تعيش الجزائر منذ 22 فيفري (فبراير- شباط) الماضي، حراكًا شعبيًّا كبيرًا على خلفية ترشيح الرئيس الجزائري المنتهية ولايته، عبد العزيز بوتفليقة، لعهدةٍ رئاسيةٍ خامسة. تتصاعد مطالب وشعارات هذا الحراك جُمعةً بعد أخرى، وعلى مدار هذه التظاهرات التي عجّت بها ميادين الجزائر؛ لم تخل شعارات المتظاهرين من دعوة الجيش وقائده الفريق أحمد قايد صالح لمنع العهدة الخامسة، دعواتٌ جعلت الجيش الجزائري يخرج الأسبوع الماضي ببيانات متناقضةٍ، ما بين إعلان إجراء الانتخابات وتحمل الجيش مسؤولية الحفاظ على أمنها، وهو ما فُهم عند شريحةٍ كبيرةٍ من الجزائريين أنّه دعمٌ للعهدة الخامسة، وبين الترويج بأنّ الجيش يقف إلى صفّ الشعب وصوته.

وأمام الإبهام الذي حمله موقف المؤسسة العسكرية من الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد، اتجهت الأنظار صوب قائد أركان الجيش الفريق قايد صالح، الذي يمتلك شعبيةٍ جارفة لدى قطاعٍ واسعٍ من الجزائريين، بحكم العلاقة الطيّبة التي باتت تحكم الجزائريين بجيشهم، ناهيك عن التغييرات الأخيرة التي أحدثها الفريق في قيادات النواحي العسكرية، وكشفه عن قضايا الفساد، وأمام هذا الامتحان خذل صالح آمال الجزائريين بتصريحاته؛ التي حذّر من خلالها الجزائريين الثائرين على العهدة الخامسة من سنوات العشرية، وهي الخطابات التي جاءت نسخة طبق الأصل من رسائل بوتفليقة الأخيرة للأمة الجزائرية.

ويبررُ الفريق صالح موقفه من العهدة الخامسة بالاستمرارية التي ينادي بها أنصار بوتفليقة، وهو الموقف الذي رآه الجزائريون استفزازًا لمشاعرهم؛ كون الجزائر تتخبط منذ أكثر من 20 سنة في أوضاعٍ اقتصادية واجتماعيةٍ صعبة، رغم الأموال الباهظة التي صرفت في الفترة والتي ناهزت ألف مليار دولار؛ في هذا التقرير نسلط الضوء على أكثر شخصيةٍ جزائرية مثيرةٍ للجدل هذه الأيام، الفريق أحمد قايد صالح.

الرجل الأخطر في الجزائر.. الفريق أحمد قايد صالح الذي يتتبع الجميع خطواته

الفريق قايد صالح.. من ثائرٍ ضدّ الاستعمار إلى قائدٍ للأركان

ارتبطت حياة الفريق أحمد قايد صالح بالحروب، فعاش ريعان شبابه مقاتلًا بصفوف جيش التحرير الوطني في حربها ضدّ فرنسا من أجل الاستقلال، ثمّ كرس فترة كهولته متدرجًا في تولي المسؤوليات العسكرية، حتى صار قائدًا لقوات البريّة الجزائرية في سنّ 53 عامًا حين أسندت له مهام أقوى، قطعة من الجيش الجزائري في ذروة الحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر، محتفظًا بمنصبه ذاك 10 سنوات، محققًا خلالها نصرًا على المسلحين، جعل بوتفليقة يكرّمه بتعيينه قائدًا للأركان ثمّ نائبًا لوزير الدفاع.

وُلد أحمد قايد صالح يوم 13 جانفي (يناير- كانون الثاني) 1940، ببلدة عين ياقوت بولاية باتنة شرق الجزائر، وحسب سيرته الذاتية الرسمية المعلنة في الموقع الرسمي للوزارة الأولى الجزائرية، التحق القايد صالح بالحركة الوطنية مناضلًا، وعمره لا يتجاوز 17 سنة، ثم جنديًًا في جيش التحرير الوطني، انطلاقًا من الولاية الثانية للثورة بمنطقة المليلية بمحافظة جيجل، وبحكم هوسه بالمدفعية عيّن من طرف قيادة الثورة الجزائرية قائد كتيبة في الفيالق 29 و21 و39 لجيش التحرير الوطني أثناء الثورة الجزائرية.

وبعد الاستقلال، ومثل العديد من قادة جيش التحرير الوطني؛ أجرى الفريق صالح دورات تكوينية في الجزائر، ثم في الاتحاد السوفيتي السابق لمدة عامين من سنة 1969-1971 تخرّج منها بشهادة عسكرية من «أكاديمية فيستريل»، وبتخرجه بدأ قايد صالح مسلسل تسلق الرتب العسكرية وتقلّد المسؤوليات، بدايةً من قائدٍ لكتيبة مدفعية، ثم قائد للواء، إلى قائدٍ للقطاع العملياتي الأوسط ببرج لطفي بالناحية العسكرية الثالثة، ثم قائد لمدرسة تكوين ضباط الاحتياط بالبليدة في الناحية العسكرية الأولى.

وعيّن الفريق قايد صالح بعدها قائدًا للقطاع العملياتي الجنوبي لتندوف بالناحية العسكرية الثالثة، ثم نائبًا لقائد الناحية العسكرية الخامسة بقسنطينة، ثم قائدًا للناحية العسكرية الثالثة ببشار، فقائدًا للناحية العسكرية الثانية بوهران.

ومع دخول الجزائر من مطلع تسعينيات القرن الماضي في متاهة الحرب الأهلية بُعيدَ توقيف الجيش المسار الانتخابي، بعد فوز الإسلاميين في الانتخابات ودخول الجزائر حربٍ دموية، رقّي قايد صالح إلى رتبة لواءٍ يوم 5 جويلية (يوليو- تموز) 1993، بمناسبة عيد الاستقلال، ونظرًا إلى كفاءته العالية التي أبانها في تلك الفترة عُين قائدًا للقوات البرية عام 1994.

ظلّ قايد صالح قائدًا للقوات البرية الجزائرية طيلة عقدٍ من الزمن، وخلال تلك الفترة كانت البلاد تعيش واحدةً من أحلك أيامها فيما عرف بالعشرية السوداء، وقد كان للقوات البرية التي يقودها الفريق صالح دورٌ كبيرٌ في مواجهة الإرهاب والعناصر المسلحة، ليكافأ من خلالها على أدائه في العشرية السوداء، وحمايته الجزائر من خطر السقوط، بتعيينه من طرف بوتفليقة قائدًا لأركان الجيش الوطني الشعبي خلفًا للفريق محمد العماري يوم 3 أوت (أغسطس- آب) عام 2004.

ومع استمرار بوتفليقة في تغيير القيادة العسكرية، وجزّ رؤوس كبار الجنرالات التي لا تدين له بالولاء، وتعاظم علاقة قايد صالح بالرئيس بوتفليقة، قلّد الأخير القايد صالح رتبة فريق يوم 5 جويلية عام 2006، وعينه في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2013 نائبًا لوزير الدفاع الوطني الجزائري خلفًا لعبد المالك قنايزية، واحتفظ قايد صالح كذلك بمنصبه قائدًا للأركان وأعطيت له بعض صلاحيات قيادة المخابرات العسكرية.

قائد الجيش يرسل رسائل متضاربة.. أين وصلت الاحتجاجات الشعبيّة في الجزائر؟

محل ثقة بوتفليقة الذي تخلّص له من جميع الخصوم

مع توسع رقعة الانشقاقات التي يشهدها معسكر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة هذه الأيام؛ نتيجةً للحراك الشعبي الواسع الرافض لترشّح بوتفليقة، تتجه الأنظار إلى الفريق أحمد قائد صالح أحد أكثر الشخصيات العسكرية مقربةً من الرئيس بوتفليقة، الذي أبان إلى حدّ اللحظة وفاء كبيرًا للرئيس حتى في الوضعية الصعبة التي تعيشها الجزائر، وفاء القائد صالح لبوتفليقة ترجمته خطاباته المتكررة في زياراته الميدانية التي ما فتئ يؤكد فيها أنه: «يتلقى توجيهاته من عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني وزير الدفاع الوطني».

ارتباط الفريق صالح الوثيق بالرئيس بوتفليقة؛ يعود حسب مراقبين إلى إعادة بوتفليقة الاعتبار للقايد صالح بتعيينه قائدًا للجيش سنة 2004، وردًّا للجميل حرص قايد صالح على تدعيم العديد من القرارات التي اتخذها بوتفليقة بدايةً من مشروع التعديل الدستوري الذي كشفت عنه الرئاسة الجزائرية يوم 5 جانفي 2016، إذ رأى قايد صالح أن المشروع «بمثابة اللبنة القوية في بناء المسار الديمقراطي في بلادنا، والرؤية المستقبلية الصائبة الرامية لتثبيت مقومات الوحدة الوطنية»، وجاء ذلك في كلمة لقايد صالح أمام إطارات المؤسسة العسكرية، كما زار قايد صالح رفقة رئيس الوزراء الجزائري آنذاك؛ عبد المالك سلال، في جوان (يونيو- حزيران) عام 2013، الرئيس بوتفليقة عندما كان يعالج في «مستشفى فال دوغراس» بفرنسا، وصولًا إلى رفضه العديد من المطالبات التي تدعو الجيش الجزائري والفريق أحمد قايد صالح بالأخصّ، للتدخل في الشؤون السياسية للبلاد، غداة تدهور صحة الرئيس بوتفليقة وإصرار محيطه على ترشحه لعهدة خامسة.

وتأتي هذه المطالبات من بعض النشطاء في المشهد السياسي الجزائري، بعد الأداء الرفيع من الجنرال صالح في مكافحة الإرهاب، يوم ما كان قائدًا للقوات البرية، وخاضت قواته ورابطت طيلة العشرية السوداء التي ارتبطت في أذهان الجزائريين بالنزاع المسلح بين الجماعات الإسلامية، وقوات الأمن من شرطة، ومخابرات، وجيش، وكان للقوات البرية دورٌ كبيرٌ في تماسك الجيش وصدّه مسلحي الجماعات الإسلامية، حتى استتباب الأمن بإصدار بوتفليقة لقانون الوئام المدني، ثم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

Embed from Getty Images

ورغم نزول الآلاف من المسلحين، وتسليم أسلحتهم وتراجع الأنشطة الإرهابية في الجزائر إلى حدّ كبيرٍ، لم يتوقف الجنرال صالح من تهديده للإرهابيين، وأنّ معركته ضد الإرهاب لن تتوقف حتى تسليم آخر إرهابيٍّ لنفسه، وهو ما تجلى في العمليات التي يخوضها الجيش الجزائري ضد المسلحين، إذ لم يخل يومٌ تقريبًا إلّا ويعلن الجيش في بيانٍ له عن تسليم ارهابي نفسه للسلطات، وتشير الأرقام إلى تسليم أكثر من 100 إرهابي نفسه هذه السنة، يأتي على رأس من سلموا أنفسهم للجيش، أبو أيوب، عضو «تنظيم القاعدة » والمسؤول عن منطقة الساحل العربي الأفريقي.

ويعيش الجيش الجزائري على وقع استنفارٍ تامٍ على طول الحدود الجنوبية والشرقية، إذ يرابط عشرات الآلاف من الجنود الجزائريين على طول الحدود الجزائرية مع ليبيا ومالي، وذلك بعد تعاظم خطر الجماعات الإرهابية في كلا البلدين؛ خصوصًا بعد واقعة تيقنتورين في جانفي 2013، والتي نفذتها عناصر مسلحة ضد منشأة نفطية بعين أميناس، وخلفت عملية الاختطاف التي شهدت تدخلًا عسكريًّا من طرف الجيش الجزائري بناءً على أوامر من قايد صالح مقتل 29 إرهابيًّا وسقوط 30 رهينة من بينهم أجانب، وسط إشادة جزائرية ودولية لقرار الجيش عدم التفاوض مع الإرهابيين.

وفي أفريل (أبريل- نيسان) 2013، تعرَّض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لأكبر وعكةٍ صحيةٍ، ليخرج منها على كرسيٍّ متحركٍ، ويحتدم الصراع في أعلى هرم الدولة حول مسألة استمرار بوتفليقة في الحكم لعهدةٍ رابعةٍ. وقتها كان هناك رجل قوي يدعى محمد مدين ويعرف باسم الجنرال توفيق، هو من يشغل منصب مدير المخابرات الجزائرية لما يقرب من ربع قرنٍ، وفي أحلك أيّام الجزائر – العشرية السوداء- جاعلًا من نفسه أسطورةً حيّة من خلال تواريه عن الأنظار، والغموض الذي تركه من حوله. وأمام الوضع الصحي الصعب الذي مرّ به بوتفليقة، رأى الجنرال توفيق قائد جهاز المخابرات أنه: «ليس من اللائق استمرار بوتفليقة إلى عهدة رابعة في الحكم وهو مريض لتلك الدرجة»، لكن الفريق صالح تمسك ببوتفليقة ورفض السير في فلك المخابرات، لتنشأ لبنة صراعٍ بين من كان أقوى رجلٍ في الجزائر وبين من سيخلفه.

مرّ مشروع العهدة الرابعة بسلام، وفاز بوتفليقة رغم وضعه الصحي، وحان وقت الحصاد، ليعلن بوتفليقة عن إصلاحات في جهاز المخابرات، جرّد من خلالها الجهاز من صلاحيات عديدة كان يحوزها، من بينها صفة الضبطية القضائية، وتمثلت أهمُّ الإجراءات التي اتخذها بوتفليقة تجاه المخابرات؛ في نقل جهاز حماية الرئيس من سلطة المخابرات إلى سلطة الحرس الجمهوري، كما حلَّ قوات التدخّل السريع التابعة لجهاز المخابرات، وحوّلها لوحدات قتالية تابعة لوزارة الدفاع الوطني، واختتم بوتفليقة وقايد صالح انتقامهما من الجنرال توفيق بتوقيع بوتفليقة في 14 من سبتمبر عام 2016، قرار إقالة الجنرال توفيق.

لكن الجنرال توفيق لم يكن الضحية الوحيدة، إذ سرعان ما واصل قايد صالح تقليم أظافر خصومه، والتي من بينها الجنرال حسان المقرّب من الجنرال توفيق، الذي حكم عليه بالسجن لمدة خمسة سنوات بتهمة «إتلاف وثائق ومخالفة التعليمات العسكرية»، في محاكمة جرت في جلسة مغلقة.

وفي أواخر شهر ماي (مايو- أيّار) الماضي، تمكنّ الجيش الجزائري من وضع يده على أكبر قضية تهريبٍ للكوكايين في تاريخ الجزائر، إذ تمكنت مصالحه من حجز أكثر من سبعة قناطير من مادة الكوكايين الخام في ميناء وهران، ليبدأ على إثرها الفريق صالح في قطع رؤوس دفعة جديدة من خصومه، بدايةً مع المرشّح الإعلامي لخلافة بوتفليقة قائد الأمن الوطني اللواء عبد الغاني الهامل، الذي وجّه انتقادًا للجيش على وقع قضية الكوكايين بقوله إنّ «من يحارب الفساد يجب أن يكون نظيفًا»، ثم إقالة قائد الدرك الوطني اللواء مناد نوبة بعد ثلاثة سنوات من تعيينه، واستمرت سلسلة الإقالات لتشمل كلًّا من مدير الشؤون المالية بوزارة الدفاع الوطني، الفريق بوجمعة بودواور، ومدير الموارد البشرية بوزارة الدفاع الوطني، مقداد بن زيان، وكذا تنحية اللواء محمد الصالح بن بيشه، بصفته مديرًا للخدمة الوطنية بوزارة الدفاع الوطني.

وفي التاسع من فيفري الماضي، أعلن التحالف الرئاسي عن ترشيح الرئيس المنتهية ولايته، عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة، ترشّحٌ أكده بوتفليقة بعد يومٍ فقط عبر رسالةٍ، للأمة أكد فيها أنّ ترشحه يأتي لاستكمال مسيرة الإنجازات. الأمر الذي دفع بشريحةٍ واسعةٍ من الجزائريين للخروج يوم 22 فيفري في مظاهرات سلمية رافضة لترشيح بوتفليقة، ورغم الطابع الحضاري الذي شهده ذلك اليوم في الجزائر، بالرغم من التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطة على المظاهرات، خرج الفريق أحمد قايد صالح في اليوم الخامس من الاحتجاجات ليصدم الجزائريين من خلال وصفه المتظاهرين بالمغرر بهم.

وقال الفريق صالح في كلمة أمام قيادات عسكرية بالمنطقة العسكرية السادسة (جنوب): «هل يعقل أن يتم دفع بعض الجزائريين نحو المجهول من خلال نداءات مشبوهة، ظاهرها التغني بالديمقراطية، وباطنها جر هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة وغير مأمونة»، وأضاف صالح في كلمته أن هذه المسالك «لا تؤدي حتمًا إلى خدمة المصلحة العليا للجزائر، ولا لتحقيق مستقبلها المزدهر».

وأكّد الفريق في ختام كلمته أن «الجيش الوطني الشعبي – بحكم مهامه الدستورية- يعتبر أن كل من يدعو إلى العنف بأي طريقة كانت وتحت أي مبرر أو ظرف، هو إنسان يجهل أو يتجاهل رغبة الشعب الجزائري في العيش في كنف الأمن والأمان».

لم يأخذ الجزائريين تهديدات الجيش الجزائري ونعته لهم بالمغرر بهم على محمل الجدّ، واستمرّ الحراك الشعبي الرافض للعهدة الخامسة الذي توسعت رقعته أكثر، الأمر الذي أجبر الجيش الجزائري على أن يصدر بيانًا جديدًا أعلن من خلاله الفريق أحمد قائد صالح أنّ الجيش سيضمن الأمن، ولن يسمح بعودة البلاد إلى «سنوات الجمر والألم»، ولن يسمح أيضًا بعودة البلاد إلى حقبة سفك الدماء، وأضاف: «الشعب الذي أفشل الإرهاب، مُطالب اليوم بأن يعرف كيفية التعامل مع ظروف وطنه»، مؤكدًا أن البعض يزعجهم رؤية الجزائر آمنة ومستقرة، وهي الرسائل التي فهمت من طرف المراقبين أنّها موجهة للدولة العميقة التي تريد استغلال الحراك الشعبي للعودة إلى السلطة.

وكان رئيس «حركة مجتمع السلم» الدكتور عبد الرزّاق مقري، قد وجّه رسالة إلى الفريق أحمد قايد صالح، طالبه فيها بتوضيح موقفه إن كان خطابه منحازًا للشعب أم تهديد له، كما أضاف في رسالةٍ وجهها عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، بأنّ «الخطر الوحيد على النظام العام، وعلى استقرار البلد هو النظام السياسي، سواء الذي أنت جزء منه وتقوم الآن بحمايته، أو الذي تحاربه وتوجه له رسائلك بأساليبك غير المباشرة».

وفي افتتاحية مجلة «الجيش»، لعددها الأخير الذي صدر الجمعة الماضية تزامنًا مع حراك 8 مارس (آذار) الذي شهدته البلاد، أبرز قايد صالح أنّ الجيش والشعب الجزائري، متماسكان ومصيرهما واحدٌ، ويمتلكان رؤية مشتركة للمستقبل، وهو الأمر الذي فُهم حسب المراقبين أنّ الجيش سيقف أخيرًا في صفّ الشعب الرافض للعهدة الخامسة.

«ترحلوا يعني ترحلوا».. احتجاجات الجزائر مباشرةً بين يديك

لماذا لم ينقلب الفريق أحمد قايد صالح على بوتفليقة؟

يبقى السؤال عن سبب رفض الفريق أحمد قايد صالح الانقلاب على بوتفليقة رغم عجزه؛ من أكثر الأسئلة التي يطرحها الجزائريون في هذه الفترة، رغم مطالبات الكثير من السياسيين والشخصيات الجزائرية للجيش بالتدخل للعب دورٍ في الانتقال السياسي الذي تشهده الجزائر، وتطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري الذي بموجبها يعزل بوتفليقة.

ويأتي رفض الفريق القايد صالح لهذه الدعوات بسبب العلاقة الجيدة التي تجمعه بالرئيس، والتي أعاد من خلالها دور الجيش السياسي الذي حجمه بوتفليقة في ولايته الأولى والثانية، ويأتي الدور الذي لعبه الجنرال صالح بالتحالف مع بوتفليقة ضدّ الجنرال توفيق على خلفية تسريب هذا الأخير وثائق سرية عن فساد قايد صالح ومقربين من بوتفليقة إلى موقع «ويكيليكس»، ليكشف تخندق الجيش خلف بوتفليقة.

ورغم إخفاء القايد صالح طموحاته السياسية طيلة الفترة السابقة؛ فإنّ التغيرات التي شهدتها الواجهة السياسة والعسكرية بالجزائر خلال السنوات الأخيرة، ومرض بوتفليقة وعجزه عن ممارسة مهامه، كشفت عن صراعٍ على السلطة بين الفريق صالح وشقيق الرئيس السعيد بوتفليقة الطامح لخلافة أخيه، وتجلى هذا الصراع بحسب ما ذكره موقع «Algerie Part» الناطق بالفرنسية، في تقريرٍ له أن مصالح الرئاسة الجزائرية بإيعاز من السعيد بوتفليقة أعدت سنة 2018 قائمةً باسم قيادات النواحي العسكرية الجزائرية الستة ليجري تغييرهم بقياداتٍ جديدة، غير أن قايد صالح رفض وجمد هذا التغيير في آخر لحظة، وبحسب التقرير، يأتي اعتراض القايد صالح على هذه التعيينات بحسب مصادر أمنية إلى الصراع الخفي بين قايد صالح وشقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، الذي يتّهمُ من طرف البعض بأنه يختطف قرارات الرئيس، والتي كان آخرها قرار إلغاء قانون الخوصصة الذي أقره الوزير الأوّل أحمد أويحيى.

Embed from Getty Images

خطوة السعيد بوتفليقة في قصّ أجنحة الفريق أحمد قايد صالح داخل الجيش، كان عليها أن تنتظر ثمانية أشهر، ففي منتصف شهر أوت الماضي وقّع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على قرار إنهاء العديد من قيادات النواحي العسكرية، وهي الإشارة التي رأى المراقبون أنها محاولة لدرء أي انقلاب محتمل ضد الرئيس العاجز، خاصة وأن الإقالات شملت بعض الحلفاء المقربين نظريًّا من قايد صالح نفسه.

واستمرّ الصراع بين الأقطاب على السلطة ليبلغ ذروته منتصف العام الماضي، بعد سقوط سفينة الكوكايين الشهيرة في قبضة الجيش الجزائري، وهي الورقة التي استغلها الفريق صالح في التموقع أكثر، وفرض سلطته المطلقة على الجيش، وبقاءه حاكمًا خلف الستار.

وتعزو شريحةٌ واسعة من الجزائريين سبب امتناع القايد صالح عن الانقلاب على بوتفليقة، إلى الدور الذي ستلعبه فرنسا التي تدعم حكم بوتفليقة، وتمتلك امتيازات كبيرة بالجزائر في حالة حدوث انقلاب، خصوصًا أن فرنسا تولت ابتداءً من الفاتح مارس مسؤولية الرئاسة الدورية لمجلس الأمن مناصفةً مع ألمانيا؛ وتتخوف قيادة الجيش من أن تلعب باريس دورًا سلبيًّا في تدويل أي انقلابٍ قد تشهده البلاد.

ويقف الفريق قائد صالح مبررًا موقف الجيش من الحراك الشعبي المتصاعد في الجزائر ضدّ بوتفليقة، برغبة الجيش في الاستمرارية التي تشهدها البلاد، والتي مكنت الجزائر من الخروج من العشرية السوداء، وهي التبريرات التي لاقت رفضًا كبيرًا من الجزائريين، الذي رفعوا شعارات تطالب القايد صالح بالرحيل.

العهدة الخامسة لبوتفليقة «تجمع تناقضات» الجيش والأمن والاستخبارات في الجزائر

المصادر

تحميل المزيد