يرسم البعض صورة قاتمة للمستقبل، مشيرين إلى أن العالم بحلول 2050 سيعيش في «مدن ذكية» تشبه تلك التي رأيناها في أفلام الخيال العلمي، إلا أن هذه المدن الحديثة والتي تحمل في جوهرها أسس الحضارة التكنولوجية الحديثة، قد تجعلنا أكثر «وحدة»، وستكون تلك المدن مرتبطة بشكلٍ كبير بالأجهزة الرقمية التي تراقب حياتنا وأنشطتنا، وفقًا لتقرير للأمم المتحدة.

وعلى الرغم من أن المستقبل الرقمي مليء بالأجهزة التي تسهل حياتنا، إلا أن الثمن الذي سندفعه قد يكون في شكل الحياة المائل أكثر للعزلة، فهل يحمل لنا المستقبل «حياة أكثر وحدة»؟

الوحدة «وباء» متصاعد عند الشباب

نشهد اليوم تقدمًا تقنيًا هائلًا، عادةً ما يسهّل التواصل بين الناس وربطهم ببعضهم البعض، إلا أنه يحمل في طياته العزلة، بصرف انتباهنا عن التفاعلات الاجتماعية الواقعية وعن التواصل بشكل أكثر حميمية مع المقربين منّا، وتصبح هذه السلوكيات مع مرور الوقت أكثر رسوخًا من ذي قبل.

وإذا كان الإنسان حيوانًا اجتماعيًا في طبيعته، فإن التكنولوجيا تمنحه «شعورًا زائفًا بالتواصل» وسرعان ما يكتشف حقيقة وحدته، ولأن الإنسان اعتاد الاتصال اجتماعيًا بالآخرين، فعادةً ما يكون للوحدة أثر سلبي على صحتنا. وربما لهذا أطلق لفظ «وباء» على ظاهرة الوحدة المتفشية في المدن باعتبارها أزمة صحة عامة.

تتحدث تقارير عن العلاقة بين التقنية والوحدة، إلى أن الشعور بالوحدة قد يصيب أي شخص بصرف النظر عن عمره أو مكانته ووضعه الاجتماعي، ففي بريطانيا على سبيل المثال، واحد من كل ثمانية أشخاص ليس لديه صديق مقرب، وثلثا هؤلاء تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا.

وفي العقود الماضية تضاعف ثلاث مرات عدد الأمريكيين الذين يعيشون بلا أصدقاء مقربين في حياتهم، والجدير بالذكر أن نسبة كبيرة منهم من الشباب.

Embed from Getty Images

وتذكر مجلة «ذا وييك» أن التقنيات الحديثة من الأسباب الشائعة للوحدة، رغم أنها صارت أهم وسائلنا للاتصال بأصدقائنا بشكل مستمر ودائم، إذ تعمل على تشتيت انتباهنا عن التفاعلات الاجتماعية المحيطة بنا.

«وجود هاتف بالقرب منك، حتى لو لم تتحقق منه كل برهة، يضر بتواصلك الواقعي مع الآخرين»

* مجلة «ذا وييك»

حوّلت الهواتف الذكية في الآونة الأخيرة تواصلنا الواقعي مع المحيطين بنا إلى رسائل إلكترونية سريعة وصغيرة، ويصبح جهدنا للتواصل مع الآخرين في التحقق من الإشعارات الجديدة على هواتفنا. وتحوّلت المقاهي من مكانٍ للاجتماع والحديث مع الآخرين لمكان نمارس فيه العزلة المتبادلة مع أصدقائنا، وننشغل معًا بهواتفنا بدلًا عن التواصل المباشر.

تشير التقارير إلى أننا سنعيش بحلول 2050 في «مدن ذكية» داخل عالم رقمي، كل ما تحتاجه سيكون متاحًا على هاتفك، وسيوفّر الهاتف خدماته لك في المستشفيات والطرق السريعة وفي المزارع، إذ يصبح كل شيء متصلًا بهاتفك، لتراقب الأجهزة مجريات حياتنا؛ بدءًا من الازدحام المروري وحتى نظافة الهواء، وهذا الاعتماد المفرط عليها قد يقتل رغبتنا في التواجد حول الناس.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
هل اقترب انفجار فقاعة التكنولوجيا وانهيار اقتصاد العالم؟

هل تغزو تجربة الوحدة في «كوكب اليابان» العالم؟

افتتح في منتصف 2018 حانة للحياة الليلية مصممة لمن يشربون لوحدهم، حانة «Bar Hitori» في اليابان.

وبحسب تقرير لـ«بي بي سي» الإخبارية، يوفّر المكان فرصة غير عادية للمجتمع الياباني الذي يعاني أغلب أفراده من الوحدة؛ إذ يمنحهم  القدرة على الخروج وتناول الطعام والشراب بمفردهم دون القلق من أن يظهروا «وحداء».

قبل عقد من الزمن ظهر في المجتمع الياباني مصطلح «benjo meshi»، والذي يعني «غداء المرحاض»، ليعكس ظاهرة تناول وجبة الطعام في الحمام، بدلًا عن أكلها لوحدك أمام الناس، وحتى ذلك الوقت كونُ الفرد بلا أصدقاء مدعاة للخجل في المجتمع الياباني.

ويشير عامل في الحانة إلى أن سياستهم الخاصة تساعد الضيوف على بدء محادثات مع بعضهم البعض في بيئة مريحة، بعيدًا عن ضوضاء المجموعات الكبيرة، خاصةً وأن الثقافة اليابانية تعتمد بشكلٍ كبير على التواجد داخل مجموعات وتخجل من الوحدة.

تقرير للجزيرة عن الوحدة في اليابان

ولكن يعيش المجتمع الياباني اليوم تغيّرًا نحو تقبل الوحدة، إذ نمت بعض الحركات الاجتماعية مثل «Ohitorisama»، ومعناها التقريبي: «أحتفلُ لوحدي»، واحتلت قائمة وسوم منصة التواصل الاجتماعي «انستجرام» في اليابان، وإذا بحثت عنها باللغة اليابانية ستجد الآلاف من الصور توثق لحياة أشخاص يفضلون الوجود وحدهم، ويحتفون به، فأصبحت المطاعم تعد وجبات طعام لفرد واحد، وفي هذه الحركة يُحتفى بالأكل الفردي، وغير ذلك من الأنشطة التي يقوم بها الفرد لوحده داخل المدينة، مثل الذهاب إلى السينما والخروج الليلي، وهذا خفّف من خجل المجتمع وأفراده من الوِحدة.

لا ترافق الوحدة الفرد اليابان فقط في طعامه وشرابه، وامتدّ الأمر لوسائل الترفيه، فمثلًا وسيلة الترفيه الشهيرة في اليابان، الكاريوكي، أعيد تصميمها لتناسب الأفراد الوحيدين.

لم يقتصر الأمر على تناول الطعام والشراب وغيرها من العادات اليومية بل تعداه لوسائل الترفيه، فعلى سبيل المثال، نرى وسيلة الترفيه الأولى والأكثر شهرة في اليابان، «كاروكي»، بدأ تنميقها لتناسب الأفراد الوحيدين. إذ بدأ الكاروكي نشاطًا ترفيهيًا للمجموعات يغنون داخل كشك أغنيات مسجلة مع عرض كلمات الأغنية على شاشة صغيرة أمامهم، وتتوفر الآن أكشاك للغناء لفرد واحد، يمكنه أخذ قرص مصوّر لتجربته بكلفة زهيدة.

ويشير تقرير «بي بي سي» إلى أن «الكاروكي الفردي» تزايد الطلب عليه في السنوات الأخيرة بنسبة 30% إلى 40% من جميع مستخدميه، وتنتشر غرف الكاروكي في أنحاء اليابان بأحجام مختلفة، إلا أن الطلب على الغرف الفردية في ازدياد.

فهل تتجه دول أخرى نحو العزلة مع تقبل أكبر لفكرة الوحدة، وهل يصبح الزواج والنظام الاجتماعي للأسرة فيها أكثر مرونة؟ يقول التقرير أن تقبّل المجتمع الياباني لهذه التغيرات ازداد في 2018 عما كان عليه في 2015، بحسب دراسة أجريت على 10 آلاف شخص.

وتشهد كثير من دول العالم اليوم ارتفاعًا في سن الزواج وانخفاضًا في أعداد المواليد، يوازيه ارتفاع نسب الوحدة، وارتفاع في أعداد من سماهم التقرير بالـ«الأسر الفردية»، أي المكونة من شخص واحد.

«التكنولوجيا».. جعلت الشباب أكثر وحدة وكبار السن أكثر اتصالًا

تشير التقارير إلى أن الشعور بالوحدة يزداد بين الشباب، ولكن التأثر بها لم يقتصر على الصغار والمراهقين، بل شمل كبار السن، فتغيّر الحياة دفع بأبنائهم للسفر والعمل بعيدًا عنهم، وأصبح كثير من كبار السن يعيشون وحدهم، إذ أكدت دراسة بريطانية عام 2013، وجود علاقة بين ازدياد خطر الوفاة لكبار السن وشعورهم بالعزلة الاجتماعية. إذ يزيد انعزالهم عن العائلة والأصدقاء من خطر الوفاة المبكرة بنسبة 26% على مدى سبع سنوات. جينها صرح الباحثون أن العزلة الاجتماعية والوحدة هما القاتل الخفي لكبار السن.

ولكن على الرغم من أن الحياة المدنية الحديثة غيّرت خلال الخمسين عامًا الفائتة في الشكل التقليدي للأسرة، والذي كان فيه الأبناء حريصين على السكن بجانب والديهم المسنين ورعايتهم، إلا أن التكنولوجيا الحديثة لعبت دورًا هامًا في تشبيك كبار السن بأقاربهم وأصحابهم، بحسب دراستين نشرتا عام 2019 بالجمعية الأمريكية للطب النفسي.

تشير البيانات إلى انخفاض الشعور بالوحدة بين سن الخمسين ومنتصف السبعين، إلا أنها تصل إلى ذروتها مع وصول الأفراد للثمانين والتسعين من العمر، ووفقًا لدراسة أجراها مجموعة من الباحثين في هولندا، انخفضت معاناة السكان من الشعور بالوحدة بين سن الخمسين والستين، وعمليًا أصبحت الأجيال الحالية من كبار السن أقل وحدة من الأجيال السابقة.

Embed from Getty Images

وفي الدراسة تشير المؤلفة بيانكا سانيت أستاذة علم الاجتماع، إلى أن شعور كبار السن بالسيطرة والتمكن من حياتهم كان له تأثير إيجابي على محاربتهم للوحدة، قائلة إن كبار السن يحتاجون فقط لتطوير مهارات حل المشكلات بتدريبهم على الحفاظ على شعور السيطرة على حياتهم، وتوفير فرص لهم للانخراط في المجتمع.

وعلى الرغم من تأكيد الدراسات العلمية على التأثير السيئ لـ«وسائل التواصل الاجتماعي» الحديثة بالنسبة لجيل الشباب بجعلهم أكثر عزلة، إلا أنها تشير في الوقتِ ذاته للدور المعاكس الذي تلعبه في حياة كبار السن، إذ يستخدم المسنون وسائل التواصل بطريقة تختلف تمامًا عن البالغين الأصغر سنًا، وفقًا للدراستين.

ويستخدم كبار السن التكنولوجيا الحديثة لتقوية علاقات قائمة بالفعل، لا بهدف الاستكشاف كما يفعل الأصغر سنًا، ومن خلالها يتواصلون مع الأبناء والأحفاد.

لماذا يشعر صغار السن بالوحدة في عصر الإنترنت؟

في دراسة أجرتها جامعة شيكاجو منذ 2005 وحتى 2015، حذر الباحثون من أن الشعور بالوحدة يثير ما أسماه علماء النفس «اليقظة المفرطة للتهديد الاجتماعي»، جزء من مشكلة الإنترنت تشجيعه على «اختراع الذات»؛ إذ يمكن لأي شخص التخفي خلف شاشة الحاسب الآلي لجهازه دون أن يشعر بالتهديد من الكشف عن ذاته، أو يضطر لمواجهة رفض الآخرين له أو عدم تقبلهم.

ويمكننا عبر الإنترنت أن نبرز ما نرغب أن يراه الآخرون من صفات مع إخفاء عيوبنا، حتى في الصور الشخصية وخاصيات تعديل الملامح (الفلاتر)، في يد الصغار اليوم تقنيات كاملة صنعت لتساعدك على خلق ذات جديدة، وهو ما تصفه الكاتبة البريطانية أوليفيا لاينج بأنه عادة ذهنية مغرية، ولكنها خطيرة.

«كيف بإمكانك وصف الشعور بالوحدة ؟ إنه أشبه بكونك جائعاً ، بينما كل من حولك يستعدون لتناول وليمة».

* أوليفيا لاينج

على الرغم من أن الإنترنت يضمن للمشارك اتصالًا دائمًا ويعزز احترام الذات – بحسب لاينج، إلا أنه تحوّل في ذات الوقت لفضاء للتنمر، والضغط للظهور بصورة أكثر مثالية، وهي مساحة لم تكن موجودة سابقًا، والنتيجة تآكل الشعور الوهمي بالأمان على الفضاء الإلكتروني، ليصبح سلاحًا ذا حدين، ملاذًا للوحدة، ومكان للمراقبة والحكم على الآخرين.

وعلى العكس من شخصية الرسام آندي وارهول التي بدأت بها كتابها، وتصريحاته العديدة عن رغبته في التحول إلى آلة قائلًا: «إن التكنولوجيا حررته من حاجته للبشر». وتشير الكاتبة أوليفيا لاينج إلى أن التكنولوجيا الحديثة ربما دمرت الحواجز بين الناس، وتخشى من أن يصبح حل الهوية الفردية هو الحل المستقبلي لمسألة الوحدة، كما تقول في نهاية كتابها «المدينة الوحيدة».

كتب

منذ سنة واحدة
«مغامرات في فن البقاء وحيدًا»: محاكم تفتيش أوليفيا لينج حول الوحدة المعاصرة

المصادر

تحميل المزيد