بعدما تمكّن الجيش المصري في حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، من العبور من غرب قناة السويس إلى شرقها، وتخطي خط بارليف شرقًا، اتخذ الرئيس المصري أنور السادات، قرارًا أثار الجدل بين قادة الجيش المصري، أدّى لحدوث ثغرة الدفرسوار التي استغلها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتسبب في محاصرة الجيش المصري!

خلاف قادة الجيش حول تطوير الهجوم شرق القناة

في العاشر من أكتوبر 1973 وقعت نقطة تحول خطيرة في الحرب بانسحاب القوات السورية من هضبة الجولان؛ مما دفع جيش الاحتلال الاسرائيلي بملاحقة الجيش السوري، مقتربًا من العاصمة السورية دمشق. في هذه الأثناء طلبت إسرائيل دعمًا عكسريًا من أمريكا، واستجابت أمريكا لطلب حليفها وأمّدتها على مدار أيام الحرب بأعداد ضخمة من السلاح والذخيرة والدبابات والطائرات المقاتلة الحديثة، وفي المقابل طالب الرئيس السوري حافظ الأسد نظيره المصري أنور السادات باتخاذ إجراء لتخفيف الضغط على الجبهة السورية.

وهنا وقع جدل بين الرئيس المصري، ورئيس أركان الجيش المصري الفريق سعد الدين الشاذلي، وطالب السادات بتطوير الهجوم شرق القناة، نحو منطقة المضايق الإستراتيجية بعُمق حوالي 40 كيلومتر؛ لتخفيف الضغط عن سوريا، وهو ما يستدعي تقدم الجيش خارج خط الدفاعات المصري والابتعاد عن حائط صواريخ الدفاع المصرية، المتمركزة غرب القناة، وهو ما رفضه الشاذلي الذي قال في حوار تلفزيوني: «قولتله لا يمكن تخفيف الضغط عن سوريا، طالما أن العدو يتمتع بقوات جوية قوية ومتفوقة تمنع تعاون الطرفين».

مجموعة من قيادات الجيش المصري في غرف العمليات

وأشار الشاذلي إلى ما جرى التأكيد عليه في اجتماع مجلس الدفاع المشترك، الذي عقدته الجامعة العربية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971، خلال حرب الاستنزاف، والذي قال فيه: «نظرًا للوضع المركزي التي تتمتع به إسرائيل، ونظرًا لتفوقها الساحق في الطيران، لا تستطيع الجبهة المصرية أن تخفِّف الضغط عن الجبهة السورية، ولا الجبهة السورية تستطيع أن تخفِّف الضغط عن الجبهة المصرية، فيما لو حدث أن ركَّز العدو على إحدى الجبهتيْن. ولذا لا بد أن تمتلك كل جبهة القدرة على الصدّ بمفردها».

ولكن السادات أصّر على قراره بتطوير الهجوم باعتباره قراره سياسيًا واجب التنفيذ من القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ مما اضطر الشاذلي لتنفيذه وإيصاله للقادة الميدانيين، وبموجب ذلك القرار توجه اثنين من الضباط لإبلاغ قائدي الجيش الثاني والثالث  الميدانيين بتنفيذه.

«التعليمات اللي سيادتك بعتها مش هنقدر ننفذها»

هكذا قال كلٌّ من الفريق عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني، وعد مأمون قائد الجيش الثاني الميداني في رد تلفوني من القائدين للشاذلي بمجرد وصول الأوامر إليهما، وأزاد مأمون رفضه لتطوير الهجوم باالإعراب عن استعداده لتقديم استقالته. رفض التطوير أيضًا جاء من قائدي الفرقة السابعة، والفرقة 21 مدرعة، ولكن القيادة السياسية برئاسة السادات وتأييد وزير حربيته أحمد إسماعيل أصّرت على تطوير الهجوم، بالرغم من المخاطرة ورفض القادة الميدانيين.

السويس.. قصة مدينة منعت إسرائيل من تحقيق الانتصار في حرب أكتوبر

إسرائيل تعلم عن تحركات الجيش المصري بفضل «جاسوس»

اتخذ السادات قرار تطوير الهجوم وأوصله لقادة الحرب يوم 12 أكتوبر، وبعد ساعات قليلة من اتخاذ القرار وصلت المعلومة للعدو الإسرائيلي، عن طريق جاسوس مصري يعمل لصالح إسرائيل، قال: «إن الجيش المصري يُخطط لتطوير الهجوم، وأوصل تلك المعلومة إلى تسفي زامير، رئيس الموساد الإسرائيلي حينها، وهنا بدأت تحركات الجيش المصري تتماشى مع رغبة جيش الاحتلال الإسرائيلي بجّر الدبابات المصرية شرق القناة، والحرب وفقًا لقواعد إسرائيل وتحت تحصيناتها».

«عرفنا أنه في اللحظة التي ستتحرك فيها مدرعاتهم سوف ندمرها كلها»

هكذا أكّد زامير في فيلم وثائقي عن الحرب، وفي الفيلم نفسه اعتبر أهارون ليفران، المسؤول في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن «هذه المعلومات الاستثنائية التي حصلنا عليها يوم 12 أكتوبر هي التي أنقذت إسرائيل».

فيلم وثائقي عن حرب أكتوبر من إنتاج قناة «العربية»:

وبالفعل تحولت المعلومة المرسلة إلى إسرائيل إلى صوت وصورة ظاهرة لجيش الاحتلال في اليوم التالي عندما اخترقت طائرة أمريكية الجبهة المصرية وصوّرت الاستعدادات المصرية لتطوير الهجوم، بحسب شهادة اللواء أركان حرب متقاعد أحمد عكاشة، الذي قال إنه أثناء مروره على غرفة العمليات شاهدوا الطائرة التي صوّرت الجبهة المصرية يوم 13 أكتوبر.

خسائر مصر.. 13 ضعف خسائر إسرائيل

«إنه اليوم الأكثر مأساوية منذ بداية الحرب، لم أفهم لمَ اتخذ السادات هذا القرار» *سعد الدين الشاذلي، مُعلقًا على قرار تطوير الهجوم شرق القناة

وبالرغم من هذه المعلومات ومعارضة قادة الجيش المصري الميداني لتطوير الهجوم، أصّر السادات عليه، ليبدأ الهجوم المصري صباح يوم 14 أكتوبر عام 1973، وتندلع في شرق القناة واحدة من أكبر معارك الدبابات في التاريخ، شاركت فيها نحو ألفي دبابة.

مثّلت تلك الخطوة مخاطرة إستراتيجية كبيرة على الجيش المصري؛ ليصبح الجانبين كالآتي: الجيش المصري يبتعد عن مظلة تحصيناته ومساحة أمانه وتسير دباباته في الصحراء المكشوفة، نحو جيش الاحتلال الإسرائيلي المتمركز  بشكل ثابت ومحصن في مواقعه المميزة فوق التلال والمرتفعات، بل والمدعوم بطائراته المقاتلة البعيدًا عن الدفاعات الجوية المصرية، والتي وجدت في الدبابات المصرية المكشوفة على الصحراء الواسعة صيدًا سهلًا بلا مخاطرة.

صورة مجسمة لثغرة الدفرسوار (المصدر: بي بي سي)

النتيجة كانت مؤسفة وقاسية على الجيش المصري؛ بخسارته نحو 13 ضعف ما خسره نظيره الإسرائيلي؛ إذ خسرت مصر نحو 260 دبابة في مقابل خسارة إسرائيل 20 دبابة فقط، وانسحاب الجيش المصري نحو الضفاف الشرقية، بعتاد يبلغ نحو 100 ألف مقاتل، وألف دبابة، ولكن ثغرة قدرها نحو ميل، جلبت الكثير من المعاناة للجيش المصري.

الثغرة التي استغلّها العدو لمحاصرة الجيش المصري

مع الانسحاب والاستقرار المصري شرق القناة ظهرت ثغرة الدفرسوار بين الجيش الثاني الميداني والجيش الثالث الميادانيين وهي ثغرة ساعدت في كشفها طائرات الاستطلاع الأمريكية، واكتشفها ميدانيًا الجنرال أريل شارون في دورية استطلاع، ومن هنا بدأت الخطة، بأن يرسل شارون 750 جندي مظلات غرب القناة، لتمهيد الطريق للاختراق الإسرائيلي غرب القناة.

وفي 15 أكتوبر 1973 بدأ الهجوم الإسرائيلي الذي يستهدف اختراق الثغرة للوصول إلى غرب القناة، لتحطيم الدفاعات الجوية المصرية غرب القناة ومحاصرة الجيش المصري المتواجد شرق القناة، على أن يكون العبور من خلال جسرًا متحركًا بنته إسرائيل عام 1972 خصيصًا لهذا الغرض يبلغ طوله 180 متر ووزنه 400 طن يلزم تجميعه ثلاثة أيام قبل تحريكه عبر 12 دبابة ويحتاج لـ15 ميلًا كي يصل إلى القناة.

واجه جيش الاحتلال الإسرائيل نقطة دفاع قوية شرق القناة تتمثل في المزرعة الصينية، وكانت هي أقوى عقبة أمام أهداف إسرائيل باستغلال الثغرة وعبور غرب القناة، وكان لابد من تدميرها لتمرير القوات الإسرائيلية من شرق القناة إلى غربها، والأمر لم يكن سهلًا على الإسرائيليين.

«كان المصريين منتشرين كعش الغراب، كانوا يُطلقون النار من ثلاث جهات كان الأمر أشبه بجحيم، فالنيران والطلقات في كل مكان، أخبرت صديقي أننا لن نخرج من هنا أحياء، هذا مكان موتنا»

هكذا يحكي أحد المظليين الإسرائيليين المشاركين في المعركة ليظهر في كلماته حجم الصعوبة والدموية التي كانت فيها المعركة التي انتصرت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلية في النهاية، وتمكّنت يوم 16 أكتوبر من بدء المرور إلى غرب القناة، وهو مرور لم يكتمل إلا يوم 19 أكتوبر، وفي صباح يوم 20  طالب الشاذلي بعودة أربعة ألوية مدرعة من شرق القناة نحو غربها لصد الهجوم، ولكن السادات اعتبر ذلك انسحابًا قد يُعرض النصر المصري للفشل وأمر ببقاء الجيش شرق القناة.

وبوصول قوات الاحتلال غرب القناة واجهوا مقاومة شديدة في البداية، ولكنهم واصلوا لتحقيق أهدافهم، وتدمير الدفاعات الجوية المصرية، وكان تدميرها أمرًا مصيريًا في الحرب غرب القناة؛ لأن الجيش الإسرائيلي أرضًا أصبح مدعومًا بطائرات المقاتلة جوًا التي  قصفت بأمان الجيش المصري على الأرض.

فيلم وثائقي عن حرب أكتوبر من إنتاج قناة «بي بي سي»:

وفي يوم 22 أكتوبر، وافق جيش الاحتلال على وقف إطلاق النار إعلاميًا، ولكن واقعيًا استمر جنود في التوسع أكثر لاحتلال المزيد من الأراضي المصرية غرب القناة، ومع الوصول إلى يوم 23 أكتوبر أصبح الجيش الثالث المصري محاصرًا، وقطع جيش الاحتلال الإسرائيلي خطوط الإمداد عن نحو 45 ألف جندي؛ لتصبح بذلك إسرائيل في موقع تفاوضي أكثر قوة.

وبعد نحو 100 يوم من الحصار، رفعت إسرائيل حصارها عن الجيش الثالث وفي يناير (كانون الثاني) 1974، أكمل الإسرائيليون المرحلة الأولى من الانسحاب من غرب القناة، وفي نهاية فبراير (شباط) اكتمل انسحابهم، وفي 19 فبراير 1974، كانت مصر تحتفل بالانتصار بحفل أقامه السادات في مجلس الشعب لترقية قادة الحرب وتكريمهم، في قائمة لم يغب عنه سوى قائد واحد، هو الفريق سعد الشاذلي.

ثغرة الدفرسوار.. هل كان في الإمكان أفضل مما كان؟

«خسرت إسرائيل في ثلاثة أسابيع فقط 2600 قتيل، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الخسائر الأمريكية في حرب فيتنام التي استمرت 10 سنوات»* أبراهام رابينوفيتش، مؤلف كتاب «حرب يوم الغفران»

تكبّدت إسرائيل خسائر فادحة في حرب أكتوبر التي مثّلت انتصارًا للمصريين بعبور القناة وإجلاء قوات الاحتلال الإسرائيلي عن أراضي سيناء، التي احتلتها عقب نكسة 1967، وهو انتصار أدى لخسائر بشرية كبيرة أيضًا على الطرف العربي (من 10 آلاف لـ16 ألف قتيل)، ولكن ربما كان في الإمكان أفضل مما كان لو لم يتسرّع السادات في تطوير الهجوم شرق القناة، بحسب قادة ميدانيين، ذلك التطوير الذي أعقبه ظهور ثغرة الدفرسوار التي استغلتها إسرائيل لمحاصرة الجيش المصري،

ففي كتابه «الصراع العربى الإسرائيلى: من مذكرات وذكريات الفريق عبد المنعم واصل» قال: «واصل قائد الجيش الثالث الميدانه، إن محاولاته مع مأمون قائد الجيش الثاني، فشلت في إقناع القيادة سياسية بتأجيل تطوير الهجوم، ورأى واصل أن التطوير كان يجب أن يجري بعد نقل عناصر الدفاع الجوي إلى شرق القناة وإرهاق العدو بسلسلة من عمليات الصد القوية، وبعد استطلاع دقيق  للمحاور وتصوير لدفاعات العدو على المضايق».

ويرى واصل في قرار السادات بالتطوير، خروجًا عن التخطيط المسبق، وكان يجب أن يعاد النظر فيه بعد تحسن الموقف على الجبهة السورية في نهاية 13 أكتوبر، بحسب كتابه، مُضيفًا: «وكان من الأفضل على القيادة العامة ألا تفرض أسلوبًا محددًا على الجيوش الميدانية لعمل المطلوب (تخفيف الضغط عن سوريا)، وكان يجب أن تُعطى المهمة لقادة الجيوش» ومعرفة قراراتها لتدعمها القياددة السياسية أو تعدلها لتحقيق الهدف، وهو ما لم يحدث.

فيما تحدّث الشاذلي في كتابه «مذكرات حرب أكتوبر» عن «الخطة بدر» التي تقتضي سيطرة الجيش المصري على عمق 10-12 كم شرق القناة، وهو عمق محمي بصواريخ الدفاع الجوي المصري، وإطالة أمد الحرب مع العدو لإجباره على الاستمرار في حشد الاحتياطي العسكري الكامل الذي يصل إلى نحو 18% من إجمالي سكان إسرائيل؛ مما يُعطل الأنشطة الحياتية في إسرائيل، وزيادة التحصين والاستعداد المصري شرق القناة ليكون موقعنا أكثر قوة ميدانيًا وسياسيًا.

ولكن هذا الخيار الاستراتيجي أيضًا رفضه السادات الذي فضّل وقف إطلاق النار والتوقيع بعد ذلك على معاهدة السلام (كامب ديفيد) 1978؛ لأنه رأى في إطالة أمد الحرب دخول مصر في حرب غير متاكفئة، مع إسرائيل وأمريكا التي تدعمها بقوة؛ مما قد يؤدي في النهاية إلى المزيد من الخسائر البشرية والمادية للجيش المصري، بحسب كتابه عن ذكريات الحرب «البحث عن الذات».

معركة الكرامة.. حين هزم العرب أعتى آلات الحرب الإسرائيلية بـ«الأسلحة البيضاء»

المصادر

تحميل المزيد