بالتزامن مع القبض على وزير الزراعة السابق، صلاح هلال، ومجموعة مسئولين داخل الوزارة في قضية فساد كُبرى بتهمة تسهيل الاستيلاء على أراضي الدولة لرجل أعمال محسوب على النظام السابق، خرجت كافة وسائل الإعلام المصرية بتغطية صحفية تجعل من السيسي “المُحارب الأول للفساد”، والإيحاء المُباشر بأن عملية الكشف عنها جاءت بناء على تعليماته الشخصية، ما جعل القضية وسيلة لتلميع “السيسي” وهيئة الرقابة الإدارية، أكثر من كونها دليلًا على فساد مجمل الطبقة الحاكمة في ضوء الاتهامات لـ 9 من وزرائه الحاليين في قضايا أخرى، ورئيس وزرائه إبراهيم محلب المُتهم في قضية “قصور الرئاسة”.

خلال السطور التالية، تشرح “ساسة بوست” تفاصيل هذه القضية، ومن هم أبرز المتهمين فيها، وكذلك الأبعاد السياسية المحتملة لهذه القضية التي تعد الأولى من نوعها منذ وصول الرئيس الحالي إلى السلطة.

من هم المُتهمون في قضية الفساد الكبرى بوزارة الزراعة؟

صلاح هلال


صلاح هلال، وزير الزراعة، وهو المُرتشي، والذي تم اختياره لهذا المنصب بترشيح من إبراهيم محلب، رئيس الوزراء في مارس2015 ، وهو من مواليد عام ١٩٥٦ بقرية كفر العمار محافظة القليوبية، تخرج في كلية الزراعة جامعة الأزهر، عام ١٩٧٨، وحصل على الدكتوراه في العلوم الزراعية من نفس الجامعة، كما أنه أستاذ تكنولوجيا البذور بمعهد بحوث المحاصيل التابع لمركز البحوث الزراعية، وتم تعيينه إخصائي بحوث في المعهد، عام ١٩٨٢، ليتدرج في المناصب داخل وزارة الزراعة إلى تقلده منصب الوزير في آخر محطة وظيفية قبل عملية القبض عليه.

أيمن الجميل

أيمن الجميل، هو الراشي في القضية، وهو رجل أعمال، ظهر لأول مرة لوسائل الإعلام بعد تبرعه بملغ مالي 150 مليون جنيه لصندوق “تحيا مصر”، الذي أسسه “السيسي”، لجمع تبرعات من رجال الأعمال المصريين.

“أيمن” هو نجل رفعت الجميل، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات “كايرو ثري إيه” للتصدير والاستيراد والشحن والتفريغ في محافظة دمياط، والمُحتكر الأول لأعمال ميناء دمياط من استيراد وتصدير وتخليص جمركي منذ مطلع التسعينيات، بجانب كونه أحد أباطرة الحزب الوطني المنحل في المحافظة، حيث فاز لدورتين متتاليتين2000 ، و2010 عن دائرة كفر سعد بتزكية من الحزب له على حساب “سمير زاهر” رئيس اتحاد الكرة السابق، ويتمتع بعلاقة وطيدة بالرئيس السابق حسني مبارك ونجله علاء.

محيي قدح

محيي قدح، شاب أربعيني العُمر، وهو يشغل منصب مدير مكتب الوزير المُتهم “صلاح هلال”، وتتجاوز مهامه منصب مدير المكتب إلى كونه الرجل الأول داخل الوزارة، الذي يتمتع بنفوذ واسع، حيث يؤخذ رأيه في كافة القرارات الهامة داخل الوزارة، كما تمتع بعلاقة نافذة مع الوزير الأسبق أيمن فريد أبو حديد، وكان المُستشار الأول له في كافة الشئون داخل الوزارة.

محمد فودة

محمد فودة، الوسيط في عملية الرشوة، حاصل على مؤهل فني صناعي، من مدينة زفتى بالغربية، وبدأ رحلة الصعود كمراسل صحفي لجريدة الجمهورية في زفتى، ثم انتقل لجريدة الوفد، وانتقل بعدها لجريدة ميدان الرياضة، حتى وصل لمنصب مساعد رئيس تحريرها “علاء صادق”.

ظهر “فودة” للإعلام للمرة الأولى في عام 1997 كوسيط في قضية رشوة بين المستشار ماهر الجندي محافظ الجيزة وقتها، ورجل الأعمال عمرو خليفة، لإنهاء إجراءات تخصيص 130 فدانًا بطريق مصر- إسكندرية الصحراوي ووجهت له النيابة تهمة أخرى، وهي استغلال النفوذ والكسب غير المشروع خلال سنوات عمله بالوزارة، وهي القضية التي قادته للسجن خمس سنوات وتغريمه 3 ملايين و167 ألف جنيه.

في عام 2012، عاد “فودة” مجددًا للظهور على وسائل الإعلام المصرية، التي قدمته كمستشار إعلامي وكاتب صحفي، من خلال كتابه مقالات بشكل منتظم في صحيفة “اليوم السابع”، ونشر حوارات صحفية له بشكل منظم مع وزراء البترول، والطيران، كما أعلن ترشحه لانتخابات مجلس النواب عن دائرة مركز زفتى، وعمل مستشارًا إعلاميًّا لأكثر من قناة تليفزيونية، ولغرفة صناعة الإعلام، ولشركة إنتاج فني.

ما هي طبيعة المخالفات في القضية الحالية من أطراف القضية؟

أيمن رفعت الجميل (الراشي) طلب ترخيصًا باطلًا لأرض بوادي النطرون البالغ مساحتها 2500 فدان، عبر (الوسيط) محمد فودة، من وزير الزراعة المستقيل ومدير مكتبه. وكان المقابل عبارة عن رشاوى منوعة بين اﻵتي :عضوية النادي اﻷهلي بمبلغ 140 ألف جنيه، طلب رحلة حج لستة عشر شخصًا من أسرتي المتهمين قيمة الفرد 70 ألف ريال، ملابس ثمينة بقيمة 230 ألف جنيه، وهاتفان محمولان بمبلغ 11 ألف جنيه، إفطار رمضاني بقيمة 14500 جنيه، وطلب وحدة سكنية بمنتجع بأكتوبر بقيمة 8 مليون و250 ألف جنيه.

من هم الوزراء المُتهمين في قضايا فساد أخرى في مجلس الوزراء الحالي؟

إبراهيم محلب، رئيس الوزراء، مُتهم في جريمة الاستيلاء على المال العام، حيث أوضحت مذكرة التحقيقات الأولى في قضية “القصور الرئاسية”، التي حررها الضابط معتصم فتحي في مارس 2013 ورسمت الإطار العام للقضية، أن محلب شريك في جريمة الاستيلاء على المال العام، لكن على ما يبدو أن تواري اسمه من القضية جاء على خلفية تحصينه من جهات عليا في البلاد، بعد اختياره رئيسًا للوزراء.

كذلك يوجد 6 من الوزراء الحاليين المُتهمين في قضايا الاستيلاء على أراضي دولة هم: أحمد الزند وزير العدل في بورسعيد – اللواء عادل لبيب وزير التنمية المحلية في البحيرة – عادل العدوى وزير الصحة – شقيق الدكتور أشرف العربي وزير التخطيط الذى ألقى القبض عليه ضمن المتهمين في القضية، بجانب وزير الزراعة الأسبق محمد أبو حديد الذي تم حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، وسيلجأ هؤلاء الوزراء لدفع فرق أسعار الأراضي أو ردها مقابل التوقف عن تحريك دعاوى جنائية منعًا لإحراج الحكومة بأكملها، والتشكيك في شرعيتها.


ما المتوقع أن تنتهي إليه من أحكام بشأن المقبوض عليهم؟

وفقًا للخبراء، حسب المادة107 مكرر من قانون العقوبات “يعفى الراشي والوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة أو اعترف بها”، وهو يبرئ “محمد فودة” (الوسيط) وأيمن الجميل (الراشي) من هذه القضية، ويجعل مسألة العفو عنهم مسألة وقت، بعد الانتهاء من التحقيقات في هذه القضية التي تباشرها هيئة الرقابة الإدارية. بينما سينتهي مصير الوزير ومدير مكتبه إلى المحاكمة أمام محكمة الجنايات، والحكم بالسجن لفترة تتراوح بين 10 و 20 عامًا حسب ما هو منصوص عليه في قانون الجرائم والعقوبات.

هل تُعتبر هذه القضية دليلًا على رغبة النظام في مُحاربة الفساد؟

كما أظهرت التحقيقات، وسجلت كافة اعترافات الشهود تورط وزير الزراعة في قضية فساد مالي، بما لا يدع مجالًا للشك في تبرير هذه الاتهامات المُوجهة إليه، والمُثبتة عليه عن طريق التسجيلات الصوتية.

لكن يبدو من تغطية وسائل الإعلام لهذه القضية، وفقًا للمراقبين، أنه تم استخدام القضية لتلميع الرئيس السيسي وإظهاره في ثوب المحارب للفساد، وإظهار “مصطفى عبد الفتاح السيسي”، نجله، والضابط بهيئة الرقابة الإدارية، أحد أدوات ردع الفساد، بقدر ما هي محاولة حقيقة لمحابة الفساد واقتلاعه من جذوره، خصوصًا أن الحديث عن رغبة النظام في محاربة الفساد تأتي بالتزامن مع تحصين “إبراهيم محلب” في قضية “القصور الرئاسية ” و” أحمد الزند” وزير العدل، ومجموعة الوزراء السابقين المُتهمين في قضايا استيلاء على أموال عامة، لا تقل فسادًا عن قضية وزير الزراعة.

كذلك المسألة التي تدعو إلى التشكك في نوايا النظام، هو أن نفس الأجهزة التي تحارب الفساد، هي ذاتها التي كانت مسئولة عن جمع معلومات شاملة ووافية في تقاريرها الأمنية عن المُرشحين للوزارة.

كذلك ترتبط إجابة السؤال السابق، بآلية اختيار النظام السياسي لهؤلاء الوزراء الحاليين، والمُتهمين في قضايا فساد مالية، لمناصبهم من شهور معدودة، رغم تورط أغلبهم في هذه القضايا قبل ترشيحهم لهذه المناصب، كما هو موضح في حالة وزير العدل المستشار “أحمد الزند”، الذي تورط في قضية فساد مالي، نشرته جريدة الأهرام الحكومية بتاريخ قبل توليه المنصب، والذي قام فيها نادي القضاة ببيع قطعة أرض مملوكة لنادي قضاة بورسعيد لابن عم زوجة المستشار أحمد الزند، رئيس مجلس إدارة نادي قضاة مصر، وهو المدعو لطفي مصطفى مصطفى عماشة وشركائه بسعر 18 ألف جنيه للمتر، بإجمالي 9 ملايين و153 ألف جنيه لقطعة الأرض البالغ مساحتها 508.5 متر مربع، خلافًا لسعر المتر الحقيقي الذي يصل سعره في هذه المنطقة إلى 50 ألف جنيه.


عرض التعليقات
تحميل المزيد