في 15 مارس (آذار) 2015، اختتم المؤتمر الاقتصادي المصري في شرم الشيخ، بآمال كبيرة ومشاعر تفاؤل بدت على الجهات الرسمية والإعلام المصري. لكن بعد مرور عام على مؤتمر شرم الشيخ ، تجاهل النظام المصري والإعلام المؤيد له الحديث عن نتائج المؤتمر، وسط تراجع مؤشرات الاقتصاد المصري.

أرقام ووعود في مؤتمر شرم الشيخ

«مصر تستيقظ»، عبارة ألقاها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة له خلال فعاليات مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، تلقفتها وسائل الإعلام المصري، لتتصدر «مانشتات» معظم الصحف المصرية الخاصة منها والحكومية.

كان التفاؤل كبيرًا، والحملة الإعلامية التي صاحبت فعاليات مؤتمر شرم الشيخ تمكنت بشكل ما أن تُظهر المؤتمر ناجحًا، مما دفع السيسي للتفكير في تكراره كل عام، عندما قال في كلمة له خلال فعاليات المؤتمر: «سنعقد المؤتمر الاقتصادي كل سنة مرة، وسيكون مؤتمرًا اقتصاديًّا لكل الدول اللي ظروفها صعبة، وهنشتغل من دلوقتي عشان نجهز للمؤتمر من دلوقتي»، ومر العام دون تدشين مؤتمر اقتصادي جديد.

مؤتمر شرم الشيخ

                              الصحف المصرية تجتمع على مانشيت «مصر تستيقظ»



وحول حصيلة مؤتمر شرم الشيخ الذي استمر لثلاثة أيام (13، 14، 15) مارس (آذار) 2015، فقد تباينت الأرقام وتضاربت بشكل لافت، حول حصيلته وحجم الاستثمارات الناتجة عنه، فأكثر المُتشائمين ذهب إلى أن الحصيلة تصل إلى 38.2 مليار دولار، وأكثر الأنباءِ تفاؤلًا، ذهب إلى أن الحصيلة تصل إلى 194 مليار دولار !

وبين الرقمين ظهرت أرقام متناقضة، تُفيد بأن الحصيلة 60 مليار دولار، بحسب رئيس الوزراء المصري السابق إبراهيم محلب، وأخرى ذهبت إلى 158 مليار دولار حصيلة اليوم الثاني للمؤتمر بحسب صحيفة اليوم السابع الداعمة للنظام. أما صحيفة الأهرام الحكومية، فوصل رقمها إلى 175.2 مليار دولار، لترفع صحيفة الوطن المُؤيدة للنظام ذلك الرقم وصولًا إلى 182 مليار دولار.

مشروع العاصمة الإدارية الجديدة

«عشر سنين إيه؟ أنا بتكلم بجد. لا لا. إحنا مبنعملش شُغلنا كدة. لا عشر سنين ولا سبع سنين أبدًا. أنا بتكلم بجد». هكذا رد السيسي مُنفعلًا على رجل الأعمال محمد العبار، رئيس شركة إعمار، المنوط بها تنفيذ مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، عندما قال إنّ المشروع سيستغرق عشر سنوات. وبعد رد السيسي، قال له رئيس إعمار: «اللي سيادتك تأمر بيه»، فرد السيسي: «من إمبارح (أمس)». وانتهى الحديث على أن العمل على المشروع سينتهي في أسرع وقت.

ويُعد مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الأكثر شهرة وتكلفة من بين مشروعات مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، إذ تبلغ تكلفة المشروع حوالي 45 مليار دولار . وكان من المتوقع أن يبدأ العمل في المشروع خلال 3 أشهر من المؤتمر الاقتصادي في فترة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات، على مساحة تُقدر بـ700 كليلو متر مربع، تضم برجًا أعلى من برج إيفل في باريس، ومطارًا أكبر من مطار «هيثرو» في لندن.

وبعدما وقعت مصر مذكرة تفاهم مع «العبار» لبناء العاصمة الإدارية بدأت الخلافات تظهر بعد ذلك التوقيع خلال العام الماضي، ليُحسم هذا الخلاف رسميًا وبشكل نهائي في 26 يناير (كانون الثاني) 2016، عندما أعلن العبار إنهاء الاتفاق المبدئي لـ«عدم التوصل لاتفاق يُرضي الطرفين». وبحسب تصريحات العبار آنذاك، فإن «الحكومة المصرية غيرت رأيها في بعض البنود ويحق لها ذلك لأن الاتفاق غير ملزم. لكن ذلك لا يعني أن عملنا في مصر متوقف، فالعمل جار ونعتزم التوسع في مصر».

ومع بداية ظهور الخلافات في العام الماضي أعلن وزير الإسكان المصري مُصطفى مدبولي، أنّ الشركة الصينية العامة للهندسة الإنشائية، ستنفذ جزءًا من المرحلة الأولى في المشروع، إلى جانب شركات محلية.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلن السيسي أن المرحلة الأولى من المشروع ستبدأ في يناير(كانون الثاني) 2016، وتنتهي بعد عامين. وفي 10 مارس (آذار) أعلنت مصر أن الشركة الصينية انتهت من تخطيط 12 وزارة المُزمع تنفيذ مقارها في العاصمة، لكن وإلى الآن، لم يُنفذ أي جزء من المشروع على الأرض، حتى أعلن وزير الإسكان المصري، أن البدء فيه سيكون مطلع ابريل.

مشاريع الطاقة والكهرباء بعد مؤتمر شرم الشيخ

من أهم القطاعات التي احتلت جانبًا كبيرًا من الاستثمارات المُعلنة للمؤتمر الاقتصادي هو قطاع الكهرباء، إذ تُشير تقارير صحافية مصرية إلى وصول حصيلة الاستثمار في ذلك القطاع وحده 42 مليار دولار. وبالفعل تمكنت الحكومة المصرية للوصول إلى مراحل مُتقدمة في حسم عدد من المشاريع، في الوقت الذي صاحب الغموض مستقبل عدد من المشاريع الأخرى.

 

في يونيو (حزيران) الماضي، أبرمت شركة سيمنز الألمانية أكبر تعاقد في تاريخ الشركة مع مصر، لإنشاء محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز والرياح، بلغت قيمتها ثمانية مليارات يورو، «ستزيد إنتاج الكهرباء بنسبة 50%»، وفقًا لسيمنز. وجاء ذلك التعاقد عقب إبرام أربع مذكرات تفاهم مبدئية في المؤتمر الاقتصادي. وشحنت سيمنز أول توربينات للمحطة الكهربائية الشهر الماضي.

وأفادت تقارير صحافية متخصصة، أن مصر تسعى للاقتراض بغية المساهمة في تمويل محطة رياح شركة سيمنز، وهنا نعود إلى ضخامة المبلغ الذي تكلفته مصر في الصفقة، وكانت أحد أبرز الانتقادات الموجهة للحكومة المصرية.

ورغم أنها صفقة من الممكن أن تُساهم في حل مشكلة الكهرباء في مصر مُستقبلًا، إلا أنّها تعرضت للنقد جراء ارتفاع أسعارها، بسبب إبرامها عن طريق الأمر المُباشر لا بالمناقصات، مما سيكلف البلاد حتمًا مزيدًا من الأعباء الاقتصادية مُستقبلًا. رئيس الشركة الألمانية نفسه، وصف الصفقة بـ«التي لا مثيل لها». وعلى كل حال فإنها أكبر صفقة في تاريخ الشركة، ولعلها في تاريخ مصر التي ستضيف إلى شبكة كهربائها العامة 16.4 جيجا وات.

إلغاء مشاريع وزارة التموين

بعدما وقعت وزارة التموين المصرية، اتفاقيتين بقيمة ستة مليارات دولار للمركز اللوجيستي لتجارة الحبوب والغلال بميناء دمياط، في المؤتمر الاقتصادي، تقلص الحديث عن تلك المشاريع لفترة طويلة، حتى حسم مسؤولون سابقون للوزارة أمر تلك المشاريع، بالتأكيد على أنها أُلغيت وتم استبدال المشروع اللوجيستي بمشروع مدينة الأثاث بدمياط.

وفي تصريح صحافي، في 13 مارس (آذار) 2016، قال نادر نور الدين، مستشار وزير التموين السابق، إنّ «مشروعات وزارة التموين المطروحة في مؤتمر القمة الاقتصادية بشرم الشيخ، سواء كان المركز اللوجيستى أو مدينة التجارة العالمية تم استبعادها من الخريطة الاستثمارية لمصر بعد التأكيد التام للرئيس عبد الفتاح السيسي، من عدم وجود جدوى اقتصادية من هذه المشروعات غير الضرورية».

الجنيه العائم

يمر العام الأول على المؤتمر الاقتصاد،ي ولم يشعر المواطن بتحسن في أوضاعه المعيشية، بل على العكس، تشهد المؤشرات الاقتصادية انخفاضًا تلو الآخر، مما يؤثر بشكل مُباشر على الحياة اليومية للمواطن.

وخفض البنك المركزي المصري، في 14 مارس (آذار) 2016، قيمة الجنيه المصري أكثر من 14% مقابل الدولار الأمريكي، ليصل السعر الرسمي للدولار 8.95 جنيهًا، وبذلك ينخفض سعر الجنيه المصري بقيمة 112 قرشًا، بعد قرار رسمي من البنك المركزي «تعويم» الجنيه.

 

في نفس اليوم، ظهرت التوقعات بارتفاع الأسعار سريعًا، على لسان أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية في القاهرة، الذي وصف القرار بـ«الكارثة الكبرى». وقال شيحة لصحيفة الشروق المصرية، إن القرار سيؤدي إلى رفع أسعار السلع المستوردة بنسبة 40%. موضحًا أن خفض الجنيه، يعني أن الجمارك ستسعر السلع المستوردة بما يُناسب القرار، وكذا ستفعل ضرائب المبيعات، مما سيؤدي في النهاية إلى رفع أسعار السلع على المُستهلك، لنسبة تتراوح ما بين 35 إلى 40%.

ويبدو أن للقرار آثارًا سلبية على أجواء الاستثمار في مصر بشكل عام، وهو ما أشار إليه محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، عندما قال إن «قرارات البنك المركزي الأخيرة لتخفيض سعر الجنيه، تعد رسالة سيئة للاستثمار، وتؤكد على عدم وجود رؤية وسياسة نقدية واضحة»، مُضيفًا: «رجال الأعمال في مصر يستيقظون كل يوم على قرار جديد يناقض ما صدر قبله، وهذ مناخ غير مستقر للاستثمار».

عرض التعليقات
تحميل المزيد