يعرف أغلبنا حرب فيتنام، فهي أشهر من أن تُعرّف بغيرها، وأحدّث من أن يُعاد التذكير بها، ونهايتها بهزيمة الولايات المتحدة معلومة للجميع، وجرائم الأمريكيين في حق شعب فيتنام باتت أمرًا معلومًا من التاريخ بالضرورة، لكن خلف كل ذلك يتوارى اسم: هوْ تشي منه، الذي صنع النصر لفيتنام، ودحر جنود ثلاث دول عظمى.

الابن سر أبيه.. هذا ما تعلمه هو تشي منه في طفولته

كان والد هو تشي منه، نجوين سينه هوي، ميسور الحال مقارنةً بباقي العائلات المحيطة بهم لأنه كان مُدرسًا، لكن الاحتلال الفرنسي فرض لغته رسميًا على التعليم فرفض نجوين تعلّمها وتعليمها، لذا خسر أي فرصة ممكنة للعمل في المدارس الفرنسية في فيتنام؛ اضطر الأب للرحيل حول العالم مكتسبًا مالًا قليلًا بتعليمه الفقراء، وبكتابة خطاباتهم التي يرسلونها للسلطات طلبًا لوسائل الحياة البدائية.

تاريخ

منذ 10 شهور
هكذا أخمدت الولايات المتحدة صوت الحركات المناهضة للحرب

خسر نجوين أمواله ومركزه بترحاله المستمر، لكنه كسب حب الفقراء وابنه. لم يكن الأب مقتنعًا بأن لفرنسا الحق في السيطرة على فيتنام، لذا ربّى أولاده على نفس المبدأ، ونشأ هوْ تشي منه مقتنعًا بذلك أيضًا.

وفاة والدة هو تشي منه في طفولته، ووفاة أحد إخوته، جعلاه قريبًا من أبيه، معتنقًا لمذهبه. كان أخوه الآخر عطارًا، أما أختهم الوحيدة فقد خالفت مسار أبيها وعملت كاتبة لصالح الجيش الفرنسي، لكن لاحقًا قُبض عليها وحُكمت بالسجن مدى الحياة، ليس لأنها خالفت مبادئ والدها، بل لأنها آمنت بها تمامًا، فاستغلت عملها في الجيش الفرنسي لتهريب الأسلحة التي سوف تُستخدم بعد ذلك في النضال المسلح ضد الفرنسيين أنفسهم.

درس الابن تعاليم كونفيشيوس، ومن خلالها أتقن اللغة الصينية على يد الحكيم فيونج توك، وبجانب دراسته، كان مولعًا بصيد الأسماك وباللعب بالطائرات الورقية، لكن لم يكن مولعًا إطلاقًا للفرنسيين.

في عمر 10 سنوات رفض هو تشي منه أن يدرس في المدارس الفرنسية وآثر أن يبقى في مدرسة محلية، ثم قرر الانضمام لمظاهرة ضخمة ضد الضرائب الموجعة التي يفرضها الفرنسيون على فلاحي فيتنام. مظاهرة جرّت أخرى، وصار الفتى الصغير ثوريًا، ففصلته المدرسة المحلية. قدّم استغاثات عديدة، لمدرسته لكنها رُفضت جميعًا، فقرر أن يُجازف بالذهاب إلى فرنسا نفسها ليتعلم فيها.

ماذا بعد الثورة ضد الاحتلال؟

طباخ على متن باخرة فرنسية، هكذا وصل هو تشي منه إلى مرسيليا عام 1911، وقبل أن تُبحر الباخرة عائدةً، كانت كل طلباته للالتحاق بأي مدرسة من أي نوع في فرنسا قد رُفضت، لذا عاد الفتى إلى الباخرة مستسلمًا لها، فحملته الباخرة طوال ست سنوات إلى العديد من دول العالم. تلك الأعوام الستة كان تقطعها بعض فترات الاستقرار على اليابسة، لكنه دائمًا ما عاد إلى البحر.

Embed from Getty Images

كانت السفينة التي عمل على متنها تستقر أحيانًا في الولايات المتحدة، فعاش في نيويورك وبوسطن لمدة عامين، عمل فيهما طباخًا في أحد الفنادق، ثم خادمًا للعائلات المرموقة، وبدأ يكتشف أن هناك فيتناميين غيره منفيون في الولايات المتحدة، وأنهم يشاركونه الرغبة في تحرير البلاد من المستعمر الفرنسي.

بعد الولايات المتحدة، سافر هو تشي منه إلى بريطانيا، حيث عمل نادلًا وخادمًا وغاسل أطباق في نفس الفندق الذي اعتاد وينستون تشرشل الإقامة فيه. شابت الأجواء المحيطة به الأحاديث السياسية، حتى وإن كانت بعيدةً عنه حتى الآن، فبدأ يتساءل عن نظام الحكم المثالي الذي يمنح الجميع حقوقهم، خاصةً أن رحلاته في السفينة كشفت له دولًا عديدة في الشرق الأقصى تشترك جميعها في الفقر والجهل، وفي الاحتلال الفرنسي.

لكن هوْ تشي كان دائمًا يتساءل عن الخطوة التي تلي زوال الاحتلال، أي نظام حكم يجب أن يتبناه الثائرون؟ الغريب أن الإجابة كانت تنتظره في فرنسا ذاتها، فبعد بريطانيا، سافر إلى فرنسا عام 1919، حيث التقي مارسيل كاتشين، الاشتراكي الفرنسي. عرّف مارسيل هوْ تشي على الاشتراكية وأهداه كتب لينين، ومنذ تلك اللحظة آمن هوْ تشي منه بالشيوعية سبيلًا لرفع الظلم عن الشعب الفيتنامي، وكان أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في فرنسا.

أسلحة هو تشي منه.. ورقة وقلم وطابع بريد

بدأ الرجل كفاحه سلميًا، فكانت أسلحته ورقة وقلم وطابع بريد، وبعد معاهدة فرساي أرسل رسالةً للعديد من الزعماء الغربيين يطالبهم بالاعتراف بحق الشعب الفيتنامي في الحربة، فتجاهلوه.

أرسل رسالة أخرى بصفة خاصة إلى الرئيس الأمريكي ودرو ويلسن، يطالبه بالمساعدة في إزاحة فرنسا عن فيتنام، فتجاهله. يأس هو تشي منه من الكتابة الخاصة فتوّجه للكتابة العامة، وبدلًا عن مخاطبة الرؤوساء شرع يخاطب الشعوب، وعلى رأسهم الشعب الفرنسي.

صار هو تشي منه ممثلًا للحزب الشيوعي الفرنسي في المحافل الدولية، ولسانه الناطق باسمه في الصحف الفرنسية والعالمية، فبدأ يكتب في الصحف عن جرائم فرنسا ضد شعب فيتنام، ثم توّسع فأسس جريدته الخاصة تحت اسم  صحيفة «لوباريا»، التي تعني المنبوذ، وتناولت الجريدة جرائم الاستعمار الفرنسي ضد كل الشعوب التي يحتّلها، دون الاقتصار على فيتنام فحسب.

Embed from Getty Images

في عام 1925 ضرب هو تشي منه الفرنسيين ضربةً موجعة بكتابه «الاستعمار الفرنسي تحت المجهر». ولم يكن الكتاب من تأليف شاب متحمس، بل كتبه هو تشي خريج الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في موسكو. دخل هو تشي موسكو عام 1923 ليعمل في الـ«كومنترون» أو اللجنة الشيوعية الدولية، وشارك في مؤتمر الكومنترون الخامس نائبًا عن الحزب الشعبي الفرنسي.

مات لينين فشيّعه هو تشي منه، وضاقت به موسكو بعد رحيل الرفيق لينين، فغادر إلى الصين عام 1924. وفي الصين ألقى هو تشي منه محاضراته الأولى لمجموعة من الشباب الفيتناميين، الذين أصبحوا لاحقًا النواة الأولى للحركة التي ستخوض حربًا ضد فرنسا ثم الولايات المتحدة.

خططّ الرجل للاستقرار في الصين فتزّوج فيها، لكن إمبراطور الصين شنّ حملات ملاحقة كبيرة ضد الشيوعين، فاضطر هو تشي منه للعودة إلى شبه جزيرة القرم ليتعافى فيها من مرض السُل الذي أصابه.

هو تشي منه يجوب العالم بدعوته

انطلق من شبه الجزيرة إلى دول عديدة يدعو فيها للشيوعية، ويجمع الفيتناميين الشيوعيين كي يكونوا كتلةً واحدة، وفي عام 1929 اجتمع معهم في هونج كونج، واتفقوا على إنشاء الحزب الشيوعي في الهند الصينية.

كانت أهداف الحزب طرد الفرنسيين وإعادة توزيع الأراضي وإنشاء جيش وطني. قضى ثلاث سنوات في هونج كونج يهاجم الفرنسين، فغضبت لهم بريطانيا، واعتقلته القوات البريطانية. قضى في اعتقاله عامًا وأٌفرج عن بشرط أن يُغادر إلى موسكو، التي قضى فيها خمس سنوات يدرس في معهد لينين ويحاول التغلب على مرض السل الذي يرفض الرحيل عنه.

دارت دائرة التاريخ واستغاث إمبراطور الصين بالشيوعيين لمواجهة الغزو الياباني، فعاد هُو تشي للصين عام 1938 مستشارًا عسكريًا في القوات المسلحة الشيوعية الصينية، وهناك وُلد هو تشي منه، ليس الشخص، بل اللقب، فطوال المحطات السابقة كان يُدعى ويُنادى باسمه: نفوين أي كوك، أما عام 1938 فقد اختار لنفسه اللقب الذي سيلازمه مدى حياته، وبعد وفاته، ويعني المُشرق أو المستنير في الفيتنامية.

قامت الحرب العالمية الثانية، فآثر هو تشي منه ورفاقه العمل سرًا، فلا مكان لهم بين الجيوش الكبرى المتحاربة، وسقطت فرنسا بيد الألمان عام 1940، فرأى الرفاق أن الوقت قد حان للانتفاضة.

لكن قبل أن يعلنوا ثورتهم احتلت اليابان فيتنام، وأعلن الفرنسيون أنهم تحالفوا مع اليابانين أيضًا، وحينها قرر هو تشي منه العودة إلى فيتنام وبداية صفحة جديدة في كفاحه بدون أقلام وطوابع بريد، بل بالرصاص وحرب العصابات.

Embed from Getty Images

التف نحو 10 آلاف رجل حول هو تشي منه، وخاضوا حرب عصابات ضد التحالف الفرنسي الياباني فكبدّوهم خسائر فادحة، وخاصة أن المخابرات الأمريكية كانت قد تكلفت بدعم الثورة الفيتنامية.

كان هو تشي منه رجلًا مسالمًا طوال حياته السابقة، لذا كانت خبرته العسكرية قليلة، إلا أنه اعتمد على الكتب الصينية في تكتيكات الحروب، وترجمها للفيتنامية كي يستفيد منها باقي الثوّار. دخل الصين عام 1942 فاعتقلته قوات الإمبراطور الصيني وسجنوه لمدة عام.

فيتنام تُخضع الفرنسيين

في السجن، أصاب هو تشي منه الهزال والمرض وشيطان الشِعر، فأّلف كتاب «يوميات السجن» الذي يحتوي على 100 قصيدة كتبها، وكانت أول مرة يكتب فيها الشِعر.

خرج من السجن ليُكمل مسيرته، وفي عام 1945، اشتد عود الثوّار وخارت قوى اليابانيين، ليتراجع المُحتل ويتقدّم أبناء الوطن، استولى رفاق هو تشي منه على هانوي، وأعلنوها عاصمةً لهم، ومنها أعلن هو تشي ولادة جمهورية فيتنام الديمقراطية.

لكن كُتبت شهادة وفاة فيتنام على شهادة ميلادها، ففي لحظة إعلان هو تشي ثار الفرنسيون وأعلنوا الأحكام العرفية. كان رد فعل متوقع، وكان هو تشي مطمئن أن بإمكان رفاقه التعامل مع الفرنسيين، لكن إمبراطور الصين المُزعج، تشان كي تشيج، كاره الشيوعيين، أرسل للفرنسيين مددًا قوامه 200 ألف جندي، وبأمرٍ واحد سحق الشيوعيين وفيتنام.

لا بد هنا عن خطوةٍ للوراء، كان هو تشي متيقنًا أنه قادر على التعامل مع الفرنسيين الذين هزمهم سابقًا، لكن الصينيين بأعدادهم الهائلة أكبر من احتمال هو تشي ورفاقه، فانصاع الرجل لمطالب الفرنسيين، الذين وعدوه أن يمنحوا بلده استقلالها بشرط أن تكون تحت حمايتهم وتابعه لهم بشكل غير مباشر.

بالرضوخ لوعد الفرنسيين، تخلّص هو تشي من التدخل الصيني، لكنه لم يتخلص من سيطرة الفرنسيين، فأقحمت فرنسا نفسها في سياسات حكومة هو تشي منه، ووضعت عراقيل عديدة أمام كل سبيل محتمل يسلكه ويمكن أن تنهض به فيتنام. تحامل هو تشي ورفاقه وتحملّوا، إلا أن الفرنسيين لم يضبطوا أنفسهم، فهاجموا مظاهرةً لسكان فيتنام بقصف مدينة هيفونج.

بذلك القصف، كتبت فرنسا نهاية وجودها في فيتنام، خاصةً وأن الثورة الشيوعية قد قامت في الصين آنذاك، فباتت الصين حليفة لفيتنام لا فرنسا.

خاض هو تشي حرب العصابات التي يتقنها، لكنّه عانى من نقص السلاح، فسافر إلى موسكو للقاء ستالين وماو تسي تونج، فتعهد الأول بإمداد الفيتناميين بالسلاح، وأرسل الأخير 70 ألف مقاتل إلى فيتنام.

بحلول عام 1954، كانت فرنسا قد خسرت 75 ألف جندي، و64 ألف جريح، و40 ألف أسير، وعشرات الآليات العسكرية. ثم انسحبت فرنسا لتنقسم فيتنام لدولتين، شمالية شيوعية يرأسها هو تشي، وجنوبية رأسمالية.

زال المحتل.. ليأتي احتلال جديد

أصلح هو تشي في دولته الشمالية، وكانت عينه دائمًا على توحيد فيتنام. غزا مدينة لاوس الواقعة على الحدود بين الشطرين عام 1959، كي يوصل منها الدعم العسكري لرفاقه في الشطر الجنوبي الراغبين في توحيد البلدين. سنوات طويلة من صراع الإخوة حتى قرر الزعيم الجنوبي عقد مفاوضات مع هو تشي للتصالح وإعلان فيتنام واحدة.

لم يرق الأمر للأمريكيين، فاغتالوا زعيم الجنوب عام 1963، وأعلنت تدخلها في فيتنام عسكريًا لدحر شيوعية هو تشي منه. وخاضت الولايات المتحدة حربها بلا إنسانية أو أخلاقية، فدمرت كل شيء، وقتلت كل ما يتحرك، وسممت المبيدات والحيوانات، واستخدمت المواد الكيمائية المُحرمة.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
«إنترسبت»: أمريكا لم تعرض الصورة كاملة.. إليك الجانب المسكوت عنه في حرب فيتنام

قاوم الفيتناميون بكل طاقتهم، وكانت الصين تمدهم بالمقاتلين، والاتحاد السوفيتي بالسلاح، فمالت الكفة لصالح الفيتناميين. لكن في ذورة المعركة تدهورت صحة أشجع جندي فيتنامي، ولم يعد هو تشي منه يقدر على المشاركة في القتال أو في وضع الخطط، لكنه ظلّ يخاطب شعبه عبر الراديو يدعوهم للمواصلة حتى النهاية.

انتهت حرب فيتنام عام 1975 بتحرر فيتنام، لكن فيتنام خرجت من الحرب بلا هو تشي منه الذي تُوفي في صباح 2 نوفمبر (شباط) عام 1969، في الذكرى السنوية لولادة فيتنام الشمالية على يده. حنّط الفيتناميون جثته، وُوضع في ضريح فخم في مدينة هانوي، وبات هو تشي منه البطل الأسطوري في نظر الأجيال الفيتنامية المتلاحقة.

كان موته صدمةً عالميةً، ربما لم يكن هو تشي منه ذاته يدرك ذلك، ولم يكن يظن أن شاعرًا في دولة تبعد عن فيتنام آلاف الكيلومترات، يتحدث لغةً لم يتحدثها هو تشي منه يومًا، سوف يرثيه رثاءَ صديقٍ لصديقه، لا رثاء المجاملات والواجب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد