هجوم مسلح على مبنى مجلة ساخرة قد يؤثر على مصير المسلمين في الجمهورية العلمانية. لم تكن أحوال مسلمي فرنسا أبدًا هادئة؛ صراع حول ارتداء الحجاب، تصريحات مناهضة للنقاب. جيل حائر بين ذوبان يمحو الهوية الإسلامية وتعصب يؤدي على أقل تقدير إلى النبذ والعزلة. والأسوأ هو الهجمات الإرهابية التي عانت منها فرنسا على مر الأربعة عقود الماضية.

ومع تقدم ملحوظ لليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية الأوروبية والانتخابات المحلية الفرنسية، هل ينجح اليمين المتطرف في ترحيل جميع مسلمي فرنسا؟!

اقرأ أيضًا: الهجوم على صحيفة تشارلي إيبدو: 6 أسئلة ستشرح لك كل شيء

 

مسلمو فرنسا

لا تعترف فرنسا منذ عام 1905 بالأديان ولا تعاديها، دستورها ينص أنها «جمهورية علمانية، لكنها تحترم كل الأديان». يُعامل الإسلام في فرنسا كما تعامل جميع الأديان. تشير أغلب التقديرات أن عدد المسلمين في فرنسا يترواح بين 5 إلى 6 ملايين . لكن من أين أتى هذا العدد المهول؟!

 

منذ عام 1830، غزت فرنسا الجزائر. وفي ذروة الحرب العالمية الأولى جنّدت فرنسا تجنيدًا إجباريًا عددًا كبيرًا من المسلمين من مستعمراتها؛ الجزائر والمغرب وأفريقيا الغربية، فمرسوم 14 سبتمبر سنة 1916م شديد الوضوح: “…القيام بالتشجيع على التشغيل الطوعي وإلا فالتجنيد الإجباري للجزائريين”.

وبعد الحرب العالمية الأولي سيطرت فرنسا على سوريا ولبنان كذلك. استقر العديد من الفرنسيين في شمال أفريقيا، ولإعادة بناء ما دمّرته الحرب قرّرت فرنسا سنة 1920 المزيد من استجلاب العمّال، فوصل عدد المهاجرين المسلمين إلى 70000 جزائري ونحو عددهم من المغاربة.

وما بين عامي 1940 و1945 أرسلت الحكومة الفرنسية إلى كل من والي الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة «تأمرهم» بإرسال (10000) عاملٍ في كل شهر. لكن استحواذ الحلفاء على شمال أفريقيا علّق هذا الإرسال. وبعد الحرب العالمية الثانية تزايد عدد المسلمين ليبلغ أرقامًا هائلة. فبغية إعادة التعمير وتطوير القطاع الصناعي، وسواء احتلت فرنسا بلادًا إسلامية أم انسحبتْ عنها فقد صحب ذلك في كلتا الحالتين هجرة لأعداد ضخمة من المسلمين إلى أرضها.

 

اليمين المتطرف وحرب الهوية

“مارين لوبان: فرنسا عليها من اليوم محاربة التطرف الإسلامي”

 

عام 2014 كان عامًا لليمين المتطرف بامتياز، حصد حزب الجبهة الوطنية المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان نحو 25% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأوروبية، ما فتح باب التكهنات والاستطلاعات على مصراعيه بقدرة حزب لوبان على اكتساح أي انتخابات فرنسية مقبلة بما فيها سباق قصر الإيليزيه الرئاسي في العام 2017.

وفي الانتخابات المحلية التي شهدتها فرنسا فاز حزب الجبهة الوطنية المتطرف بزعامة مارين لوبان برئاسة 11 بلدية، وهي نتيجة غير مسبوقة في تاريخ البلاد. ما جعل الحزب يعلن أن الأولوية التي سيسهر عمد البلديات الذين ينتمون إليها هي تطبيق اللائكية من خلال حذف أطباق السمك التي كانت تخصص للأطفال المسلمين في المطاعم المدرسية كبديل عن أطباق لحم الخنزير.

بعض عمد المدن هددوا بطرد أي تلميذ من المؤسسة التعليمية في حال رفضه تناول لحم الخنزير في مطعم المدرسة. *فابيان إنغلمان سياسي فرنسي يشبه الإسلام بالنازية ويخير أبناء المسلمين بين لحم الخنزير أو الجوع.

 

 

 

ويقول السياسي الفرنسي المتطرف:

” قرأت قرآن المسلمين فوجدته مخيفًا، إن الإسلام عقيدة محمدية خطيرة للغاية ومعادية للديمقراطية وحقوق المرأة وكل الحريات لدينا، وأنا أرفض هذه الطائفية الأيديولوجية على أرضنا وأتعهد بمحاربتها وأعترف أنني في كل مرة أقرأ فيها القرآن ينتابني خوف شديد.

 

وكان إنغلمان قد تسبب في موجة غضب عارمة وسط الجالية المسلمة فور تنصيبه رئيسًا لبلدية مدينة هيانج، حين تعهد بإجبار أبناء المسلمين في مقاصف مدارس المدينة التي يرأس بلديتها على أكل لحم الخنزير أو مواجهة الجوع.

شن فابيان إنغلمان أول رئيس بلدية ينتمي لحزب الجبهة الوطنية المتطرف في فرنسا هجومًا حادًا على الإسلام مشبهًا إياه بالنازية.

مراسل الجزيرة باكيًا “أيام المسلمين في فرنسا ستكون صعبة إذا تدخل اليمين المتطرف، بعد الهجوم المسلح”.

 

 

الأدب ضد مسلمي فرنسا!

انتحار فرنسا

إيريك زمّور كاتب وإعلامي فرنسي يكفي ظهوره في برنامج ما لترتفع نسب المشاهدة إلى أرقام قياسية. كتابه “الانتحار الفرنسي” أثار جدلا كثيرًا في فرنسا وبيع منه نحو 400 ألف نسخة في أسابيع، وتهافتت عليه المحطات التلفزيونية الفرنسية للنقاش حول مضمون هذا الكتاب الذي يعتبر أن حربًا أهلية ستنشب في فرنسا بسبب الضعف التدريجي للدولة -الأمة الفرنسية وعدم تحكمها بعاملين هما الاقتصاد والهجرة.

زمّور يلعب باستمرار على وتر المهاجرين بخاصة المسلمين في فرنسا، ويتهمهم بتكوين جاليات منفصلة عن بقية الفرنسيين، ويطالبهم بالعيش على الطريقة الفرنسية كأن يسموا أولادهم بأسماء فرنسية، وأن تكون للرجل زوجة واحدة فقط، وأن يحبوا تاريخ فرنسا ويشعروا بالانتماء له.

 

وفي مقابلة أجراها مع جريدة إيطالية قال: “إن الفرنسيين اضطروا إلى مغادرة الأحياء الشعبية والضواحي الفرنسية بسبب التواجد الكثيف للمسلمين الذين يعيشون بينهم وحيث يطبقون قانونهم المدني وهو القرآن”. وفي سؤال آخر: هل تقترح إذن ترحيل خمسة ملايين مسلم فرنسي؟ أجاب:

“أعرف طبعا أن هذا الحل ليس واقعيا لكن من كان يتخيل أن يغادر مليون فرنسي من الأقدام السود الجزائر بعد الاستقلال أو أن يترك ما بين 5 و6 مليون ألماني أوروبا الوسطى والشرقية حيث كانوا يعيشون منذ قرون”.

وأضاف زمور إن الوضع في فرنسا مرشح للانفجار وسيؤدي إلى حرب أهلية لأن ملايين الناس يعيشون في فرنسا لكنهم يرفضون العيش على الطريقة الفرنسية.

رواية الخضوع

 

هل الرواية منشور معاد للاسلام بهيئة عمل أدبي؟!

كتب مراسل بي بي سي في باريس هيو سكوفيلد عن نشر رواية تصور فرنسا على أنها بلد متأسلم تدرس جامعاتها الطلاب القرآن وتجبر النساء على ارتداء الحجاب والحكومة تسمح بتعدد الزوجات. في العام 2022، تواصل فرنسا انهيارها التدريجي البطيء، فيما يتولى زعيم حزب إسلامي رئاسة البلاد. تشجع النساء على ترك أعمالهن، مما يؤدي إلى انخفاض معدل البطالة. الجريمة تختفي في الأحياء السكنية الفقيرة المكتظة.

أما الشعب الفرنسي المخدر والفاسد، فيعود إلى سليقته التي عودنا عليها منذ الحرب العالمية الثانية، وهي التعاون مع المحتل أيا كان ويتقبل فرنسا المتأسلمة الجديدة. هذه هي الحبكة “المستفزة” للرواية الجديدة التي نشرها أشهر الروائيين الفرنسيين المعاصرين ميشيل ويلبيك.

يصف الفيلسوف وعضو الأكاديمية الفرنسية آلان فينكيلكراوت ويلبيك بأنه: أعظم روائي يستشرف ما قد يحصل في المستقبل. ويمضي للقول “بإثارته موضوع أسلمة فرنسا في نهاية المطاف، أثار ويلبيك المواجع وجعل التقدميين يصرخون من الألم”.

 

اليسار ومحاولة توحيد المجتمع الفرنسىي

 

دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وأحزاب اليسار الحاكم إلى مسيرة لجميع الفرنسيين- يوم الأحد الحادي عشر من يناير 2014، من أجل المطالبة بوحدة المجتمع الفرنسي والتنديد بالهجوم الدامي الذي استهدف أسبوعية “شارلي إيبدو” الساخرة، وأودى بحياة 12 شخصًا. سيشارك في المسيرة جميع أحزاب اليسار واليمين باستثناء الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان التي لم توجه إليها الدعوة حتى الآن.

هل ستشارك الجبهة الوطنية المتطرفة في المسيرة الكبيرة “المسيرة الجمهورية” ليوم الأحد؟

مشاركة اليمين المتطرف في “المسيرة الجمهورية” التي دعت إليها أحزاب اليسار الأحد، للمطالبة بالوحدة الوطنية والتنديد بالهجوم الدامي الذي استهدف أسبوعية “شارلي إيبدو” الساخرة، يقسم الطبقة السياسية الفرنسية، بين مؤيد يعتبر أن هذا التجمع سيكون موعدًا جمهوريًا يجمع كافة طبقات المجتمع الفرنسي، ومعارضٍ يعتبر المواقف المتطرفة المعادية للمسلمين التي يتبناها اليمين المتطرف يمكنها أن تؤجج الصراع بين الفرنسيين.

 

ترقب وقلق بين المسلمين في فرنسا

 

دعا المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، إلى عدم اتخاذ جميع مسلمي فرنسا بما فعله مرتكبو الهجوم. وناشد “كل المتمسّكين بقيم الجمهورية والديمقراطية، الابتعاد عن الاستفزازات التي لا تؤدي إلا إلى صبّ الزيت على النار”، مطالبًا الجالية المسلمة في فرنسا بالتزام أقصى درجات الحذر إزاء أي ألاعيب محتملة تصدر عن مجموعات متطرفة.

 

القلق والترقب أكثر ما يؤرق المسلمين في فرنسا بعد «حادث الصحيفة»”

تواصل عدد من الدول الأوروبية رفع حالة الخطر الأمني إلى مستويات قياسية خشية من هجمات مماثلة، و تفاجأ مواطنون مسلمون في النمسا بكتابات عنصرية على حائط مسجد «تونا»، أثناء توجههم للمسجد لأداء صلاة الفجر.

وفي ذات السياق يتوجه وزير العدل الأمريكي إريك هولدر إلى باريس للمشاركة في اجتماع أوروبي أمريكي حول الإرهاب بناء على دعوة وزير الداخلية الفرنسي. الاجتماع سيعقد في مقر وزارة الداخلية الفرنسية وسيتطرق إلى “سبل مواجهة التهديدات الإرهابية والمقاتلين الأجانب ومنع التطرف العنيف”.

أي مصير ينتظر مسلمي فرنسا خلال الأيام القادمة؟ وأي مفاجآت سيحملها الاجتماع الأوروبي الأمريكي؟!

 

المصادر

تحميل المزيد