنى مستوى ممكن في نوفمبر».

ربما تكون النسبة التي صعد بها الدولار مقابل الجنيه مؤخرًا لا تثير القلق كثيرًا، وذلك لأن العملة الخضراء سبق لها وأن سجلت ارتفاعات أكبر من ذلك بكثير في السّابق، ولكن ما قد يثير القلق هو استمرار وتيرة الصعود، فهل ستستمر موجة الصعود مع بداية العام الجديد 2018؟

5 أسباب ستقود سعر الدولار للصعود في 2018

يمكن التنبؤ بسهولة بأن الدولار في مصر يتجه للصعود خلال 2018، وذلك نظرًا إلى هذه المعطيات:

1. إلغاء القيود

في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) قرر طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري إلغاء سقف الإيداع والسحب بالعملة الأجنبية للمستوردين، إذ وضع بذلك نهاية لواحد من آخر القيود التي فُرضت على سوق الصرف منذ نحو سبع سنوات، وذلك عندما فرضت مصر قيودًا صارمة على حركة العملة الأجنبية، بعد تراجع موارد البلاد من العملة الأجنبية، مما اضطر المستوردين إلى الاعتماد على السوق السوداء للدولار.

ويدخل إلغاء القيود على حركة رؤوس الأموال ضمن الإصلاحات المتفق عليها ببرنامج قرض صندوق النقد الدولي الأخير لمصر. وإلغاء هذه القيود يعني حرية أكثر في تحويلات العملة إلى الخارج، وكذلك مساحة أوسع للمستوردين، ممّا يؤدّي إلى زيادة الطلب على الدولار، لذلك يُتوقّع ارتفاع سعره مع ظهور أثر هذا القرار خلال سنة 2018، وذلك بالرغم من أن القرار يشير إلى أن مصر تسير نحو التعافي الاقتصادي، بحسب ما يؤكد الخبراء.

2. الديون.. أكبر مأزق اقتصادي

تعتبر ديون مصر أكبر مأزق اقتصادي تمر به البلاد، خاصة بعد أن أعلن البنك المركزي المصري في يونيو (حزيران) الماضي، أنّ ديون البلاد قفزت بنهاية السنة المالية 2016 – 2017 بنحو 41% عن مديونيات العام المالي السابق. والمأزق الأكبر هو أن البلاد ملتزمة بسداد أكثر من 15% من ديونها الخارجية خلال 2018، وهو الأمر الذي يشكل ضغطًا كبيرًا على العملة المحلية، ويرفع من فرص ارتفاع الدولار في العام المقبل.

وتشير التقديرات إلى أن مصر ملتزمة بخطة سداد ما يبلغ 14 مليار دولار من أصل الدين والفائدة في 2018، إذ قفز الدين الخارجي من 55.8 مليار دولار العام الماضي، ليصل إلى 79 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. كما أظهر تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي المصري أنّ الديون قصيرة الأجل، تمثل نحو 39% من احتياطات النقد الأجنبي للبلاد، كما ارتفع الدين العام (الخارجي والمحلي) إلى 124.7% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2016/ 2017، مقابل 113.3% في العام المالي السابق له.

3. رفع الفائدة الأمريكية

يعتبر «سعر الفائدة» من محددات قوة العملة، وفي ظل التوقعات باتجاه البنك المركزي الأمريكي نحو رفع سعر الفائدة على الدولار بصورة متسارعة، فإنّ الطلب على الدولار سيرتفع، وهو ما سيكون أثره سلبيًا على الجنيه المصري. وبحسب خبراء مصرف «جولدمان ساكس» الأمريكي، فإنّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتجه لرفع أسعار الفائدة أربع مرات خلال 2018.

4. خفض الفائدة محليًا

تتزايد التوقعات بخفض «سعر الفائدة» في ظل الهبوط الكبير الذي سجله معدل التضخم في البلاد، إذ تراجع بنحو 5% في نوفمبر (تشرين الثاني) دفعه واحدة، وهي النسبة الأكبر التي تراجع بها معدل التضخم في مصر بعد مرور أكثر من عام على تعويم الجنيه، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتي تشير إلى تراجعه من 31.8%  في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى 26.7% نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

التضخم في مصر.

وتتوقع الحكومة المصرية تراجع معدل التضخم إلى 20% في فبراير (شباط) المقبل، ووصوله إلى ما بين 13 – 14% في أغسطس المقبل، وإذا تحققت توقعات الحكومة؛ فإن سعر الفائدة على العملة المصرية سيتراجع كثيرًا، وهو ما سيخفّض من جاذبية الجنيه ويرفع قيمة الدولار بالمقابل.

ومن المقرر أن تبحث لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، الخميس في 28 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، حيث يتوقع أن تقوم اللجنة بتخفيض أسعار الفائدة، بعد أن قررت في اجتماعها السابق تثبيتها عند 18.75% و19.75% على الإيداع والإقراض على التوالي.

5. توقعات تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين

في 10 ديسمبر الجاري، كشف وزير المالية المصري عمرو الجارحي، في تصريح لوكالة «رويترز»  إنّ: «استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية بلغت نحو 19 مليار دولار منذ تحرير سعر الصرف وحتى السادس من ديسمبر الجاري»، بينما توقع سابقًا أن تبلغ استثمارات الأجانب في أدوات الدين نحو 20 مليار دولار بنهاية 2017.

ويتوقع المحللون أن تتراجع مع بداية 2018، استثمارات الأجانب في أدوات الدين وهو الأمر الذي سيضعف الطلب على الجنيه المصري مما يجعله عرضة للهبوط، ووفقًا لتقرير نشرته وكالة «بلومبرج» منتصف أكتوبر الماضي، فقد تراجعت شهية المستثمرين الأجانب للاستثمار بأدوات الدين المصرية، إذ انخفض متوسط التدفقات الأجنبية لأدوات الدين بالجنيه المصري منذ أغسطس 2017 إلى نحو 2% في الأسبوع، وذلك مقارنة بـ8%.

استثمارات الأجانب بأدوات الدين المصرية – المصدر: «بلومبرج».

وكشف التقرير عن أن سبب هذا التراجع يرجع إلى التوقعات بانخفاض أسعار الفائدة عقب تراجع معدلات التضخم، ويشكل خروج هذه الأموال من السوق المصري خطرًا كبيرًا، إذ إن هذه الاستثمارات تمثل أكثر من 50%‏ من حجم الاحتياطي النقدي، ويعني خروجها أن الجنيه سيكون عرضة لهبوط حاد.

توقعات سعر الدولار في 2018

ترجح وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يرتفع سعر الدولار في مصر إلى 19.50 جنيهًا بنهاية 2018، وذلك خلال تقريرها عن الاقتصاد المصري الصادر مؤخرًا. بينما يرى تقرير حديث لشركة «فاروس» القابضة للاستثمارات المالية، أن الدولار سيستقر عند 18.6 جنيهًا للدولار في 2018، وتعتمد هذه التوقعات على نفس المعطيات المذكورة سابقًا. ولكن في ظل سيطرة البنوك الحكومية بشكل أو بآخر على سوق الصرف في البلاد؛ ربما يكون من الصعب وصول الدولار لمستوى توقعات «ستاندرد آند بورز»، إلا أن السعر في الغالب سيتراوح بين 18 إلى 19 جنيهًا على مدار العام.

مكتب صرافة في مصر.

لم نتحدّث في هذا التقرير عن متغيّر سياسيّ شديد الأهميّة في تحديد سعر الدّولار، فقد تحدثنا عنه في تقرير سابق منذ نحو خمسة أشهر بعنوان: «هل تتحكم الانتخابات الرئاسية القادمة بسعر الدولار في مصر؟»، إذ قال أحمد ذكر الله، الأكاديمي المصري، ورئيس قسم الاقتصاد في الجامعة العالمية للتجديد بتركيا، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن الدولار سيمر بمنحنى متدرج متقطع للتمويه، ولكنه سيستمر في التصاعد بعد تمرير الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في أبريل (نيسان) 2018 المقبل، على حد تعبيره. وفي حال افترضنا صحة هذا الرأي، فهذا سيدفعنا للحديث عن سعر الدولار في 2018 على شقين: الأول ما قبل الانتخابات، والثاني: ما بعد الانتخابات، إذ من المتوقع أن لا يشهد الدولار في مصر ارتفاعًا كبيرًا في النصف الأول من 2018، على أن يشهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال النصف الثاني من العام.

المصادر

تحميل المزيد