لا يخفى على أحد أن سقوط صنعاء في الأيام القليلة الماضية في يد جماعة “الحوثيين” بعد أن أحكموا قبضتهم على معظم المقرات الحكومية، حمل في طياته دلالات كثيرة على المستويات العربية والإقليمية وحتى الدولية، لا سيما ما كانت تحكمها المصالح.

وضمن ساعات حاسمة، وقعت العاصمة اليمنية في قبضة وكلاء المشروع الإيراني في المنطقة العربية، بالتزامن مع حالة الصمت العربي والدولي حول ما يجري، حتى إنها أعادت للأذهان مشهد سقوط العاصمة العراقية بغداد في أيدي الاحتلال الأمريكي.

وكأن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا بعد سقوط صنعاء؟، ومن هي الدولة أو الدول التي ستدخل في صراع سياسي وطائفي جديد بعدها؟، وهل فتح سقوط العاصمة اليمنية الباب أمام المتخاصمين في العالم لمراجعة حساباتهم؟، وكيف تنظر تلك الدول لما جرى لصنعاء؟!

ويرى المحلل العسكري اليمني العميد المتقاعد محسن خصروف أن “الغزو العسكري لليمن” وفق تسميته، سيفتح الباب لإشعال الحروب الأهلية والمذهبية في كل مناطق اليمن في معبر، وتعز، وآب، والحديدة، وباقي المحافظات اليمنية بدون استثناء، ويفتح أيضًا ملف حصار السبعين، والذي نفذّه الإماميّون الشيعة عام 1967، ليعود الجمهوريون من كلّ أصقاع اليمن للتوحد مرة أخرى، والدفاع مرة أخرى عن صنعاء في مواجهة المخطط الإقليمي الدولي الدائر حاليًا، متسائلاً: “أم أن المخطط سيستمر ويتشرذم اليمن؟”.

تجارب مسبقة

خارطة توضح أبرز المواقع التي سيطر عليها الحوثيون

وكأن مجريات الأمور تدار اليوم كما كانت في السابق، فقبل حوالي 54 عامًا، خاضت اليمن حربًا أهليّة دارت بين حكومة صنعاء “الجمهورية الجديدة” المدعومة من مصر “جمال عبد الناصر” ضد المسلحين من أنصار “المملكة المتوكلية اليمنية الزيدية” المدعومين أيضًا من المملكة العربية السعودية وبريطانيا.

وبعد سّت سنوات من الحرب الدامية، التي فقدت فيها مصر 26 ألفًا من جنودها (من 70 ألف جنديّ)، انتصرت الحكومة اليمنيّة، وانتهت الملكية الزيدية، وأعلنت الجمهورية في اليمن، ولكن بقي الوجود الزيدي منتشرًا على تخوم العاصمة وقرب الحدود مع السعودية التي هرب إليها الإمام الزيدي.

لكن، ثمة من يقول أنه في الوقت الحالي اختلفت الخطوط العريضة للصراع الدائر في اليمن، فالمتمرّدون الحوثيون “يتبعون المذهب الزيدي، وهناك قراءات تؤكد تحولهم للمذهب الإمامي الشيعي”، ويحتلّون صنعاء وسط توافق مشابه في المصالح بينهم وبين السعودية في الشمال، وتحالف مذهبي مع الإيرانيين، وانسجام مصالح مع أمريكا والغرب، والذي بدأ يتماهى مع الخطط الإقليمية لاحتواء ثورات الربيع العربي.

لذلك، لم يكن الدعم السعودي حينئذٍ للإمام “المتوكل” – كما يقرأه بعض المحللين- سوى مناكفة لعبد الناصر في ذلك الحين، ورفض للنفوذ المصري قرب حدود المملكة، ولذلك كانت حرب اليمن حربًا بالوكالة بين مصر وحلفائها والسعودية وحلفائها.

جملة التناقضات

اندلاع الاشتباكات في العاصمة اليمنية صنعاء

ويرى الكاتب اليمني عادل القاضي أنه مثلما كانت الحرب القديمة في اليمن تدور بالوكالة بين وكلاء لمصر والسعودية وبريطانيا، تحول الصراع مرة أخرى – خصوصًا بعد الثورة اليمنية والربيع العربي- إلى “حرب بالوكالة”، بين إيران وأمريكا والدول العربية المضادة للربيع العربي من جهة، وبين القوى الثورية والإسلامية وبعض قادة الأحزاب والجيش، ولكنهم انحازوا إلى الثورة الشعبية وقاموا بحمايتها.

صحيفة المونيتور الأمريكية قالت في تقرير لها تحت عنوان: “السعودية تبحث عن تحالفات يمنية لإخضاع الحوثيين”: “إن السعوديّة تحاول ترتيب الوضع السياسيّ في اليمن من جديد تحت لافتة المصالحة الوطنيّة، في الشكل الذي تطمح إليه، ولكنها سعت إلى بعض التناقضات”.

وذكرت أن من بين هذه التناقضات هي إضعاف الإخوان بعد اعترافها بالحوثيّين كقوّة محليّة، لكن ليس بالقوّة التي تقلق حدودها وحضورها داخل اليمن، والنتيجة حتّى الآن هي إضعاف الإخوان وصعوبة احتواء الحوثيّين الذين أصبحوا أقوى، وهو مشهد يلخّص الكثير حول مدى الدور السعوديّ المتراجع باستمرار في اليمن، وفق قولها.

وسبق هذا تقرير للكاتب البريطاني ديفيد هيرست في صحيفة الجارديان البريطانية نوفمبر 2013 الماضي، يؤكد فيه أنّ السعودية تدعم الحوثيين في اليمن؛ لضرب الإسلام السياسي في المنطقة، بما في ذلك حزب الإصلاح الإسلامي الذي تجد فيه السعودية خطرًا كبيرًا وجامحًا.

وبحسب هيرست، فإن «الحوثيين يتلقون دعمًا ماليًّا وعسكريًّا من السعودية، وحول سرّ استمرار الدعم السعودي للحوثيين رغم أنهم كانوا محسوبين على إيران، قال مصدر سعودي: “إن المملكة لا ترى في الحوثيين أو الشيعة أو حتى إيران خطرًا عليها، بقدر ما تعتبر أن الخطر هو الإخوان المسلمون في مصر، والتجمع اليمني للإصلاح في اليمن”.

تحقيق مكاسب

حتى الصحف الإيرانية لم تبعد كثيرًا عن تحليلات وآراء الكتاب في الصحف العالمية، لدرجة أن “صحيفة كيهان” الرسمية الإيرانية التي يملكها المرشد الإيراني علي خامنئي، أشارت في تحليل لها عن الوضع اليمني المتأزم، أنّه بعد اليمن ونجاح الثورة الإسلامية في صنعاء سوف يكون الدور المقبل على سقوط حكومة آل سعود، وتفكك هذه الدولة المفروضة على الحجاز بحسب تعبيرها.

وترى أيضًا أنّ دخول الحوثيين العاصمة كان معدًّا سابقًا وبتنسيق مع جهات إقليمية ودولية للحصول على مكاسب، مقابل ضرب الربيع العربي في اليمن، وإنهائه على غرار إنهاء الربيع العربي في مصر وسوريا، ومحاولة إنهائه في ليبيا حاليًا، وأن ما يجري ما هو سوى مشاريع إقليمية بأيادٍ يمنيّة لإزاحة جماعة الإخوان من المشهد، وكل طرف وجد ضالته عند الطرف الآخر، وأصبح القاسم المشترك واحدًا، بين إيران ودول الخليج.

حتى أن السعودية لم تعلن موقفًا رسميًّا يظهر حقيقية موقعها من تطورات المشهد اليمني المتسارعة وغير المفاجئة، لكنها تعتبر ما يجري من توقيع أنه ليس إلا موقفًا ضعيفًا من الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي أبرم صلحًا مع الحوثيين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد