ما كشفته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أوائل الشهر الجاري عن الفساد داخل المنظومة العسكرية والسياسية والأمنية، عبر تصدير المعدات العسكرية للخارج من قبل جنرالات منحتهم مناصبهم استثمار ذلك؛ مهد الطريق إلى نشوب أزمة سياسية في إسرائيل.

لم يتوقف الأمر على كشف الصحيفة، بل سبقها تقريرٌ صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، منتصف الشهر الماضي؛ أن إسرائيل ضمن أكثر الدول التي تمرر صفقاتها على الصعيد الدولي من خلال دفع رشاوى لموظفين ومسئولين في دول مختلفة، دون رقيب وحسيب لها.

“ساسة بوست” استعرضت بداية كشف الأزمة، ومن يقف خلفها، وطبيعة الشركات المتورطة، فضلا عن كتمان المؤسسات الرسمية في إسرائيل الإعلان عنها، وغياب الرقابة، ومن الدول المستفيدة من عمليات التصدير العسكري.

1- كيف بدأت بوادر الأزمة السياسية داخل إسرائيل نتيجة الفساد العسكري والأمني؟

بدأت الأزمة حينما تأخر تعيين العميد الاحتياطي في الجيش الصهيوني “غال هيرش” مفتشًا عامًا للشرطة الإسرائيلية بتوصية من رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، وبدء الإجراءات الرقابية الروتينية في ذمته المالية.

إلا أنه تم الكشف ضمنًا عن جانب نادر من العالم الخفي والمظلم عمومًا لشركات إسرائيلية تعمل في مجال تجارة الأسلحة وتقديم الاستشارات الأمنية (المرتزقة)، ومنها شركة خاصة لرئيس الشرطة الإسرائيلية الجديد.

ورغم خضوع “غال هيرش” للتحقيق ومعرفة الجميع داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية أنه يحمل رخصة تصدير سلاح وخدمات أمنية من وزارة الجيش الإسرائيلية، بل وتبين أن الجيش لم يوقف صفقات التصدير الأمنية الخاصة به، عندما أعيد تعيينه في صفوف الجيش كنائب رئيس قيادة مستحدثة في الجيش الإسرائيلي عام 2012.

وبالتالي، فإن تأخير تعيينه؛ فتح الجدل واسعًا عن دور جنرالات الاحتياط الإسرائيليين في استغلال تجاربهم ومعارفهم بعد التقاعد فيما يخص تجارة السلاح وتجارة الخدمات الأمنية (المرتزقة).

إلى جانب نجاح إسرائيل في تحقيق نسبة مبيعات عسكرية مرتفعة نسبيا على الصعيد الدولي، وتحولها إلى إحدى أكبر الدول المصدرة للسلاح على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والصين، والبرازيل، وإيطاليا؛ بأرباح تقدر بقرابة 4.5 مليار دولار سنويًّا.

كل ذلك رفع الغطاء السياسي والأمني عن قضية الرشاوى والفساد المستشري بين جنرالات الجيش وأدوارهم في قيادة ورعاية أو تمرير صفقات بيع سلاح أو توريد مرتزقة من قرابة 22 شركة أمنية إسرائيلية للعالم، بخلاف 3 شركات سلاح حكومية إسرائيلية.

ثانيًا: ما طبيعة الجهات التي تقف خلف الفساد؟

من يقف خلف تفاقم الفساد العسكري والسياسي في إسرائيل هو عدد من شركات السلاح الخاصة والمرتزقة وعددها 22 شركة، وهو رقم غير معروف بالنظر إلى سرية عمل هذه الشركات، وأغلبها يواجه اتهامات مماثلة بالفساد، بالتزامن مع تعمد إسرائيل الإفصاح عنها، أو مراقبتها لالتقاء المصالح بينهما.

إضافة إلى جنرالات من الجيش الإسرائيلي، والسياسيين الذين لديهم قوة ونفوذ في صنع القرار، حيث يتم التوسط عند التصدير للخارج مع “سماسرة”، ورجال أعمال، لديهم خبرة في الدول المصدر إليها.

ومن أبرز هذه الشركات:

1-«مؤسسة الصناعات الجوية»: والتي تأسست العام 1945 لصيانة وإصلاح الطائرات المدنية والعسكرية الإسرائيلية، وهي مملوكة من قبل الدولة، وتعتبر حاليًا من أضخم المجمعات الصناعية في إسرائيل على الإطلاق.

ويعمل فيها أكثر من 25 ألف عامل وفني، وتقوم بتصدير 60٪ من منتجاتها إلى الخارج والباقي لمصلحة المؤسسة العسكرية المحلية، ويبلغ متوسط دخلها السنوي نحو ملياري دولار.

2-«مؤسسة الصناعات العسكرية الإسرائيلية»: وهي تتبع وزارة الحرب، وبدأت أعمالها بتصنيع الأسلحة الخفيفة والذخائر الخاصة بها، ويعمل فيها نحو 15 ألف عامل وتصل مبيعاتها إلى مليار دولار سنويًا.

3-«هيئة تطوير الوسائل القتالية – رفائيل»: وهي تتبع وزارة الجيش، وهدفها الأساسي القيام بالأبحاث وتطوير وسائل قتالية جديدة اعتمادًا على التكنولوجيا المتطورة، ووضع الخطط والبرامج المختلفة الخاصة بتطوير وسائل وتقنيات تبرز الحاجة إليها مع الوقت.

4- «شركة أحواض السفن الإسرائيلية»: وهي شركة حكومية مركزها حيفا ويعمل فيها نحو ألف عامل، وتمارس أنشطة مدنية وعسكرية منها بناء السفن وزوارق الصواريخ وسفن إنزال الدبابات والصواريخ سطح- سطح من طراز “غابريال”.

5- «شركة سولتام»: وهي إحدى شركات مجمع «كور» الصناعي التابع للهستدروت، وتنتج مدافع الهاون بأنواعها بالتعاون مع شركة تابيلا في فنلندا، بالإضافة إلى مدافع الميدان من عيار 155 ملم.

6- «شركة تاديران»: وتنقسم ملكيتها بين وزارة الدفاع ومجمع كور، وتنتج البطاريات الجافة والأجهزة اللاسلكية وأجهزة الاتصال ومعدات التشويش والطائرات من دون طيار.

7- «شركة بيت شيميش»: وتقوم بإنتاج المحركات النفاثة الخاصة بطائرات كفير وفانتوم 4 وسوبر فريلون.

ثالثا: لماذا تتكتم المؤسسة الرسمية عن تصدير السلاح وعقد الصفقات؟

يعود أحد أسباب السرية وتمرير الصفقات والفساد إلى مقدار عائدات الصفقات الهائل الذي تراوح في الأعوام الأخيرة بين 6.5 مليارات دولار و7.5 مليارات دولار في السنة، بحسب “هآرتس”، ما وضع إسرائيل في قائمة أكبر خمس دول مصدرة للأسلحة في العالم.

وبالتالي تتكتم الحكومة والمسؤولون في الجيش عن الإفصاح، لاستفادتهم إما عبر إقامة علاقات وطيدة مع دول أفريقية وأوروبية غالبًا، فضلا عن الأرباح الهائلة التي تجنيها ومستثمروها حيال ذلك.

ويمنع القانون نشر أسماء العاملين في مجال التصدير الأمني، علمًا أن الحديث عن شخصيات معروفة وأسماء معروفة في كل بيت في البلاد، بينهم ضباط كبار في الجيش سابقون أو خارج الجيش مؤقتا، ومسؤولون سياسيون سابقون، ولكن الغالبية هم من كبار الجنرالات في الجيش.

حيث لا أحد يجرؤ على مراقبة الجنرالات السابقين، وأنه بإمكان أي جنرال أن ينهي المسألة عن طريق الهاتف مع وزارة الأمن، كما أنه بالإمكان تحقيق أرباح من التصدير الأمني بدون استصدار تراخيص، وذلك عن طريق الوساطة أو السمسرة.

وتعترف العديد من التقارير الإسرائيلية بأن الرشاوى والفساد هي طريق أساسي في إتمام صفقات السلاح، خاصة في الدول الأفريقية ودول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، وعلى مر السنوات تمت إدانة عشرات من تجار السلاح الإسرائيليين بتنفيذ صفقات غير شرعية ومشبوهة.

رابعًا: إلى من تصدر إسرائيل سلاحها العسكري؟

تصدر إسرائيل السلاح لـ130 دولة، ومن ضمنها دول خاصة لا يوجد لإسرائيل أية علاقات معلنة معها، أو حتى معلومات بشأنها خشية التسبب بالحرج، وبالتالي منها دول يحظر تزويدها بالسلاح من قبل مجلس الأمن.

وبشكل عام فإن علاقات إسرائيل مع دول كثيرة في العالم تتمحور في الغالب حول التصدير الأمني، فسفريات وزير الخارجية الإسرائيلي السابق “أفيغدور ليبرمان” إلى أفريقيا، عامي 2009 و2014 ضمت ممثلين من شركات الأسلحة الكبرى في البلاد.

ففي أفريقيا باعت إسرائيل السلاح لكل من كينيا وجنوب أفريقيا وزائير وأثيوبيا وأريتريا وغانا وأوغندا وسيراليون والمغرب، وفي آسيا باعت أسلحتها لكل من الصين والهند وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايوان وسيريلانكا وكوريا الجنوبية وتايلاند والفلبين.

وفي أوروبا، باعت أسلحة لكل من سويسرا وألمانيا الغربية وهولندا وفرنسا وبلجيكا واليونان وإيطاليا والسويد، كما شملت مبيعاتها في الأمريكتين؛ الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين والبرازيل والمكسيك والسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا وكولومبيا وغواتيمالا وفنزويلا.

والجدير ذكره أنّ تحوُّل إسرائيل إلى دولة عظمى في التصدير الأمني، ناجم عن قرار حكومي في أعقاب حرب تشرين 1973 حيث حصلت أزمة كبيرة في العملة الأجنبية، وأزمة في السلاح والذخيرة، ونفدت كل مخازن الطوارئ.

وعندها اتخذت الحكومة قرارًا بتطوير الصناعات الأمنية حتى لا تكون مرتبطة بدول أخرى، ويكون لديها خطوط إنتاج في حال اندلاع حرب أخرى، وفي الوقت نفسه بهدف بيع هذه الأسلحة خارج البلاد.

 خامسًا: ماذا تجني إسرائيل من وراء التصدير؟

وتشير الأرقام إلى أنه منذ العام 2008 تضاعف حجم التصدير الأمني من 3 مليارات إلى 8 مليار دولار، حيث بعد الحرب العدوانية على قطاع غزة التي أطلق عليها ‘الرصاص المصبوب’، في كانون 2008 – 2009 حصلت قفزة في مبيعات السلاح.

وفي حين ساعدت صفقاتُ الأسلحة إسرائيلَ في إقامة علاقات غير رسمية والدفع بمصالح كثيرة مع دول وفي مناطق واسعة في العالم، فإنها بدأت تواجه مشكلة إبقاء هذه الصفقات طي الكتمان.

وأصبحت اليوم المداخيل الإسرائيلية، من بيع السلاح والخبرات الأمنية وتدريب القوات الأجنبية؛ بندًا رئيسيًا في ميزانية الأمن الإسرائيلية، إذ يصل حجم المبيعات التي تباع رسميًا عبر وزارة الأمن نحو 6.5 مليارات دولار منها 4 مليارات من بيع أسلحة لدول جنوب شرق آسيا، ومليار دولار لكل من الولايات المتحدة وكندا، و700 مليون لأوروبا و220 مليونًا للدول الأفريقية.

وتحتل إسرائيل المرتبة الرابعة عالميًا في تصدير الأسلحة، وفي التقديرات الرسمية السادسة عالميًا، بنسبة تقارب 10% من سوق السلاح حسبما هو معلن، وحققت خلال السنوات الماضية طفرة كبيرة في هذا المجال، بتوسيع دائرة انتشار تجارتها بشكل علني عبر عقود تصادق عليها وزارة الدفاع الإسرائيلية، ويشرف عليها جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، وفقًا لموقع “سبوتنيك”.

 

المصادر

تحميل المزيد