عند سؤالك للحكام العرب عما قدموه للقضية الفلسطينية، لأخبروك عن التضحيات الجسيمة التي قدمتها بلدانهم لمساعدة الفلسطينيين. إلا أن التاريخ والواقع الحالي يشهدان – ليس فقط على تخاذل العرب– ولكن على الخيانة الرسمية العربية للقضية الفلسطينية. تمثل الحرب الحالية على غزة والدور المصري المريب في الوساطة بين حماس وإسرائيل مثالاً على ذلك.

يقول ديفيد ميلر الباحث في مركز ويلسن في واشنطن: “لم أشهد موقفًا كهذا من قبل، حيث لا تبدي العديد من الدول العربية أي امتعاض حول القتل والدمار في غزة ومحاولات تدمير حماس”.

يفسر ميلر الصمت العربي بربطه بكراهيتهم لحركات الإسلام السياسي التي تولى بعضها مقاليد السلطة – مثل الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس– في أعقاب الربيع العربي.

إن الخطر الذي تمثله حركات الإسلام السياسي التي لا تعتنق الفكر المتشدد مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، هو أنه يصعب التخلص منها ووصمها بالإرهاب. فعادة ما تبدو تلك الحركات أكثر ديمقراطية من العلمانيين والليبراليين والشيوعيين العرب.

جاءت الحرب الأخيرة على غزة في وقت يجري القضاء على حركات الإسلام السياسي في العديد من الدول العربية. فهي الحرب الإسرائيلية الأولى بعد الإطاحة بمحمد مرسي وهو أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًّا في 3 يوليو 2013.

بعد بداية عملية “الجرف الصامد” بمدة قصيرة، عرضت مصر هدنة مريبة بين الطرفين، لدرجة أن صحيفة التايمز وصفتها بالشاذة: “لقد فاجأت الحكومة المصرية حماس بعرضها اتفاق هدنة يلبي معظم مطالب إسرائيل، ويتجاهل تمامًا مطالب حماس”. لم يجر استشارة حماس حول ذلك الاتفاق، وقد علمت عنه عبر وسائل الإعلام. بينما رحب كل من بنيامين نتنياهو ومحمود عباس بالمبادرة.

لقد كانت العملية برمتها هزلية، وقد قصد منها إلقاء اللوم على حماس لرفضها وضع حد للصراع في غزة، ولإظهار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كأيقونة للسلام والاعتدال في المنطقة، والترويج له بوصفه الرجل القوي الذي سترغب الولايات المتحدة في التعامل معه.

إلا أن الأمر برمته فشل لسبب وحيد، وهو صمود المقاومة في غزة وتحميلها إسرائيل خسائر فادحة، وإشعال موجة تعاطف عالمية مع غزة.

إذا ربحت حماس المعركة في غزة، ستؤكد المقاومة صمودها أمام أقوى جيش في المنطقة وتحيله إلى نصر، وسيعاني نتنياهو من عواقب مريرة. وربما تعود العلاقات بين إيران وحماس إلى سابق عهدها، وسيتم إحياء فكرة “معسكر المقاومة”، وسيمثل نصر الإخوان المسلمين وهزيمة السيسي على المستوى الأخلاقي حدثًا استثنائيًّا.

لقد تشكل تحالف بين العديد من الدول العربية وإسرائيل لضمان إنهاء المقاومة في غزة، ليس كفكرة فقط، ولكن كمظاهر سياسية أيضًا.

إذا فشلت جولة المباحثات الأخيرة، فذلك لأن الطرف الذي يستضيفها يعتبر حماس منظمة إرهابية، وإذا تحققت مطالب المقاومة من رفع للحصار وافتتاح للميناء والمطار، فستفقد مصر نفوذًا كبيرًا على حماس والمقاومة والفلسطينيين عمومًا.

ما يزال بعض الحكام العرب يعلنون دعمهم القوي للفلسطينيين، إلا أن عملية “الجرف الصامد” فضحت بما لا يدع مجالاً للشك بأن هذا الدعم ليس إلا خطابات فارغة، حتى إن بعض الدول العربية يتمنى أن يرى إسرائيل وهي تسحق أي مقاومة في غزة، أو في غيرها من الأماكن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد