لطالما ارتبطت الصورة الذهنية لأفريقيا لدى الكثيرين بالفقر والجهل والجوع، لكنها اليوم تشهد مؤشرات تنموية واعدة، تجعلها تشبه ما كانت عليه الصين منذ عشرين عامًا؛ بحسب مقال جاك ما، مؤسس مجموعة «علي بابا» الصينية، نشره موقع مجلة «جون أفريك»، وأشاد فيه بالأجواء المهيئة للاستثمار والنمو التي لمسها بنفسه خلال زياراته إلى عدة دول في القارة، من بينها كينيا ورواندا، والتي تبشر بأن مستقبل أفريقيا سيكون واعدًا.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«الفرنك الأفريقي».. أفريقيا تنتفض ضد العملة التي أفقرتها 75 عامًا

هناك أيضًا وزير التنمية الألماني، جيرد مولر، الذي نادى قبيل انعقاد قمة مجموعة العشرين للشراكة مع أفريقيا، قائلًا: «هيا بنا إلى أفريقيا.. هناك أسواق المستقبل»؛ ليكشف بذلك بعض التغيير الذي طرأ على نظرة القوى العالمية تجاه أفريقيا، التي تكافح للتخلص من آثار الاستعمار، والانطلاق إلى حقبة جديدة من التنمية والنهوض.

وفي ظل تحول أفريقيا من قارة «التهديدات» إلى قارة «الفرص»، لم يعد الاهتمام بأفريقيا يقتصر على الصين وألمانيا فقط، بل أصبحت ساحة لتنافس القوى العالمية؛ التي ترى بعين الأرقام والإحصائيات مستقبلًا اقتصاديًّا واعدًا للقارة السمراء.

وثمة تنافس اقتصادي واضح بين الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، وتركيا، والهند، وإسرائيل، وحتى اليابان ودول خليجية، للفوز بنصيب من الكعكة الأفريقية. وفي هذا الإطار أطلقت دول مجموعة العشرين مبادرة «معاهدة مع أفريقيا Compact with Africa»، سعيًا منها لاستغلال موارد القارة وخاماتها الطبيعية الهائلة، ومواردها البشرية الكبيرة.

مؤشرات تكشف عن مستقبل أفريقيا «الصاعدة»

«الحديث عن القارة الأفريقية، بوصفها صورة للفقر والصراع، هو حديث لم يعد واقعيًّا أو معبرًا عن الصورة الكاملة»، هذا ما ذهب إليه تقرير «رؤية للقارة الأفريقية في المستقبل: خرائط التغيير، التحوُّلات والمسارات نحو 2030م»، الصادر عن المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية (ISPI)، والذي وصفها بأنها «القارة الصاعدة». واستشرف التقرير مستقبل أفريقيا عبر بعض المؤشرات المهمة، مثل:

معدلات نمو غير مسبوقة

في الفترة من عام 2000م، حتى عام 2014م، حققت بلدان القارة الأفريقية نموًّا اقتصاديًّا بمعدل غير مسبوق بلغ 5%، وشمل عددًا كبيرًا من بلدان القارة، وتنويعات مختلفة من القطاعات الاقتصادية.

كما توجد سبع دول أفريقية من بين أسرع عشرة اقتصادات نموًّا في العالم، وتتجه القارة بشكل متزايد نحو الأضواء العالمية كوجهة استثمارية واعدة، على الرغم من المخاطر المسبقة للاستثمار في الأوقات المضطربة.

ويشير تقرير المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية، إلى أن عشر دول من القارة الأفريقية ضمن عشرين دولة حول العالم من المتوقع أن يحقق اقتصادها أعلى معدلات نمو خلال الفترة من عام 2018م، حتى عام 2022م،. ومن أبرز تلك الدول الأفريقية: إثيوبيا، وكوت ديفوار، وغانا.

أبرز مثال على التغيير الاقتصادي في أفريقيا، هناك رواندا التي كانت معروفة بالإبادة الجماعية المأساوية، وأصبحت معروفة الآن كنموذج للاستقرار والنمو الاقتصادي، كما وقعت إريتريا وإثيوبيا اتفاق سلام هذا العام؛ لإنهاء عقدين من الحرب والعداء.

https://assets.weforum.org/editor/large_jVhxKtw31YaCKAuPovtBEpZCHPjeZqPViH4P2eoSy6g.png

أسرع الاقتصادات نموًّا في أفريقيا عام 2016. المصدر: البنك الدولي.

زيادة الموارد البشرية

تأتي الموارد البشرية الكبيرة أيضًا على رأس المؤشرات المبشرة بمستقبل أفضل للتنمية الأفريقية، إذ تضاعف عدد الأفارقة من 229 مليون نسمة في عام 1950م، إلى 1.2 مليار نسمة اليوم، في ظل الانخفاض الحاد في معدل وفيات الأطفال، وارتفاع معدلات الخصوبة بمتوسط 7.6 أطفال لكل امرأة، وهو أعلى معدل خصوبة على مستوى العالم، كما كان هناك انخفاض كبير في وفيات الأمهات والأطفال، وانخفض معدل الإصابة بسوء التغذية المزمن بين الأطفال دون سن الخامسة بمقدار 10 نقاط مئوية تقريبًا، مقارنة بعام 1995.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه أعداد الشباب والأطفال الأوروبيين، ويترسخ مصطلح «القارة العجوز» على أوروبا، توقع التقرير، الذي ساهم في كتابته عدد من الباحثين المتخصصين في الشأن الأفريقي، أنه بحلول عام 2050م، سيظل متوسط عمر السكان الأفارقة دون الخامسة والعشرين، ما يعني حاجتهم الماسة إلى مزيد من الطاقة والموارد وفرص العمل، وذلك في ظل توقعات بتضاعف عدد سكان القارة السمراء بشكل عام إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050م، وسيكون هناك واحد من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من بين كل أربعة أشخاص في العالم، وهو ما يجعل من القارة مصدرًا للموارد البشرية وسوقًا استهلاكية كبيرة، في الوقت الحالي وفي المستقبل المنظور أيضًا.

وهذا يعني أن أفريقيا ستشكل وحدها نحو 65% من معدل النمو السكاني العالمي خلال العقود الثلاثة القادمة، وتتصدر بعض الدول مؤشرات الزيادة السكانية، مثل: الكونغو، وتنزانيا، وبوركينافاسو، ومصر، ونيجيريا، وإثيوبيا.

البلد عدد السكان في 2015 عدد السكان في 2050 (بالمليون) عدد السكان في 2100 (بالمليون)
نيجيريا 181 401 733
إثيوبيا 100 205 294
مصر 92 159 224
الكونغو الديمقراطية 76 194 362
جنوب أفريقيا 55 75 79
تنزانيا 51 129 285
كينيا 47 91 125
أوغندا 38 90 137
الجزائر 40 60 70
السودان 39 81 142

عدد سكان أكبر 10 دول أفريقية في 2015م، و2050م، و2100م (بالمليون). المصدر: توقعات الأمم المتحدة لعدد السكان في 2050.

كنوز مخبوءة من الموارد الطبيعية 

تمتلك أفريقيا ثروة معدنية ونفطية وزراعية ومائية هائلة. فالقارة لديها 30% من معادن العالم، وحوالي 124 مليار برميل من احتياطي النفط، وهو ما يقدر بحوالي 12% من إجمالي احتياطي النفط العالمي، وهذا بالإضافة إلى 100 مليار برميل على شواطئ القارة الأفريقية في انتظار أن يجري اكتشافها.

ويوجد النفط بكميات مرتفعة في كل من: نيجيريا، والسودان، والجزائر، وليبيا، ومصر، وأنغولا، أما احتياطي الغاز فيوجد بنسب كبيرة في الجزائر ومصر، وبنسب أقل في نيجيريا وليبيا.

كما تحتوي القارة الأفريقية على موارد طبيعية وأولية أخرى ضخمة، إذ تنتج القارة الأفريقية ما يقدر بحوالي 80% من البلاتين المنتج في العالم، و40% من إنتاج الماس العالمي، و27% من إنتاج الكوبالت، و9% من إنتاج الحديد، ويتراوح احتياطها من الحديد والمنجنيز والفوسفات واليورانيوم من 15- 30% من إجمالي الاحتياطي العالمي من هذه المعادن. إضافة إلى 25% من إنتاج الذهب العالمي، المتوفر في كل من: مالي، وغانا، وإريتريا، وإثيوبيا، ورواندا، وزامبيا، وناميبيا، وجنوب أفريقيا، إلى جانب وجود معادن أخرى تشكِّل ثروةً ومصدرًا مهمًّا للطاقة على غرار اليورانيوم.

هذا فضلًا عن أن القارة الأفريقية تتمتع بنوعيات مختلفة من التربة الغنية، وكذلك بمواسم زراعية متنوعة، وتشكل الأراضي الزراعية ذات الإمكانيات الإنتاجية المرتفعة نسبة 8% من مساحة القارة الأفريقية، حيث تبلغ مساحتها مليونين و300 ألف كيلومتر مربع، منها 700 ألف كيلومتر مربع تمثل أراضي ذات إمكانيات ممتازة، تتركز في الهضبة الإثيوبية ودلتا نهر النيل، إضافة إلى مليون و600 ألف كيلومتر مربع ذات إمكانيات جيدة.

بسبب هذه العوامل، أصبح كثير من القادة الأفارقة متفائلين بمستقبل الاستثمار في بلادهم، يشجعهم على ذلك أنه على مدار العقود الماضية، انخفضت حصة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع في أفريقيا، وباتت توقعات الحد من الفقر إيجابية في كثير من البلدان. فمثلًا؛ يُتوقع أن تقضي إثيوبيا على الفقر المدقع بحلول عام 2050م، تقريبًا. ومن المتوقع أن ينحصر الفقر المدقع في نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية – يوجد فيهما ​​40% من فقراء أفريقيا المدقعين – بحلول عام 2040، على أن التحدي الكبير سيكون الحد من الفقر في جميع البلدان.

Embed from Getty Images

تحديات تواجه مستقبل أفريقيا

بطبيعة الحال، توجد الكثير من التحديات أمام هذه التوقعات المتفائلة بخصوص مستقبل أفريقيا، فالواقع ملبد بكثير من الغيوم التي تثير كثيرًا من الشكوك أمام تحقيق النهضة والتنمية في البلدان الأفريقية، ومن أهم هذه التحديات:

الفجوة التكنولوجية

لم تعد التكنولوجيا نوعًا من الرفاهية في حياة الأفارقة كما كانت قبل سنوات، بل تحولت إلى ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها، بينما الوضع الراهن في أفريقيا لا يساعد على دخولها عصر الثورة الصناعية الرابعة القائمة على التكنولوجيا والتقدم الرقمي. فهناك نحو نصف البلدان الأفريقية لا تمتلك مهارات «الكمبيوتر» في مناهجها المدرسية، مقارنة بـ85% من دول العالم.

ويتطلب النمو الاقتصادي أن تخطو أفريقيا خطوات كبيرة في مجال محو الأمية الرقمية، وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على سبيل المثال، تتطلب خطط التنمية 230 مليون وظيفة مهارات رقمية بحلول عام 2030م، وفقًا لتقرير المهارات الرقمية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فيما تضم القارة 21 بلدًا من بين البلدان الخمسة والعشرين الأقل ربطًا بالاقتصاد الرقمي في العالم، بينما لا يتجاوز عدد الذين يتوفر لديهم الإنترنت 22% من إجمالي السكان.

الاستبداد والفساد الحكومي

منذ بداية عام 2015م، شهدت أفريقيا أكثر من 27 حالة تغيير على مستوى قيادة الدول، ما يشير إلى تحول القارة نحو مزيد من الديمقراطية. وهناك دول مثل موريشيوس، وبوتسوانا، وناميبيا، وغانا تحتل مرتبة عالية نسبيًّا كدول مستقرة سياسيًّا. فيما قامت 34 دولة، تضم 72% من سكان أفريقيا، بتحسين أدائها في الحكم على مدار السنوات العشر الماضية، كما شوهدت تحسينات كبيرة في المشاركة وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان.

بيد أن العديد من التحديات ما تزال قائمة، فباقي الدول (20 دولة) ما تزال تعاني من الاستبداد والفساد الحكومي، وتراجع مستويات الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلما هو الحال في زيمبابوي، والكونغو، الديمقراطية، ومصر، والسودان، والجزائر، وليبيا.

التي تنتشر فيها مساوئ الحكم العسكري، وتعاني من ويلات التمرُّد والعصيان المدني، والحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية التي كانت لفترة طويلة من سمات القارة الأفريقية، حيث كانت تجري إطاحة الأنظمة عبر الجيوش، وباستغلال الضعف الاقتصادي كسببٍ لتنحية النُّخب التي لا تخدم المصالح العسكرية.

ولذلك خصص الاتحاد الأفريقي عام 2018م، من أجل «كسب المعركة ضد الفساد». مع ملاحظة أنه مع ارتفاع مستوى التعليم بين المواطنين، باتت الشعوب الأفريقية أكثر نضجًا ومطالبة بمحاسبة المسؤولين أو تغييرهم في حالة تورطهم في تهم فساد أو استبداد.

قصور البنية التحتية

من أجل تحقيق نهضة حقيقية، من الضروري ألا يكتفي قادة الدول بالبيانات النظرية فقط، وأن يعملوا على معالجة التحديات على أرض الواقع، ومن أبرزها: القصور في البنى التحتية لدول القارة التي خرجت منهكة ومنهوبة من حقبة الاستعمار الغربي، الذي سلبها القدرة التنافسية الإقليمية والعالمية.

غير أن هناك تقدمًا ملموسًا في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، وبنظرة موضوعية عبر مؤشر تنمية البنية التحتية، الصادر عن البنك الأفريقي عام 2016م، نجد أن «الدول الأفريقية جميعها أحرزت تقدمًا في الجوانب الأساسية التي يغطيها المؤشِّر (النقل، الكهرباء، تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، المياه والصَّرف الصحي، حيث ارتفعت المخصَّصات المالية لتلك القطاعات على مستوى القارة ككل، بنسب تتراوح بين 5- 8%، ووصلت في قطاع المياه إلى 11%.

Embed from Getty Images

سباق القوى الدولية على الفوز بأكبر نصيب من الكعكة الأفريقية

التنافس بين القوى الاقتصادية العظمى على الاستثمار في أفريقيا يعد في حد ذاته مؤشرًا قويًّا ودليلًا على المستقبل الاقتصادي الواعد للقارة السمراء، إذ تتصاعد رغبة الدول الاقتصادية الكبرى يومًا بعد آخر على عقد شراكات مع الدول الأفريقية؛ خاصةً تلك التي تتمتع بمعدل نموٍّ اقتصادي مرتفع.

في الوقت الحالي، تعد الصين الشريك الاقتصادي الأول مع الدول الأفريقية بإجمالي حجم تبادل تجاري يقارب 200 مليار دولار، وينافسها على ذلك أمريكا التي لا تقتصر جهودها على الشراكة الاقتصادية فقط، وإنما تسعى لممارسة دور أوسع سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا.

هناك أيضًا ألمانيا التي توجهت ببرامجها الاقتصادية نحو أفريقيا، ووضعت «خطة مارشال الإنمائية» في 2017 لدفع التنمية الاقتصادية بالقارة في إطار تعزيز التعاون بين ألمانيا وأفريقيا، وألحقتها باستراتيجية الشراكة مع أفريقيا في قمة العشرين 2017؛ والتي ضمت 12 دولة أفريقية.

وفي الآونة الأخيرة، دخلت روسيا إلى حلبة الصراع على الكعكة الأفريقية؛ وزاد نمو التبادل التجاري بين موسكو والعواصم الأفريقية عام 2018 بنسبة 1.7%، وبلغت قيمته 20.4 مليار دولار، ودعمت روسيا جهودها للتوغل في أفريقيا من خلال قمة روسيا- أفريقيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

ثم دخلت بريطانيا في ركب الدول المتنافسة على السوق الأفريقية، وهي إن وصلت متأخرة إلى هذه الساحة التنافسية، فإنها استغلت الروابط التاريخية التي تربطها ببعض الدول الأفريقية، وبلغت الاستثمارات البريطانية المباشرة في أفريقيا 17 مليار دولار، وارتفع حجم التجارة مع القارة بنسبة 13.8% عام 2018 بقيمة 36 مليار جنيه إسترليني، في حين زاد الاستثمار الذي يهيمن عليه قطاع الطاقة بنسبة 7.5% ليصل إلى 38.7 مليار جنيه إسترليني.

سياسة

منذ سنتين
«قارة المستقبل».. إلى أين وصل صراع الشرق الأوسط على أفريقيا؟

ما موقع الدول العربية في أفريقيا؟

توجد 10 دول عربية في أفريقيا، وتحتل خمس دول منها الساحل الشمالي للقارة بكامله، وهي مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، إضافة إلى موريتانيا، والسودان، وجزر القمر، وجيبوتي، والصومال.

تمتلك الدول العربية الأفريقية امتدادات تاريخية عميقة في القارة، ورغم التنافس المحموم بين القوى العالمية على ثروات أفريقيا، فإن البعد العربي بات غائبًا عن المنافسة في الاستثمار في عمق القارة، التي تعد حديقة خلفية واسعة للدول العربية الأفريقية.

وفي حين شهدت البلدان الأفريقية عمومًا زيادة في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الآونة الأخيرة، حضرت أربع دول عربية في تصنيف الدول الأكثر نموًّا في القارة للعام الماضي، وجاء ترتيب الدول على هذا النحو: نيجيريا، جنوب أفريقيا، مصر، الجزائر، أنجولا، المغرب، إثيوبيا، رواندا، غانا، كوت ديفوار.

عرض التعليقات
تحميل المزيد