المتعارف عليه أن دولة الاحتلال الإسرائيلي منذإعلانهاعام 1948 لا تحظى باعتراف السعودية، والتي تعتبرها عدوة لها، لكنهما تتشاركان في رؤية واحدة، وهي الحد من السماح لإيران التوسع ضمن برنامجها النووي داخل منطقة الشرق الأوسط.

منذ إنشائها عام 1948 وللآن، لم تحظ إسرائيل بعد باعترافٍ رسمي من قبل المملكة العربية السعودية، وإن كان الاثنان قد اشتركا في بعض الأهداف: كالحد من السماح لإيران، بالتوسع في برنامجها النووي، وفي نفوذها عامةً في الشرق الأوسط.

خلال الأعوام القليلة الماضية، خرجت عدة تقارير استخباراتية أمريكية، تكشف عن تعاون عسكري سري بين البلدين، حتى إنّ بعض الكتاب الإسرائيليين، أشاروا إلى أن العلاقات بين البلدين، مع سريتها، إلا أنها قوية.

المحلل والمحرر السياسي لصحيفة معاريف الإسرائيلية، بنكسبيت، كان قد كتب مقالًا مطولًا يتساءل فيه عن مدى التعاون بين تل أبيب والرياض، قبل أن يُؤكد اطلاعه على ما يثبت وجود تعاون وثيق بين الدولتين، بخاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، وتحديدًا قبيل توقيع اتفاقه بأسابيع قليلة.

ومن بين ما جاء في المقال الذي نشره موقع «المونيتور» الأمريكي العام الماضي، «والحق أنه، وإلى اليوم، جهات دبلوماسية رفيعة المستوى، تعتقد أن إسرائيل تنسق خطواتها مع السعودية، ليس من قبيل الصدفة أنهم يرفضون الدخول في حوار مع الأمريكيين، وفي المقابل يقوم ملك السعودية بعملية علنية محرجة، ويقول «لا» للرئيس الأمريكي، في إشارة إلى أن المسيرة الإسرائيلية تدعم نظيرتها السعودية والعكس».

تسلسل العلاقة

قد يكون إعلان وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة «تسيبي ليفني»، عن أن المواقف بين إسرائيل والرياض، في عدد من قضايا المنطقة، تسير وفقًا لرؤية مشتركة بينهما؛ يعني أن التنسيق وصل إلى أبعاد أخرى أكثر من وحدة الموقف من إيران وملفها النووي.

على مرة عقود، دعمت السعودية الحق الفلسطيني في السيادة، مُطالبة بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية، وغيرها من الأراضي المحتلة عام 1967، إلا أنّه في عام 2002، اقترح العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز مبادرة السلام العربية، التي اشترطت إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا، على حدود 1967، وعودة اللاجئين، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع علاقات الدول العربية مع إسرائيل.

وزير الخارجية السعودي: عادل الجبير

ويُشار إلى أنّه، بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، قطعت السعودية علاقاتها معها، وقادت حملة التنديد العربية باتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، قبل أن تعود العلاقات بين البلدين، عام 1987.

الشاهد في الأمر، عدم وجود أية علاقات دبلوماسية معلنة، أو اتفاقات موقعة بين إسرائيل والسعودية، الأمر الذي يجعل صناع القرار الإسرائيلي ينفون بين لحظة وأخرى، التنسيق بين الجانبين في إطار أي مجال.

في مؤتمر«هرتسيليا»، عام 2014، وهو الحدث السنوي الأهم على الصعيدين الأمني والاستراتيجي في إسرائيل، والذي يحضره عدد من العسكريين والأمنيين الإسرائيليين، والسياسيين والخبراء الأجانب، وأحيانًاالعرب؛ خلص بجملة من التوصيات، كانت أولها مطالب إسرائيل: تعزيز علاقتها الإقليمية الحالية، بأكبر قدر ممكن، مع دول أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط.

في حين، أن إسرائيل يلزمها أيضًا في المجال الاستراتيجي، إقامة علاقات رسمية أو غير رسمية مع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، من مدخل مبادرة السلام العربية، واعتبارها ركيزة أساسية في التوجه نحو الدول العربية لتشكيل مجال استراتيجي مشترك.

مواجهة النفوذ الإيراني

يتضح من خلال التقارير المتواترة عبر الصحف العربية وغير العربية، أن الحديث عن التقاء المصالح في العلاقات بين إسرائيل والسعودية، يأتي في سياق مواجهة التغلغل الإيراني في المنطقة، ووضع حد له.

لكن دول مجلس التعاون الخليجي لديها رؤيتها في الحفاظ على مستوى معين، من التنسيق مع إسرائيل، إذ تقوم علاقات لا بأس بها بينهما، باستثناء السعودية، التي كانت علاقتها مرهونة بانفراج حقيقي في العملية السياسية بين إسرائيل وفلسطين.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، خرجت التصريحات السعودية واضحة وصريحة على لسان إمبراطور المال السعودي الوليد بن طلال، مطالبًا السعودية بمراجعة مواقفهاالسياسية، ووضع استراتيجية جديدة
لمقارعة التأثير الإيراني المتعاظم، في دول الخليج، من خلال عقد معاهدة دفاع مشترك مع تل أبيب.

