لعقود طويلة، ظل فيها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قابعًا في منصبه الرئاسي، بات هدفه الأهم هو ابتكار طرق متنوعة من أجل تأمين الحُكم لأطول فترة ممكنة، بطرق تباينت بين تعديل بعض مواد الدستور، وعقد مساومات سياسية بين الخصوم، أو بتعيينات لشخوص تمتع معهم بصلة قرابة في مناصب سياسية نافذة من أجل ضمان ولائهم السياسي.

وفي الأعوام الأخيرة، ازدادت وتيرة تعيينات أقارب وأصدقاء قدامي لبوتفليقة في دوائر صنع القرار السياسي؛ ليظل هؤلاء امتدادًا لحكم بوتفليقة، يستأثرون بالسلطة والنفوذ بعد عدوله عن الترشح في الولاية الجديدة، كما أعلن، تجاوبًا مع مطالب المتظاهرين الذين رفعوا لافتات ترفض ترشحه في الانتخابات الرئاسية التي كان مُقررًا لها الانعقاد في أبريل (نيسان) الجاري.

ربما بعد سنوات من الإبعاد خارج بلاده، والتنقل في المنفى الاختياري بين دبي وسويسرا، في ضوء انقلاب أصدقاء النضال عليه، وتجريده من جميع سلطاته وصلاحياته؛ أيقن عبدالعزيز بوتفليقة، بعد وصوله لكرسي السلطة، أهمية ضم أشقاء وأقارب له، داخل دوائر السلطة، كي يكونوا رجالًا له في القصر الحاكم؛ يضمن ولاءهم المُطلق، ويكونوا أعينًا له في الداخل والخارج تجاه أي مؤامرات مُحتملة للإطاحة به، وحائط أمام أي عواقب غير محمودة.

تنوعت مناصب أقربائه بين وزراء ومستشارين في القصر الجمهوري، ذاع صيتهم، وتناقل الجميع روايات تحكي عن سلطاتهم المُطلقة، إلى جانب أسماء أخرى من العائلة تحتل مواقع متوسطة في مناصب نافذة في أجهزة شرطية وعسكرية وأجهزة تنفيذية، دون أن يكون لها ظهور إعلامي مكثف.

وفقًا للكاتبة سيلين لوساتو، في مقال منشور بصحيفة «نوفال أوبسرفاتور» الفرنسية، وترجمه موقع «الجزيرة نت»، إلى أن بوتفليقة تعلّم خلال السنوات العشرين التي قضاها في المنفى أن يثق فقط في أسرته، وهو ما يتفق مع ما ذكره المختص في العلوم السياسية محمد هناد في المقال ذاته إلى «أن أهم الأسئلة التي يجب طرحها في الجزائر الآن هي من يدير البلاد من خلف الكواليس؟» ويرى أن النظام الجزائري في الواقع «صندوق أسود» يحوي أعضاء من عائلة بوتفليقة وضباطًا رفيعين وسياسيين ورجال أعمال بلا رحمة، يشكلون معًا «دوائر متشابكة وأحادية المركز».

الجزائريون ينتصرون وبوتفليقة يتنحّى.. لكن هل ستتوقف احتجاجات الجزائر؟

 

سعيد بوتفليقة.. خلافات مع رئيس الأركان قد تُعجّل برحيله

سعيد بوتفليقة، الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري، والذي تربى على يد أخيه الأكبر بعد وفاة والده، يُمثل الرجل الأكثر نفوذًا داخل القصر الرئاسي، بصفته المستشار الأقرب لشقيقه الأكبر، والأكثر حظوة وصلاحيات في إدارة الملفات السياسية والأمنية، خصوصًا في السنوات الأخيرة.

كان سعيد مواطنًا عاديًا يعمل أستاذًا أكاديميًا مرموقًا في جامعة هواري بومدين باب الزوار؛ قبل أن يتغير مساره الوظيفي من بهو قاعات المحاضرات إلى أروقة السُلطة في عام 1999؛ حين صعد شقيقه لمنصب الرئيس، ويصدر بحقه مرسوم رئاسي بتعيينه مستشارًا خاصًا له داخل رئاسة الجمهورية، بصلاحيات مُطلقة.

استثناءً عن عشرات المستشارين ممن تم تعيينهم في القصر الجمهوري؛ تمتع السعيد بحضور لافت، وسلطات مُطلقة، وصلاحيات مفتوحة في كافة القطاعات، جعلت الجميع ينظر له باعتباره خليفة مُحتملًا لشقيقه. يتأكد هذا النفوذ من واقع شهادة الجنرال الجزائري المتقاعد حسين بن حديد، الذي وصفه، قائلًا: «سعيد بوتفليقة هو الحاكم الفعلي للجزائر، ويخطط لتولى منصب الرئيس في مكان أخيه» موضحًا أنه كان وراء تنحي مسؤول الاستخبارات الجزائرية الجنرال توفيق مدين «بهدف فتح الطريق أمامه لتولي منصب رئيس الجزائر خلفًا لأخيه عبد العزيز بوتفليقة».

وورد اسم السعيد في شعارات المُتظاهرين بميادين الجزائر، مرددين «لا نريد لا نريد.. بوتفليقة ولا السعيد» في إشارة لرفضهم خلافة سعيد لشقيقه، بعد اتساع صلاحياته وسلطاته مؤخرًا، جعلت الكثيرين يعتبرونه حاكمًا فعليًا، ووريثًا محتملًا للسلطة عن شقيقه الأكبر.

بعد تراجع الشقيق الأكبر عن الترشح لعهدة خامسة؛ بفعل قوة عامل التظاهرات الشعبية، قفزت على السطح تساؤلات حول مستقبل سعيد، في ظل حالة الاستنفار من الجموع تجاه آل بوتفليقة، وعما إذا كان مسألة خلافته لشقيقه ما زالت مطروحة أم باتت صعبة في ظل معطيات الوضع الجديد.

ويُشكل التحول في علاقة سعيد بوتفليقة مع رئيس أركان الجيش الفريق قائد صالح، الرجل الأهم داخل المؤسسة العسكرية، والشخصية المحورية في النظام، عاملًا يُرجح دعم الجيش الجزائري لخروج السعيد من المشهد السياسي في أقرب فُرصة مُمكنة؛ خصوصًا في ظل رفض المتظاهرين لوجوده.

وتمتع الثنائي بعلاقة ثنائية خاصة، عززتها أدوارهما المُشتركة في تقزيم دور المخابرات الجزائرية، وإجراءات الهيكلة داخلها؛ ليُمثل ذلك سببًا رئيسيًا في نسج علاقة خاصة بين الرجلين. غير أن خصوصية هذه العلاقة لم تستمر؛ ودب فيها ما عكر صفوها، وأوصلها لطريق مسدود في العام الأخير؛ وكانت المحطة الأخيرة للخلافات الواسعة بين الرجلين، وفقًا لما ذكره موقع «Algerie Part» الناطق بالفرنسية في تقريرٍ له، أن مصالح الرئاسة الجزائرية بإيعاز من السعيد بوتفليقة أعدت مع مطلع العام الحالي قائمةً باسم قيادات النواحي العسكرية الجزائرية الستة ليتم تغييرهم بقياداتٍ جديدة، غير أن هذا التغيير تم رفضه وتجميده من طرف الفريق قايد صالح في آخر لحظة.

كما أشار التقرير كذلك إلى «أن اعتراض القايد صالح عن هذه التعيينات بحسب مصادر أمنية يشير إلى الصراع الخفي بين القايد صالح وشقيق الرئيس سعيد بوتفليقة الذي يتّهمُ من طرف البعض بأنه يختطف قرارات الرئيس، والتي كان آخرها قرار إلغاء قانون الخصخصة الذي أقره الوزير الأوّل أحمد أويحيى».

تكرر اسم سعيد في تصريحات قادة المعارضة السياسية بالجزائر في الأيام الأخيرة، مع تحميله مسئولية الأوضاع السيئة، واستمرار شقيقه على الرغم من غياب وعيه أغلب الفترات الزمنية، يجعل من مسألة الدفع به كخليفة محتمل، كما كان يرجح البعض، أمرًا صعبًا، في ظل استنفار الجميع منه، جيشًا وشعبًا ومعارضة.

عبدالعال رزقي، وهو واحد من قادة المعارضة السياسية في الجزائر، أكد في تصريحات نقلها موقع قناة «الغد العربي» أن «جماعة الرئيس أو شقيقه سعيد بوتفليقة أكثر تحديدًا هو من طلب من عبدالعزيز أن يستمر في منصبه، وهو من اقترح عليه صياغة دستور جديد، كنوع من الاستخفاف بعقول المتظاهرين».

ناصر بوتفليقة.. «الشقيق التوافقي»

ناصر هو الشقيق الأكبر للرئيس الجزائري، الذي تندر عنه المعلومات، سواء عن خلفيته التعليمية، ومسار الترقي الوظيفي له قبل تعيينه مستشارًا في القصر الرئاسي؛ مع انتخاب شقيقه في منصب الرئيس للمرة الأولى عام 1999. ومع كُل مرة يظهر فيها ناصر لوسائل الإعلام، خلال حضوره مناسبات سياسية طيلة السنوات السابقة، تثار التساؤلات عن طبيعة أدواره داخل السلطة، خصوصًا في ظل تمتعه بعلاقات جيدة مع كافة القوى السياسية، التي تهابه وتراه شخصي شديدة التوازن.

وأثناء حضور ناصر جنازة مراد مدلسي رئيس المجلس الدستوري الجزائري، قبل شهرين، توافد إليه العشرات من المسئولين لتحيته بتقبيل يده؛ في إشارة على نفوذه الواضح على كافة مسئولي الدولة، وسلطاتها التي تتجاوز منصبه بوصفه أمين عام وزارة التكوين والتعليم المهنيين.

أحد المهام التي أوكلت لناصر طيلة السنوات السابقة هو إشرافه على الملف الصحي لشقيقه؛ وهو ما جعله ينال لقب «كاتم أسرار الرئيس»؛ إذ كان مسئولًا عن مُتابعة تطورات حالته الصحية، ونقل معلومات حوله إلى المسئولين داخل الحكومة؛ ولذلك أصبح مُرافقًا دومًا لشقيقه في زياراته العلاجية خارج البلاد.

الأخبار والمعلومات المُتاحة عن ناصر ترسم صورة عنه بوصفه شخصًا توافقيًا، يبحث أسس الإجماع الوطني، ويحظى بصلات جيدة مع الجميع بمن فيهم قوى المعارضة السياسية، وهي الانطباعات التي قد تجعل من مسألة عزله عن منصبه بالتزامن مع إعلان شقيقه عدم الترشح أمرًا بعيدًا، قد يعزز من هذا الاحتمال الأخير ما تترد عنه من كونه من بين أفراد العائلة الذين يرفضون استمرار بوتفليقة في الحكم لولاية خامسة بسبب وضعه الصحي.

وحسب مقال منشور للكاتبة سيلين لوساتو، في صحيفة «نوفال أوبسرفاتور» الفرنسية، فإن «ناصر الذي يشغل منصب الأمين العام لوزارة التكوين المهني- يحتل مكانة الأخ كاتم الأسرار».

وكحال أشقائه، سار الأخ الثالث عبدالغني بوتفليقة على نفس المنوال؛ بعدما دفع به الرئيس الجزائري في مناصب مرموقة داخل الدولة طيلة السنوات السابقة؛ قبل أن يرد اسمه في قضايا فساد مالي، عُرفت بقضية «خليفة» المدوية، وهي فضيحة مالية تعود إلى سنة 2000 جمعت بين الفساد واختلاس الممتلكات العامة؛ ليتم إبعاده عن منصبه، ويلتزم الصمت أمام هذا القرار، حفاظًا على هيبة أشقائه، منتقلًا للعيش في العاصمة الفرنسية في الأعوام الأخيرة.

العائلة ليست على قلب رجل واحد

نجحت خطة بوتفليقة في الدفع بالعديد من أقاربه وأصدقائه القدامى كحال بن عمر زرهوني، أقرب المستشارين السياسيين لبوتفليقة، والطيب لوح، وزير العدل في الحكومة الحالية ونقيب سابق للقضاة؛ اللذين ينحدران من نفس منطقته تلمسان في شمال غربي الجزائر؛ مكتسبًا ثقة هؤلاء الذين تحولوا إلى وسائل أساسية في تصفية خصومه، وتحييد الشخصيات غير المرغوبة من جانبه.

لكن على الجانب الآخر يتذمر قطاع واسع من العائلة من بقاء مُمثلهم داخل السلطة، كُل هذه السنوات الطويلة، خصوصًا مع قراراه السابق بالترشح في الانتخابات التي كان مُقررًا لها الانعقاد في أبريل، وسط تدهور حالته الصحية. تأكد تململ هذا القطاع من واقع تسريب وثيقة في 17 يناير (كانون الثاني) الماضي، تتحدث عن وجود مخاوف لدى عائلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من الانتقام منها، في حال انتقل الحكم إلى مجموعات سياسية مناوئة.

كما نقل عبدالرازق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم»، بعد مقابلات متعددة مع أقارب للرئيس، أن هناك «خوفًا لدى عائلة الرئيس على سلامتها ومما يمكن أن يسببه الانتقال المباغت للسلطة لجهة أخرى»، وأن «عائلة بوتفليقة متحرجة من مشروع العهدة الخامسة بسبب التدهور الكبير لصحة الرئيس»، وكذلك «لصعوبة تحقيق التوافق بين الطامعين في خلافة الرئيس».

الأخضر الإبراهيمي.. صوت بوتفليقة في الداخل والخارج ووقت المرض!

 

المصادر

تحميل المزيد