مرّ عام على محاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة في تركيا التي وقعت في مساء يوم 15 يوليو (تموز) 2016، ذلك العام الذي بدأ باتحاد كافة القوى السياسية في تركيا لمواجهة الانقلاب العسكري، وتخلله إجراءات صارمة تتضمن اعتقالًا  وفصلًا عن العمل لعشرات الآلاف، وجدت صداها مع حلفاء غربيين توترت علاقتهم مع تركيا، وانتهى آخر أيام العام بمسيرة حاشدة لقوى المعارضة اتخذت من «العدالة» شعارًا لها.

1- وحدة تركية بعد مقتل وإصابة 1808 في محاولة الانقلاب الفاشلة

في 15يوليو (تموز) 2016، شهدت تركيا محاولة انقلاب عسكري، باءت بالفشل، عاشت تركيا على إثرها ليلة دامية، كانت هي الأكثر دموية خلال العام الماضي، أسفرت عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 1808 شخص، بمقتل  208 شخص من المدنيين والقوات الحكومية التركية، وإصابة نحو 1500 آخرين، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء بن علي يلدريم، بالإضافة إلى مقتل أكثر من 100 مشارك في الانقلاب بحسب ما أعلنته وزارة الخارجية التركية، واتهمت السلطات التركية فتح الله كولن  وجماعته بالوقوف وراء تلك المحاولة الانقلابية.

وخلال محاولة الانقلاب الفاشلة، وقفت الأحزاب المعارضة التركية، صفًا واحدًا بجانب الحكومة التركية في مواجهة محاولة الانقلاب العسكري، وامتلأت الميادين التركية بمئات آلاف الأتراك الذين شاركوا  واحتفلوا بإفشال الانقلاب العسكري في المؤتمرات الشعبية التي نظمتها الحكومة بمشاركة الأحزاب المعارضة التي رفضت الانقلاب العسكري،  كما هنأ عدد من الحكومات الغربية تركيا لإفشالها محاولة الانقلاب العسكري.

ولكن بعد المرور من عنق الزجاجة، وإحباط محاولة الانقلاب العسكري، لم تدم الوحدة بين الحكومة ومعارضيها السياسيين طويلًا، وعادت الخلافات بينهم مرة أخرى، ليس فقط على المستوى الداخلي، وإنما امتدت أيضًا مع حلفاء غربيين كانوا يهنئون تركيا في الأمس القريب على إفشالها لمحاولة الانقلاب، وأصبحوا أشد انتقادًا للإجراءات الصارمة التي اتخذتها تركيا عقب محاولة الانقلاب العسكري.

2- إجراءات صارمة عقب إفشال محاولة الانقلاب العسكري

عقب إفشال محاولة الانقلاب العسكري، اتخذت السلطات التركية عددًا من الإجراءات الصارمة، ضد من اتهمتهم السلطات التركية بالتورط فيها؛ إذ فرضت حالة الطوارئ في البلاد نحو 12 شهرًا، وشهد العام الذي مضى، اعتقال السلطات التركية لنحو 50 ألف شخص، وإيقاف أو فصل 140 ألف شخص عن أعمالهم، بحسب ما أفادت الإذاعة البريطانية بي بي سي.

ونقلت بي بي سي عن لجنة حماية الصحافيين إغلاق 160 منبرًا إعلاميًا، وفصل 2500 صحافي وعامل في الإعلام من وظائفهم، مما جعل من تركيا بحسب اللجنة «أكثر البلدان سجنًا للصحافيين في العالم»، فيما نفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتقال السلطات لـ150 صحافيًا، وقال الأربعاء الماضي، إن شخصين فقط يحملان الهوية الصحافية مسجونان في تركيا، نافيًا سجن أحد بسبب الصحافة ومؤكدًا على استمرار نشر المقالات المسيئة له، ومتهمًا بعض المعتقلين بالتعاون مع منظمات إرهابية.

واعتقلت تركيا مؤخرًا أديل أيسر مديرة فرع منظمة العفو الدولية في تركيا وتسعة أشخاص آخرين، متهمة إياهم بـأنهم «أعضاء في منظمة إرهابية مسلحة»، وهي نفس التهمة التي وجهتها السلطات التركية، لتانير كلتيش مدير العفو الدولية في تركيا ، عندما اعتقلته الشهر الماضي،  كما ضمّت قائمة المعتقلين في تركيا،  رئيسي حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض صلاح الدين دميرطاش وفيجان يوكسك «في إطار تحقيقات بشأن الإرهاب».

اقرأ أيضًا: «التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

وجاء اعتقال دميرطاش وفيجان، في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وهو نفس اليوم  الذي حجبت فيه السلطات التركية مجددًا أكبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهم: فيسبوك، وتويتر، وواتس آب، ويوتيوب ، وبعد أشهر  قليلة من ذلك الحجب، حجبت تركيا موقع الموسوعة الحرة «ويكيبديا» بجميع لغاته، في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، وبسؤال أحد المقيمين في تركيا عن استمرار الحجب من عدمه، نفى استمرار حجب مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا استمرار حجب ويكبيديا، وهو ما تعثر  الحديث عنه على أي من وسائل الإعلام العربية أو العالمية، مع أنها سارعت بنشر خبر حجب مواقع التواصل الاجتماعي، دون الحديث المماثل عن رفع  الحجب.

وتأخرت تركيا أربعة مراكز في المؤشر العالمي السنوي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، لعام 2017 بوقوعها في المركز رقم 155  عالميًا من بين 180 دولة محل الدراسة، بعدما كانت في المركز رقم 151 في مؤشر6 201، وفي المقابل، أفرجت تركيا عن مئات المعتقلين على خلفية محاولة الانقلاب العسكري، وبعد أسبوعين من محاولة الانقلاب، أفرجت محكمة تركيا عن  758 عسكريًا كانوا قد احتجزوا للاشتباه في تورطهم في محاولة الانقلاب العسكري، وتعد تلك الدفعة من الإفراج عن محتجزين على خلفية الانقلاب العسكري، واحدة من أكبر الدفعات من نوعها إن لم تكن الأكبر بالفعل.

وفي 17 أغسطس (آب)  2016، وبعد مرور نحو شهر من محاولة الانقلاب، أعلن وزير العدل التركي أن السلطات ستفرج عن 38 ألف، مؤكدًا أن هذه الخطوة «ليست عفوًا، وهي لا تشمل المحكومين بجرائم قتل أو إرهاب أو أمن الدولة، ولا آلاف المعتقلين منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة»، وفي السابع من سبتمبر (أيلول) 2017، نقلت وسائل إعلام عربية عن وكالة الأناضول التركية إطلاق سراح  تركيا أكثر من 35 ألف سجين لتخفيف الازدحام في السجون المكتظة، وتنفيّذًا للخطوة التي أعلن عنها وزير العدل قبل ثلاثة أسابيع.

3-الاستفتاء يظهر انقسام الشارع التركي

وفي ظل حالة الطوارئ، والخلافات السياسية التي بدأت تظهر على سطح المشهد السياسي التركي، بعد الإجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات التركية في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وعقب فشل حزب العدالة والتنمية في تحقيق أغلبية الثلثين برلمانيًا لتمرير التعديلات الدستورية، وافق الرئيس التركي أردوغان على التعديلات، ودعا الناخبين للاستفتاء عليها، في أبريل (نيسان) الماضي.

وبموجب تلك التعديلات يتحول نظام الحكم في تركيا من رئاسي إلى برلماني، مع زيادة صلاحيات منصب رئيس الجمهورية، وتقليص صلاحيات البرلمان، وأيد التعديلات حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الحركة القومية المعارض.

ويرى مؤيدو التعديلات أنها ستجعل تركيا بلدًا «قوية» تتمكن فيه السلطة التنفيذية من خلال الصلاحيات الممنوحة للرئيس من دعم التنمية الاقتصادية ومحاربة إرهاب «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، و«حزب العمال الكردستاني» من وجهة نظرهم، ذلك بالإضافة إلى مواجهة مخاطر أوقات الاضطرابات، مثل محاولة الانقلاب الفاشلة.

وينتقد مؤيدو التعديلات أيضًا «فوضى» الحكومات الائتلافية وفشلها خلال العقود الماضية، وبالأخص في فترتي السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مع صعوبة تكوين حكومة الحزب الواحد، فخلال 93عامًا من تاريخ الجمهورية التركية، تكونت 65 حكومة بمتوسط 17 شهر للحكومة الواحدة.

وفي المقابل،  عارض التعديلات الدستورية، «حزب الشعب الجمهوري المعارض»، ثاني أقوى حزب في تركيا، ذلك بالإضافة إلى «حزب الشعوب الديموقراطي الكردي»، ويرى المعارضون أن تلك التعديلات، ستعرقل الديمقراطية التركية، وترسخ لنظام حكم الفرد الواحد؛ بتوسيعها لصلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، ونزعها لسلطة البرلمان في الإشراف على السلطة التنفيذية، وسماحها بمشاركة الرئيس في تعيين القضاة، واحتفاظه بعضويته الحزبية، من وجهة نظر معارضي التعديلات.

اقرأ أيضًا:

4 أسباب للتشاؤم من مستقبل تركيا بعد التعديلات

5 أسباب للتفاؤل بمستقبل تركيا بعد التعديلات

وانتهت نتيجة الاستفتاء بأغلبية طفيفة لصالح « نعم»، لتمرر تعديلات أثارت الجدل، وحملت في طياتها ونسب نتائجها دلالات حول انقسام الشارع السياسي التركي بشأنها، بنسبة قبول بلغت 51.3% .

4- تعثّر في خطوات تركيا نحو الاتحاد الأوروبي

لم تتوقف معارضة الاستفتاء في تركيا على الأحزاب الداخلية فقط، وإنما امتدت أيضًا، إلى دول غربية عارضت تمرير التعديلات الدستورية، وظهرت تلك المعارضة  بوضوح مع عرقلة الترويج لحملات تأييد التعديلات للجاليات التركية في عدد من الدول الغربية، بالأخص في النمسا وألمانيا وهولندا، التي دفعت أردوغان إلى اتهامها بـ«النازية».

وأعربت تركيا عن استيائها الشديد من منع الحملات الداعمة للتعديلات للجاليات التركية بالأخص في ألمانيا، التي تعتبر حليفًا غربيًا استراتيجيًا لتركيا، وشريكتها في الحلف الأطلسي والتحالف الدولي المناهض لـ«تنظيم الدولة»، والراعي الأهم للاتحاد الأوروبي، وتضم ألمانيا أيضًا نحو 3 ملايين تركي، لتصبح الجالية التركية في ألمانيا واحدة من أكبر الجاليات التركية في العالم إن لم تكن أكبرهم بالفعل، وقد تطور الخلاف الألماني التركي، برفض تركيا زيارة نواب من البرلمان الألماني لقاعدة إنجرليك الجوية جنوبي تركيا، التابعة للتحالف الدولي، مما دفع ألمانيا الأحد الماضي، ببدأ سحب قواتها من إنجرليك، والبالغ عددهم 250 عسكريًا ونقلهم للأردن.

ولا يتوقف الخلاف التركي الألماني على هذا الحد فقط،  وإنما أعربت ألمانيا  أيضًا عدة مرات عن رفضها لـ«حملات الاعتقالات الموسعة» التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة بدعوى محاسبة المشاركين فيها، كما أنها رفضت تلويح أردوغان بإمكانية تفعيل عقوبة الإعدام في تركيا، لمحاكمة المتورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة.

وامتد الغضب الغربي إلى البرلمان الأوروبي، الذي انتقد أيضًا تلك الاعتقالات، داعيًا إلى تعليق محادثات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولذلك تعثرت خطوات تركيا بالانضمام للاتحاد، ولم تحقق الكثير من التقدم خلال العام الماضي، بسبب القلق الدولي بشأن وضع الحرية في تركيا تحت حالة الطوارئ.

ويبدو أن تركيا نفسها بدأت تسأم، مما يصفه بعض المحللين بـ«الابتزاز الأوروبي» لتركيا بشأن دخولها الاتحاد الأوروبي، وظهر ذلك في تصريحات أدلى بها أردوغان الأربعاء الماضي لبي بي سي، قال فيها: «إن الاتحاد الأوروبي يضيع وقت تركيا» لافتًا إلى أن تركيا «سترتاح إذا ما خلص الاتحاد الأوروبي بعدم قبول عضويتها وستبادر إلى تطبيق الخطة بي أو سي».

وأضاف أردوغان أن «الاتحاد الأوروبي ليس أمرًا لا غنى عنه بالنسبة لنا» مؤكدًا أن «غالبية الأتراك لم يعودوا يريدون الاتحاد الأوروبي»  واستدرك: «على الرغم من كل ذلك سنواصل بقاءنا مخلصين في علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي لوقت إضافي قصير، وسنرى ما الذي سيجلبه ذلك لنا».

ولا تبدو العلاقات التركية الأمريكية أيضًا صافية، مع رفض أمريكا تسليم فتح الله كولن، بالرغم من كثرة المطالبات التركية بذلك، باعتباره هو من يقف وراء محاولة الانقلاب، ذلك بالإضافة إلى تسليح أمريكا لوحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبر الصديق المفضل لأمريكا في الداخل السوري، وتصنفها تركيا على أنها جماعة إرهابية تساعد حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقد اندلعت اشتباكات مباشرة بالفعل بين تلك الوحدات والجيش التركي في سوريا.

5-عام محاولة الانقلاب ينتهي بمسيرة «العدالة»

على المستوى الداخلي، بدأت المعارضة التركية في انتقاد حملات الاعتقالات والفصل من الوظائف عقب محاولة الانقلاب، واشتد الخلاف أيضًا مع رفضهم للتعديلات الدستورية، التي حظيت في النهاية بأغلبية شعبية، ولكن المعارضة استمرت في انتقاد سياسة أردوغان.

وقبل أسبوع من مرور عام على محاولة الانقلاب الفاشلة، انتهى الأحد الماضي ما يُعرف بمسيرة العدالة، تلك المسيرة التي نظمها حزب الشعب الجمهوري، وبدأت في 15 يونيو (حزيران) الماضي، وشارك فيها عشرات الآلاف، وقطعت نحو 450 كيلومتر، بدأت من أنقرة وانتهت في إسطنبول؛ لانتقاد سياسات الحكومة والاعتقالات والفصل، وهي إجرءات اعتبرها كمال أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، تمثل «انقلابًا ثانيًا».

وتأتي تلك المسيرة إثر اعتقال أنيس أوغلو، وهو برلماني عن الشعب الجمهوري، اتُّهم بتسريب وثائق ومعلومات سرية لصحيفة «جمهورييت»، تفيد بأن الحكومة تسلح جهاديين في سوريا، وأدين بسبب ذلك، ليصدر حكم بسجنه 25 عامًا.

وندد أردوغان بالمسيرة، متهمًا حزب الشعب الجمهوري، الذي نظمها، بـ«تخطى حدود العمل السياسي والعمل  مع المنظمات الإرهابية والقوى التي تحرضهم ضد بلدنا» وتواجه تركيا العديد من التهديدات الإرهابية التي تأتي من «تنظيم الدولة» و«حزب العمال الكردستاني» و«جماعة كولن» تلك الجماعات التي نفذت عديدًا من العمليات الدموية التي أودت بحياة المئات، أو اتهمت بتنفيذها.

وبالنظر إلى عام مر على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، فإن تركيا وصلت لذروة وحدتها وربما قوتها في الأيام التالية للمحاولة مباشرة، مع تكاتف المعارضة مع الحكومة في مواجهة المحاولة الانقلابية، وتضامن الدول الغربية المعلن معها، ولكن بمرور الوقت تفقد السلطات التركية حليفًا تلو الآخر، مع تصاعد الخلافات بين الحكومة التركية والمعارضة الداخلية، والانتقادات الغربية، مما يثير تساؤلات حول حسن استثمار للحظات القوة التي أعقبت المحاولة الفاشلة، وهل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

المصادر

تحميل المزيد