أصدرت المحكمة العسكرية بالناحية العسكرية الأولى بالبليدة، اليوم السبت، حكمًا ببراءة رجال النظام السابق بالجزائر؛ الجنرال محمد مدين (الشهير بالجنرال توفيق) والسعيد بوتفليقة واللواء بشير طرطاق ولويزة حنون من «تهمة التآمر على سلطة الدولة والجيش» التي واجهها المتهمون ونالوا عليها أحكامًا نهائية بالسجن تراوحت بين 15 سنة و20 سنة؛ ويأتي حكم البراءة هذا في سياق هجومٍ معاكسٍ على جناح قائد أركان الجيش الفريق الراحل أحمد القايد صالح في السلطة، فقد سبق أحكام البراءة، رجوع الجنرال الهارب خالد نزار والذي صدر في حقّه حكمًا بـ20 سنة سجنًا إلى الجزائر، إضافةً إلى إقالاتٍ عديدة وسط الألوية والقيادات القريبة من قائد الأركان الراحل.

اجتماعٌ مشبوه لقلب السلطة.. من هنا بدأت الحكاية

في الثلاثين من مارس (آذار) 2019؛ اجتمع كلٌ من الفريق محمد مدين مدير المخابرات الأسبق، والسعيد بوتفليقة شقيق ومستشار الرئيس الجزائري السابق، والجنرال بشير طرطاق إضافةً إلى رئيسة حزب العمال لويزة حنون، وكان جدول أعمال ذلك الاجتماع مناقشة المرحلة الانتقالية، واتفق المجتمعون على اسم لقيادة البلاد في تلك المرحلة مع تحييدٍ تامٍ لنائب وزير الدفاع الوطني الفريق الراحل أحمد قايد صالح.

كان الاسم المجمع عليه في ذلك الاجتماع لقيادة البلاد هو الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال؛ الذي رفض الخطة التي عُرضت عليه وقام بكشف خبايا الاجتماع للمؤسسة العسكرية، لتبدأ حملة رئيس الأركان حينها الفريق أحمد قايد صالح ضدّ من أسماها بـ«العصابة».

ففي الخامس من مايو (أيّار) 2019؛ قامت قوات الأمن الجزائرية بأمرٍ من الفريق الراحل باعتقال سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره، والرئيس السابق لجهاز المخابرات الفريق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق، إلى جانب خليفته في المخابرات اللواء بشير طرطاق ثمّ تلتحق بهم رئيسة حزب العمال لويزة حنون؛ بتهم تتعلّق بـ«التآمر على الجيش والحراك الشعبي».

وخلال التحقيق تمّ استدعاء الجنرال خالد نزار – الرجل القوي السابق في الجزائر إبان تسعينيات القرن الماضي – بوصفه شاهدًا في جلسةٍ عُقدت في 14 مايو من العام نفسه، وكشف نزار أن السعيد بوتفليقة أخبره أنه يعتزم عزل الفريق قايد صالح بهدف وضع حدّ لحركة الاحتجاج ضد شقيقه؛ غير أنّ الجنرال نزار لم يلبث أن فرّ خارج البلاد بعد أسابيع، من ذلك ليصدر في حقّه حكم بالسجن وتصدر مذكرة دولية للقبض عليه.

مع نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2019؛ بدأت محاكمة المتهمين الأربعة وأطلق على تلك المحاكمة اسم «محاكمة القرن»؛ واستمرّت المحاكمة لعدّة أيّام قبل أن تصدر أحكامٌ وصفت بالثقيلة في حقّ المتهمين، إذ أصدرت المحكمة العسكرية بالقليعة حكمًا بالسجن 15 سنة ضد المتهمين الأربعة، وقامت محكمة الاستئناف بتثبيت الأحكام في 10 فبراير (شباط) 2020.

وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، قبلت المحكمة العليا الطعن بالنقض التي تقدّمت بها هيئة دفاع المتهمين الثلاثة، وأطلق سراح زعيمة حزب العمال لويزة حنون بعد أن أصدرت ذات المحكمة حكمًا ببراءتها؛ ومنذ ذلك الوقت بدأ العدّ التنازلي لموعد براءة المتهمين الثلاثة من تهمة التآمر.

عربي

منذ سنة واحدة
بعد عام من الحراك الشعبي في الجزائر.. أين رجال بوتفليقة الآن؟

 فقبل نهاية فصول المحاكمة؛ أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية، قرارًا مثيرًا للجدل يقضي باستخلاف رئاسة المحكمة العسكرية بالبليدة بالناحية العسكرية الأولى بصفة مؤقتة، وحسب القرار المؤرخ في 5 نوفمبر 2020، كُلِّف صادق فضل الله، رئيس المحكمة العسكرية بتمنراست في الناحية العسكرية السادسة بضمان استخلاف رئاسة المحكمة العسكرية بالبليدة في الناحية العسكرية الأولى ابتداء من يوم 8 نوفمبر بصفة مؤقتة.

كما تمّ قبلها تغيير الوكيل العسكري من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون؛ وهي الجزيئات التي اعتبرها المتابعون مقدّمات لأحكام البراءة!

وقبل نهاية السنة المنصرمة؛ كشف محامي الجنرال التوفيق فاروق قسنطيني لوسائل الإعلام، أنّ موكله يقضي فترة نقاهةٍ خارج السجن بأحد المستشفيات العسكرية لمدّة ثلاثة أشهر؛ وهي التصريحات التي لم تعلّق عليها وزارة الدفاع الجزائرية آنذاك.

واليوم، في الثاني من يناير (كانون الثاني) 2021؛ أصدرت المحكمة العسكرية بالبليدة حكمًا ببراءة المتهمين الثلاثة، وإطلاق سراح الجنرال توفيق، فيما بقيّ كل من الجنرال بشير طرطاق وسعيد بوتفليقة رهن الحبس الاحتياطي في ذمّة قضية أخرى لم يتم الكشف عنها بعد.

واليوم بعد سنةٍ كاملةٍ من وفاة الفريق أحمد قايد صالح، وبعد «الريمونتادا» التي شنّها جناح كلٍّ من الجنرال توفيق والسعيد بوتفليقة لتصفية تركة صالح؛ يصدر القضاء العسكري الجزائري أحكام البراءة لفائدة المتهمين الأربعة، وبذلك ينتهي فصل الصراع بين الجناحين وتعود الجزائر حسب الكثير من المتابعين إلى حضن جناح مدير المخابرات الأسبق؛ الجنرال توفيق.

تصفية جناح القايد صالح والخطوة الأولى في براءة رجال النظام السابق بالجزائر

يربط الكثير من المتابعين للشأن الجزائري إعلان أحكام البراءة لفائدة كلٍ من الجنرال توفيق، وسعيد بوتفليقة وبشير طرطاق بسياق تصفية جناح قائد الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح؛ فمنذ وفاة الأخير أخذ منحى الأحداث بالجزائر مسارًا معاكسًا للاتجاه الذي رسمه الفريق صالح.

الجنرال الراحل أحمد قايد صالح

عدّة ملامح رسمها هذا التوجه على الأرض، بدايةً من الوفاة الغامضة للجنرال صالح نفسه، والتي يتهّم فيها البعض أطرافًا بالمؤسسة العسكرية والرئاسة بالوقوف ورائها، ومن ثم مطاردة واعتقال المساعد الأول المتقاعد قرميط بونويرة المعروف بأنّه خزنة أسرار الجنرال صالح بعدها.

إضافةً إلى سلسلةٍ من الإقالات والاعتقالات والوفيات الغامضة في صفوف قيادات والألوية والضباط القريبين من صالح؛ ووصولًا إلى السماح للجنرال الفار خالد نزار بالعودة إلى الجزائر، وإسقاط جميع التهم التي أصدرها القضاء العسكري ضدّه في فترة تولي القايد صالح لمقاليد الحكم بالمؤسسة العسكرية.

ولا يمكن إغفال التحوّل الذي شهده الإعلام الجزائري سواءً الرسمي أو الخاص في تناوله للأحداث؛ فقد انقلبت تغطيات وسائل الإعلام الجزائرية بنسبة 365 درجة، وتحوّلت المنابر الإعلامية إلى ميادين للهجوم على مسار الفريق الراحل، وغيّب الإعلام ذكرى وفاته الأولى!

هل ساهم توقف الحراك في براءة المتهمين الأربعة؟

لعلّ أبرز سببٍ في التحوّل السياسي الذي تعيشه الجزائر، والذي كانت أحكام براءة الجنرال توفيق وسعيد بوتفليقة واللواء بشير طرطاق أحد تجلياته؛ هو توقف الحراك الشعبي بسبب انتشار جائحة كورونا، فقد كان الحراك يمثّل الخطر الأكبر على النظام السابق، وعمل النظام الحالي بجهدٍ على إنهائه عبر القمع والاعتقال تارةً وعبر الإغراء وبثّ الفرقة وسط مكوناته تارة أخرى.

الحراك الشعبي يستعد للعودة من جديد

ويلاحظ المتابع للأحداث بالجزائر أنّ مسار تبرئة المتهمين في قضية التآمر ضدّ الجيش تسارعت في الفترة التي توقف فيها الحراك، وسط تزايد الاتهامات للنظام الجزائري باستغلال أزمة كورونا وتوقف الحراك من أجل تحقيق أهداف من بينها تبرئة العصابة؛ ولكن ذلك لم يمنع الكثير من الفاعلين بالحراك إلى الدعوة إلى بعث الحراك من جديد والعمل عبر الوسائل المتاحة من أجل الضغط على النظام.

مرض تبون.. الفرصة التي سرّعت في إعلان براءة «العصابة»

بينما كان النظام يضع اللمسات الأخيرة على تحضيراته لإجراء الاستفتاء على الدستور في موعده المحدّد في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020؛ أعلنت الرئاسة الجزائرية في 24 أكتوبر (تشرين الأوّل) خضوع الرئيس عبد المجيد تبون لحجر صحي طوعي لمدة خمس أيّام بعد الاشتباه بإصابته بفيروس كورونا.

انقطعت أخبار تبون خلال تلك الفترة، حتى أعلنت الرئاسة عن نقله على جناح السرعة إلى المستشفى العسكري بعين النعجة بالعاصمة الجزائرية، ومن ثم أُعلن عن نقله إلى العاصمة الألمانية برلين بواسطة طائرة إسعافٍ فرنسية للعلاج بأحد المستشفيات العسكرية الألمانية وسط تكتّمٍ شديد حوّل حالته الصحية وإشاعاتٍ متتالية عن وفاته.

ولم يظهر الرئيس الجزائري منذ ذلك الحين إلّا في 13 ديسمبر (كانون الأوّل)، حيث ظهر في فيديو مقتضب على حسابه على موقع «تويتر» وهو في حالة مرض، يشكر الجزائريين على اهتمامهم بصحته ويؤكّد فيها تواجده في العاصمة الألمانية برلين في فترة نقاهة.

وقبيل نهاية السنة؛ أعلنت الرئاسة الجزائرية عن عودة تبون من رحلة علاجه وظهر الرئيس الجزائري وهو يوّقع على موازنة سنة 2021، جالسًا على كرسيّ وسط أنباء عن عدم قدرته على الوقوف!

ويرى الكثير من المهتمين بالشأن الجزائري؛ بأنّ مرض الرئيس الجزائري وضعفه خلال الأشهر السابقة ساهم بشكلٍ كبير في ترسيم براءة المتهمين بالانقلاب على الجيش والدولة، فقد بقيت الجزائر بدون رئيس لمدّة 50 يومًا!

عربي

منذ 7 شهور
ما أشبه اليوم بالبارحة.. 4 ملفات تعيد إلى أذهان الجزائريين شبح سنوات بوتفليقة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد