قالت الكاتبة سوزان جاكوبي ومؤلفة كتاب «التحويل الديني: تاريخ العلمانية» إن يهود أوروبا كانوا هم الضحايا الأوائل للحملة الصليبية الأولى.

ووصفت جاكوبي في مقال لها نشرته صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا تلك الحملة الصليبية بالمهمة المقدسة المزعومة التي تم تسييرها في عام 1096 لاستعادة السيطرة على القدس من المسلمين.

وكما رأت الكاتبة أن هناك ثمة مقاربة بين النهج الذي تبناه الجنود المسيحيون في القرون الوسطى والإرهاب الإسلامي المعاصر، فقد أشارت إلى أن مرحلة القرون الوسطى تكشف عن رسالة مفادها أن العنف الديني نادرًا ما يقف أسيرًا لهدف واحد فقط، وإنما يتمدد ويتوسع لحصد أكبر عدد متاح من الضحايا.

وكما كانت الحروب الصليبية مرتبطة بالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العصور الوسطى، فإن الحركات الإرهابية اليوم منغمسة في تقديم تفسيرات للإسلام مناهضة للحداثة, وهذا لا يعني أن غالبية المسلمين يتفقون مع الأيديولوجيا الدينية العنيفة، ولكنه يعني أن معتقدات الإرهابيين تلعب دورًا حاسمًا في انتهاكاتهم الوحشية لحقوق الإنسان.

وبينما تبارى البعض من مدَّعي الثقافة بمحاولة تفسير ما ورد من إشارات للرئيس الأمريكي باراك أوباما بشأن الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش مؤخرًا خلال صلاة الإفطار الوطنية بأنها تعطي ذريعة للإرهاب الإسلامى، فإن الأمر يبدو مغايرًا لتفسيرات البعض، خاصة وأن تلميحات الرئيس تفسح المجال للتفكير في الأضرار التي لحقت بنا في سياقات تاريخية عديدة عندما كان المحاربون يسعون إلى مزيد من الفتوحات باسم الرب.

تزامنت الحملة الصليبية الأولى في ربيع عام 1096 مع أوقات عصيبة في شمال أوروبا، خاصة وأن تدني موسم الحصاد أفضى إلى مجاعة بين الفقراء. وكما يقول جيمس كارول في «سيف قسطنطين»، فإنه ما من شك في أن الاندفاع الصليبي أنقذ العديد من المزارعين وأصحاب الأراضي على السواء من ضائقة اقتصادية بائسة.

ورغم أن البابا أوربانوس الثاني لم يأمر الصليبيين بقتل اليهود، إلا أن أعمال القتل طالت اليهود عندما خرج مائة ألف جندي من الفرسان والعبيد متحللين من القيود الاجتماعية لسحق ما يعتبرونه العدو الإسلامي الغادر في أرض بعيدة. لماذا إذن لا يمارسون القتل بحق مجموعات من اليهود متهمة بالخيانة والغدر؟

وكانت أولى المدن التي مرت بها الحملة الصليبية الأولى هي مدينة ترير على نهر موسيل. وبحسب السجلات العبرية، فإن قادة الحملة الصليبية عرضوا على اليهود القاطنين بتلك المدينة خيار التحويل وهو الاختيار ما بين المنفى أو الموت – على غرار الخيارات التي تقدمها جماعات مثل الدولة الإسلامية وبوكو حرام. ولم تُجْدِ محاولات اليهود حينها لمحاولة الاتفاق مع أحد الأساقفة للتوسط لدى الصليبيين وإثنائهم عن المساس بهم.

ذات المشهد تكرر في مدينة ماينز حيث يصف ألبرت إيكس، وهو مسيحي ولد في أواخر القرن الحادي عشر الانتهاكات التي مارسها الصليبيون بقيادة الكونت إيميكو بحق اليهود في ماينز.

وبحسب ألبرت، فإن الصليبيين قتلوا قرابة السبعمائة من الرجال والنساء والأطفال اليهود، ولم يتمكن سوى عدد قليل من اليهود من الفرار شريطة الموافقة على التعميد ليس بسبب حبهم للدين المسيحي وإنما بدافع الخوف.

تكشف تلك القصص والروايات ما فعلته الحملات الصليبية عن تشابه في المواقف بينها وبين الجماعات الإرهابية المعاصرة، بما في ذلك من تحويل قسري، وقتل للنساء والأطفال وفرض غرامات مالية على المتحولين بالإكراه والذين يحاولون البقاء في منازلهم. أضف إلى ذلك تشابه ردود الفعل تجاه تلك التنظيمات الإرهابية المعاصرة والحملات الصليبية سواء من قبل المسيحيين في العصور الوسطى أو المسلمين في يومنا هذا.

ففي مدينة الموصل، تلك المدينة العراقية التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في صيف العام الماضي، كان المسيحيون قد تعايشوا لقرون مع المسلمين وغيرهم من الإيزيديين الذين يعتنقون الديانة الإيزيدية. وهي ديانة منشقة و”منحرفة” عن الإسلام. ويرى آخرون أن الديانة هي خليط من عدة ديانات قديمة مثل الزردشتية والمانوية أو امتداد للديانة الميثرائية.

وفي الوقت الذي أحكم فيه تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته على المدينة، وجد الآلاف من اليزيديين أنفسهم مضطرين للفرار للنجاة بحياتهم إذا لم يعتنقوا الإسلام. المسيحيون أيضًا أمروا بالتحول عن ديانتهم إلى الإسلام، أو بدفع الجزية أو القتل بالسيف من دون أي إمكانية للفرار.

يبدو الأمر مألوفًا؟

توماس أسبريدج، مدير مركز دراسة الإسلام والغرب في جامعة لندن، علَّق على هذا الأمر بقوله: «علينا أن نكون حذرين في الحكم على السلوك في العصور الوسطى وفقًا للمعايير الحالية».

إن ما نراه اليوم في الواقع هو معيار للسلوك في العصور الوسطى أيدته عصبة من المتعصبين الحاليين الذين يسعون، شأنهم شأن الصليبيين، إلى سلطة دينية وسياسية متكئين في ذلك على العنف. إن هذه التنظيمات تذكرنا بطريقة مروعة بما كان سيبدو عليه العالم الغربي من دون الإصلاحات الدينية والتنوير، وقبل كل شيء الفصل بين الكنيسة والدولة.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد