لسنوات طويلة غابت روسيا عن الساحة الدولية متأثرة بفوضى فترة التسعينات التي شهدت انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، لكنها فرضت نفسها فجأة على الأحداث في العالم عندما نجح جيش روسيا في ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014، رغم الرفض الغربي الواسع، وصمودها في وجه العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها جراء الخطوة.

ثم جاءت العملية الروسية المفاجئة في سوريا، والتي أظهرت تطورًا كبيرًا في الإمكانيات والقدرات العسكرية الروسية، وأبرزت خططها للمستقبل، وعودتها لمنطقة كانت تاريخيًا في بؤرة اهتمامها؛ ما يعني أن موسكو اختارت منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الإستراتيجية لتكون مسرحًا لإظهار تطور قدرات جيش روسيا، وعودة صورة «القطب الثاني» التي اختفت مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وبسط الولايات المتحدة سيطرتها المنفردة على النظام العالمي.

ومنذ سبتمبر (أيلول) 2015 أعاد تدخل جيش روسيا في سوريا تشكيل المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط، وازدادت خيارات موسكو بشكل أكبر في ظل وجود قواعدها العسكرية طويلة الأمد في شرق البحر المتوسط، وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تحد من دورها في المنطقة تدريجيًا، تاركة الغرب يقر بآثار وجود قوة أخرى في الشرق الأوسط.

واكتسبت العملية الروسية في سوريا أهميتها أيضًا من كونها أول عملية تطلقها موسكو خارج نطاق دول الاتحاد السوفيتي السابق منذ نهاية الحرب الباردة، ورغم أن العملية العسكرية الروسية لم تكن واسعة، ولكنها كانت مكثفة وطموحة، وفاجأت العديد من الخبراء الغربيين، وسارع بعضهم لاستنتاج أن روسيا يمكن أن تهزم في سوريا مثلما حدث مع الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي.

لكن موسكو، على الرغم من تلك التحليلات، استطاعت تنفيذ عملية مختلفة تماما في سوريا، لأن الروسي فلاديمير بوتين درس بعناية سقوط الاتحاد السوفيتي وكان يناقش ابتداء من عام 2004، أسباب وملابسات هذا السقوط، ليدرس كيف يعود بروسيا اليوم لتنافس على صدارة الأمم.

ووفق ما نقله معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى عن الخبير العسكري الروسي، روجر ماكديرموت، فإن «عملية سوريا يمكن أن تكون نموذجا يقود عملية صنع القرار العسكري في المستقبل»؛ ما يعني أن العملية كان لها أصداء خارج روسيا نفسها، وتظهر كيفية تخطيط روسيا للمستقبل.

لماذا اختار جيش روسيا الشرق الأوسط لإظهار قدراته؟

تاريخيًا، كان لروسيا القيصرية مصالح طويلة الأمد في الشرق الأوسط، ووريثها الاتحاد السوفيتي برز منذ تأسيسه كفاعل أساسي في المنطقة وخاض صراعًا مع الولايات المتحدة فيها، وواحدة من الأزمات الأولى في الحرب الباردة وقعت في 1946 حين رفض الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين سحب الجيش الأحمر من إيران، ما أبرز أهمية الشرق الأوسط في طموحات الكرملين، وكما لاحظ الخبير جوناثان الفورد في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فإن «منطقة الخليج تقع في إحدى الحلقات الداخلية إن لم تكن تقع في الحلقة الأضيق لمنظومة الأمن في الاتحاد السوفيتي».

ماذا يفعل مرتزقة روسيا في أفريقيا الوسطى؟

وبالنسبة لواضعي الإستراتيجيات الدفاعية في روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي، كان من الضروري أيضًا حماية الجناح الجنوبي لمنطقة شرق المتوسط. وكان هذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة للاتحاد السوفيتي لأنه كان في جوهره دفاعًا عن أمن الاتحاد في مواجهة «الناتو»، كما أن الاتحاد السوفيتي كان نشطًا بشكل كبير في الشرق الأوسط، ونشر بشكل روتيني قواته في المنطقة لدعم حلفائه في صراعاتهم خلال الحرب الباردة.

جيش روسيا.. مشكلات هيكلية ومعاناة طويلة 

كانت فترة التسعينات صعبة ومتفردة في التاريخ الروسي على كافة المستويات، إذ تفكك الاتحاد السوفيتي، وانسحبت وريثته روسيا من الساحة الدولية وخاصة الشرق الأوسط، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991، سقط الجيش الروسي في حالة من الفوضى، وضربت المشكلات القوات المسلحة خلال تسعينات القرن الماضي والسنوات الأولى في الألفية الجديدة. وأدى استشراء الفساد والتدريب الضعيف ونقص الموظفين المؤهلين والرواتب الضعيفة في بعض الأحيان، إلى انخفاض الروح المعنوية للقوات الروسية.

وبرزت الحالة الصعبة للجيش الروسي في أغسطس (آب) 2008، عندما غزت موسكو جورجيا، ورغم أن الجيش الروسي سيطر على المعركة خلال أيامها الخمسة، ظهرت العديد من المشكلات مع الوضع في الاعتبار أنهم يواجهون خصمًا صغيرًا.

ووفق تقرير استخبارات الدفاع المنشور في 2017، فإن المقاتلات والمدفعية الروسية أخطأت أهدافها، ولجأ قائد ميداني لاستخدام هاتف خلوي للتواصل مع قيادة الجيش، وخسر سلاح الجو عدة مقاتلات بسبب التصويب الخاطئ للدفاعات الأرضية الروسية، كما عانى الجنود الروس من قلة التركيز، وفي بعض الأحيان كانوا في حالة سكر.

2008.. ضربة البداية في طريق الإصلاح

دفع الأداء الضعيف في الحرب الجورجية موسكو إلى تدشين إصلاحات هيكلية واسعة وطويلة الأمد في القوات المسلحة وصفتها وسائل الاعلام المحلية بـ«المظهر الجديد»، لكنها في الواقع كانت أكبر بكثير من مجرد عملية تجميل سطحية.

وعلق روجر ماكديرموت، الخبير العسكري الروسي، على الإصلاحات الروسية قائلًا: «إن مدى التغيرات في الجيش غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». وبالفعل نجحت هذه الإصلاحات في تحسين إمكانيات وقدرات القوات الروسية، وزودت الجيش بقيادات ميدانية أكثر كفاءة ومرونة وقادرة على التفكير الإبداعي. وفي الفترة الحالية أصبح الجيش الروسي أفضل كثيرًا مما كان عليه في 2008 بفضل خطة الإصلاح الطموحة.

وعلى صعيد التسلح، تعمل روسيا بنشاط لتطوير صواريخ ومقاتلات تفوق سرعتها سرعة الصوت، كما تعمل على صناعة طائرة عملاقة بإمكانها زيادة سرعة الصواريخ التي تطلقها ومداها، ووفق الخبير العسكري ميشيل كوفمان، فإن الروس يركزون بالأساس على قدرات الردع بعيدة المدى، وتوظيفها في صورة صواريخ أرض جو، وصواريخ مضادة للسفن، صواريخ للهجوم الأرضي، ما يمنحها ميزة تكتيكية وإستراتيجية.

«كيف فعلها بوتين؟» رغم الأزمة الاقتصادية.. تصاعد في النفوذ العسكري الروسي

أما بالنسبة للقوات البحرية، فإن موسكو لا تملك قاعدة صناعية لبناء السفن الكبيرة، ولذلك فإن طموحاتها في المياة الزرقاء تحتاج سنوات لتحقيقها. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأسطول الروسي عمل في الفترة الأخيرة على بناء فرقاطات صغيرة ومتخصصة، وسفن مقاتلة أصغر.

وعمدت البحرية الروسية إلى تسليح السفن الصغيرة بصواريخ «كاليبر» المضادة للسفن والغواصات، ما يجعل تلك السفن الصغيرة في حال استخدامها بأعداد كبيرة، تمثل تهديدًا كبيرًا للخصوم، نظرًا لصعوبة استهدافها مقارنة بالسفن الكبيرة.

ولم يتوقف الأمر عند تطوير الأسلحة وإمكانات القادة، حيث قام الجيش الروسي بتطوير نفسه، عن طريق دراسة طويلة ومتأنية للجيوش الأخرى في العالم. كما درس الخبراء الروس بشكل مكثف عمليات عسكرية غربية سابقة مثل عمليتي البلقان وأفغانستان، وكذلك العمليات الغربية في الشرق الأوسط مثل عمليتي عاصفة الصحراء وحرب العراق.

وبصفة عامة، فإن الجيش الروسي مر منذ 2008 بعدة إصلاحات رئيسة أسفرت عن تحسن واضح في ديناميات عمله وأدواته دون التخلي عن استراتيجياته التاريخية، المتمثلة في نشر قوات برية على أرض المعارك. وعلى سبيل المثال، يظهر النشاط العسكري الروسي في سوريا استمرار للإستراتيجيات التاريخية للكرملين عن طريق نشر قوات خاصة مدربة تدريب عالي المستوى، وتكيف مع الواقع الجديد، حيث استندت العملية بالأساس على توجيه ضربات جوية مكثفة ومحددة الهدف. وكما أشار رئيس مؤسسة جيمس تاون البحثية الأمريكية، جلين هاورد ومساعده ماثيو تشيكيغ، فإن بوتين يعيد روسيا إلى فكرة الحرب المحدودة (تعني بالأساس استخدام جانب من مصادر قوة الدولة (القوات الجوية) لتحقيق أهداف لا ترتقى للهزيمة الكاملة للخصم) التي لطالما استخدمها القادة السوفيت والقيصريين، وفق معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.

ولا يمكن فصل التطور العسكري الروسي عن التطورات الأوسع في السياسة الخارجية والداخلية لروسيا؛ فالدولة الروسية تنظر تاريخيا إلى القدرات العسكرية كأداة رئيسية في السياسة الخارجية والداخلية، ووفق الخبير العسكري الروسي ألكسندر حولتز، فإن القادة الروس يعتبرون المواطنين موارد بشرية للحرب منذ تأسيس القوات المسلحة الروسية قبل 300 عام. 

ويضيف جولتز «بُنيت أيدلوجية الحكم في روسيا على فكرة الدولة كمعسكر عسكري وحصن تحت الحصار»، متابعًا: «وفي ظل حكم فيلاديمير بوتين، تتبع روسيا هذا الاتجاه بشكل متزايد، حيث يجري عسكرة الدولة بشكل متزايد ما يدفع باتجاه عسكرة المجتمع أيضا»

معركة سوريا.. جيش روسيا يعود من الباب الكبير وينهي احتكار أمريكا

قررت موسكو التدخل عسكريا في سوريا عام 2015، وعينها على المستقبل، فبالإضافة لرغبتها في غرس قدم قوية في الشرق الأوسط، والجناح الجنوبي لشرق المتوسط، حيث تقع أحد أهم دوائر أمنها القومي، أرادت القيادة الروسية استعادة صورة القوة العظمى مجددًا، وإحداث قدرًا من الضرر في موقع الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي.  

وفي هذا الإطار، مثلت سوريا موقعًا مهمًا لردع الولايات المتحدة في منطقة جنوب المتوسط ذات الأهمية الإستراتيجية، كما يوفر نقطة انطلاق لمزيد من الأنشطة الروسية في المنطقة، وبصفة عامة، اتبعت موسكو إستراتيجية ذكية لتحقيق أهدافها في سوريا، حيث اعتمدت بالأساس على الضربات الجوية المكثفة، وقصف صاروخي شنته سفنها في المتوسط. وعلى الأرض، تشكلت القوات الروسية بالأساس من قوات خاصة على أعلى مستوى من التدريب والتسليح، كان دورها الأساسي تدريب القوات الحليفة على الأرض وتقديم النصيحة والمساعدة والقيام بمهام الاستطلاع الخاصة. 

بنت موسكو هذه الإستراتيجية على أساس أن طهران وحلفائها سيقومون بالعمل الأكبر على الأرض، حتى لا تتعرض القوات الروسية لخسائر مادية أو بشرية كبيرة، ونجحت روسيا بالفعل في إبقاء بشار الأسد في السلطة وبسط السيطرة على معظم الأراضي السورية، وتحويل المعركة إلى خيار بين «داعش» أو الأسد. 

وبعيدًا عن الأسد، فإن الأسلحة والمعدات التي جلبتها موسكو لسوريا، وخاصة منظومة «إس 400» للدفاع الجوي وصواريخ كروز والصواريخ البالستية، عكست رغبة روسية واضحة في البقاء في الأراضي السورية لوقت طويل.  وفي أغسطس الماضي، كشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن موسكو استغلت سوريا كساحة لتجريب أسلحتها الجديدة، وفي مارس (آذار) 2018، قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إن موسكو جربت 210 سلاح في الأراضي السورية، حسب ما نقلته عنه وكالة تاس الروسية.

الأمر لم يتوقف على غرس الروس أقدامهم في الشرق الأوسط الذي ظل لسنوات طويلة حكرًا على الولايات المتحدة، فموسكو نجحت أيضًا في اختبار عقيدتها العسكرية الجديدة خلال عمليتها في سوريا. وبات بالإمكان القول إن عقيدة موسكو العسكرية باتت تعتمد على الضربات الجوية الموجهة بدقة لتحقيق الأهداف العسكرية دون الحاجة لاحتلال أراض عن طريق نشر قوات برية كبيرة، وبذلك، باتت العسكرية الروسية تركز بالأساس على العمليات الجوية الاستراتيجية وأسلحة الدفاع الجوي المتطورة والذخائر الموجهة بدقة.

الرقص على التناقضات.. كيف تخطط روسيا بذكاء للسيطرة على الشرق الأوسط؟

بهذه الإستراتيجية الطموحة، نجحت روسيا في تحقيق التوازن بين أهدافها على المدى القصير المتمثلة في إبقاء الأسد في السلطة، وأهدافها طويلة الأمد وهي ردع الغرب في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وبصفة عامة، أظهرت العملية العسكرية في سوريا مدى التطور الذي يتمتع به جيش روسيا في ظل الموارد الاقتصادية المحدودة مقارنة بالولايات المتحدة والصين، وخاصة في ظل العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على موسكو منذ ضم شبه جزيرة القرم. 

ورغم أن الولايات المتحدة وحلفائها ما زالوا الأكثر تأثيرًا في منطقة الشرق الأوسط، فإن المنطقة باتت مهمة من الناحية الاستراتيجية بالنسبة للروس وبات وجود جيش روسيا فيها أمرًا واقعًا، وبصفة عامة، سيكون لأنشطة موسكو الحالية في الشرق الأوسط تداعيات على المدى الطويل. فالكرملين استغل فرصة سانحة لوضع أصبعه في أعين الغرب، لكن مع رؤية مستقبلية ترمي إلى ردع الغرب وحلف شمال الأطلسي عبر الوجود العسكري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولم يتوقف الأمر عند الشرق الأوسط، فالسياسة الروسية المتطورة على الصعيدين الداخلي والخارجي ستضع الغرب تحت ضغط كبير خلال السنوات المقبلة.

المصادر

عرض التعليقات