لفت حينها ابن طلال إلى ضرورة «تصليب» العلاقة مع إسرائيل، وتشكيل جبهة موحدة لإعاقة أجندة إيران الطموحة، مع الأخذ بعين الاعتبار، تحقيق تسوية مؤقتة، والتي تحول دون اندفاع السياسة السعودية ضمن الصراع العربي الإسرائيلي الجاري حتى اللحظة.

وقبل أيام، أعلن ابن طلال، عن فخره بأن يكون أول سفير سعودي لإسرائيلي، لأجل العمل مع «تل أبيب«؛ لردع الأجندة الإيرانية في المنطقة، حتى سارع بعض صناع القرار الإسرائيلي التعقيب على ذلك بقولهم: «نحن سعداء جدًا، أن نرى اليوم، أن التغييرات العقلية العربية والدول العربية، لا يعتبرون إسرائيل عدوًا لهم بعدالآن، يجب أن نعمل بجد لمحو ذكريات مريرة من الماضي، ومساعدة الدول العربية على تطوير وتبني الديمقراطية».

مذكرة تفاهم سرية

التسلسل السابق لفهم طبيعة العلاقة بين السعودية وإسرائيل، جاء بعد تسريب وثائق تفرد بها الموقع الأمريكي «أمريكان هيرالد تريبيون«، والذي كشف عن أسماء قادة في الجيش السعودي شاركوا في تدريبات سرية مع إسرائيل؛ لإدارة قوات عسكرية مشتركة في البحرالأحمر.

ولفت الموقع ضمن الوثائق المسربة، إلى وجود تعاون بين السعودية والحكومة الإسرائيلية، في صورة برامج تدريبية عسكرية، وتعاون عسكري مشترك، وإدارة للمناطق الحساسة في الشرق الأوسط.

من قوات الجيش السعودي

وأفصح الموقع عن أسماء لكبار الضباط في الجيش السعودي، المشاركين في التدريبات، وهم «محمد بن عبد الله الزهراني، ومحمد بن عبد الله ربيع، ووليد بن عبد الرحمن العبيدي«. وقد جاءت التدريبات ضمن مذكرة تفاهم بين الجانبين، وُقّع عليها عام 2014.

مذكرة التفاهم، تزامن وقتها مع حديث العديد من وسائل الإعلام، عن تطور في العلاقة بين البلدين، قبل أن يُكشف عن تعاون عسكري مُشترك بينهما في مياه البحر الأحمر. ومن بين نصوص الاتفاقية، كما يفصل الموقع الأمريكي، أن تقوم الرياض وتل أبيب بإدارة الممرات الحساسة، مثل مضيق باب المندب، وخليج عدن وقناة السويس، وكذلك الدول المطلة على البحر الأحمر، واستخدام جزيرة تيران، كمركز لعملية مشتركة بين تل أبيب والرياض في البحرالأحمر.

رفض سعودي وصمت إسرائيلي

وفي أول تعقيب سعودي على الخبر المتداول، والتأكد من صحته، هاتف «ساسة بوست«، ضابط المُخابرات السعودية السابق، والمُستشار السابق لمجلس الوزراء السعودي، «أنور عشقي»، لينفي كل ما جاء في الموقع الأمريكي، مُؤكدًا أن نفي السعودية الرسمي، سيخرج بعد أيام قليلة.

وقال عشقي: «أنا أنظر إلى أن هذه الأخبار غيرصحيحة ومفبركة، والسعودية لا يمكن أن تطبع مع إسرائيل، ما لم تلتزم الأخيرة بسحب قواتها من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والموافقة على المبادرة العربية».

ويرى عشقي أن مثل هذه الوثائق، هدفها إضعاف دور السعودية. «ما تفعله المملكة في المنطقة حاليا من دور ريادي لم يرق للأمريكيين والإيرانيين معا»، على حد تعبيره.

تدريبات عسكرية إسرائيلية على الأراض الفلسطينية المحتلة

يُكذّب عشقي، المحسوب على دوائر صنع القرار السعودي؛ لقربه منها، الأسماء المعلنة للضباط السعوديين المشاركين في التدريب العسكري، مُتهمًا إيران بالوقوف خلف هذه الأخبار، بخاصة بعد نجاح السعودية في إعادة ترسيم حدودها مع مصر.

تشديد أنور عشقي على نفي وجود أي تدريبات عسكرية بين ضباط سعوديين وآخرين إسرائيليين، في البحر الأحمر، خلال الآونة الأخيرة، دفع «ساسة بوست»، إلى إجراء اتصال هاتفي مع الصحافي والمحلل السياسي الإسرائيلي، «إيلي نيسان»، والذي لم يستغرب مثل هذه الأخبار «لوجود علاقات بالفعل بين السعودية وإسرائيل»، إلا أنه يُرجح أن تتجاهل كل من إسرائيل والسعودية الحديث عن الأمر، أو حتى الرد عليه.

يبدو إذًا أنّ السر في عدم الإعلان عن صحة الوثائق المسربة، يعود إلى عدم وجود علاقات رسمية من أي مستوى بينهما، فضلًا عن الالتزام الرسمي للسعودي بالقضية الفلسطينية، وما يتعلق كذلك بالمبادرة العربية، وتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كشرط لإقامة علاقات رسمية.

وذكر الصحافي الإسرائيلي، أن خروج الوثائق للعلن، يشير إلى وجود قاسم مشترك بين الدول العربية، أو السعودية تحديدًا، وتل أبيب، وذلك بما يتعلق بالتعاون المشترك ضد النفوذ الإيراني، بخاصة مع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى.

وأضاف نيسان: «أنا غير متفاجئ من هذه الأخبار؛ لأن تأكيد وزير الخارجية السعودي عادل الجبيرـالتزام السعودية بكل الاتفاقات الدولية التي أبرمتها مصر بشأن الجزيرتين، ومنها اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين القاهرة وتل أبيب، يعني أن العلاقات بدأت تأخذ طابعًا آخر».

ويُشار هنا إلى أن هذه الوثائق، تأتي في ضوء اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية بشأن جزيرتي صنافير وتيران، بعدما كانت محل نزاع لعشرات السنين؛ كونها تعد حدودًا فاصلة بين الإمبراطورية العثمانية ومصر،التي كانت تحتلها بريطانيا.

فضلًا عن أنها كانت تحت السيادة المصرية منذ خمسينات القرن الماضي، فيما عدا الفترة التي أعقبت حرب ١٩٦٧ مع إسرائيل، ثم استعادتهما مصر، بعد اتفاقية كامب ديفيد، في عام ١٩٨٢.

لذلك، فإنه من خلال تغطية الصحف الإسرائيلية، كان هناك قبولًا إسرائيليًا مبدئيًا تجاه الاتفاقية، بخاصة وأنها لا تستلزم إجراء تعديلات في معاهدة السلام.

كان من اللافت أيضًا تأكيد عدد من الصحف الإسرائيلية اطلاع الحكومة الإسرائيلية على الاتفاقية، قبل إبرامها بين مصر والسعودية بأسبوعين، في إشارة إلى طبيعة العلاقة السرية بين تل أبيب والرياض.

المختص في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد لم يفاجأ هو الأخر بما نشره الموقع الأمريكي، قائلًا:«وجود مثل هذه التسريبات، إن كانت صحيحة أصلًا، فإنها تكشف عن الكثير من التناقضات الجارية بين دول المنطقة وإسرائيل، وإن كانت دقيقة فإن جهازًا أمنيًا قويًا على اطلاع كامل بهذه التفاصيل».

ووفقًا لشديد، في حديث الخاص مع «ساسة بوست»، فإن الوثائق تكشف عن اختراق منظومة أمنية كبيرة، تعرفها كل من إسرائيل وأمريكا والسعودية ومصر، وبالتالي لا أحد ينكر في الوقت الحالي، أن السعودية لم تعد ترى تل أبيب عدوها الرئيس بل إيران، على حد قوله.

وأضاف: «في السياسةالدولية، يمكن أن نرى أسوأ التحالفات لتنسيق أهداف سياسية، وفقًا للمصلحة الشخصية، وهذا ما بدا واضحًا في العلاقات بينهما، بخاصة أن دولة الاحتلال لم تعد اليوم العدو للدول العربية، بل أصبحت لاعبًا رئيسًا في المنطقة، تحدد دور كل دولة من حيث ضعفها وقوتها، بما يتوافق مع مصلحتها أولًا».

ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي أنه من مصلحة الاحتلال استثمار التناقضات العربية وتوظيفها لخدمته، عبر بناء تحالفات بينه وبين دول المنطقة العربية وفقًا لمصلحته، مردفًا «الزيارات الأخيرة لبعض ضباط المخابرات السعودية إلى دولة الاحتلال، وإجراء العديد من اللقاءات بينهما تكشف عن سر العلاقة بينهما، ووجود الكثير من التناقضات في المواقف السعودية تجاه إسرائيل».

ويعتقد أنه من الطبيعي جدًا أن ترفض السعودية كل ما جاء في الموقع الأمريكي؛ لعدم وجود أي اتفاق رسمي بينهما، مستدركًا: «تطورات السنوات الأخيرة والاتفاق الأمريكي مع إيران، عمق التناقضات داخل المنطقة العربية، وظهور تحالفات جديدة، وبالتالي فمن غير مستبعد وجود علاقات بين الاحتلال والمملكة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد