في العصر الإليزابيثي ألف وليم شكسبير مسرحيته الخالدة «هاملت» لُتعرض أمام جمهور تروق له المسرحيات التي تدور حول فكرة الانتقام، جمهور يريد أن يرى الانتقام والألم والغيرة والخيانة بأمِّ عينيه تتمثل كلها في مأساة حقيقية تدور في أزمنة يعرفها وتشبه تلك المآسي المبنية على قصص مألوفة لديه سواء كانت لها أصول تاريخية أم أسطورية.

وبذلك، كانت أسطورة أمير الدنمارك الذي قتل عمه والده ليظفر بالعرش ويتزوج امرأته هي ملهمة شكسبير التي بنى عليها حكاية هاملت أمير الدنمارك الذي يدرس في إنجلترا ويُستدعى إلى بلاده بعد وفاة والده ليفاجأ بزواج والدته من عمه وتنصيب عمه ملكًا على عرش المملكة، ثم يأتيه هاتف ويتراءى له شبح أبيه مخبرًا إياه أن أخاه قد قتله وأن عليه أن يثأر له منه ومن هنا تبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة والسعي للانتقام.

البراعة الشكسبيرية

بلغت براعة شكسبير الأدبية ذروتها في هذه المسرحية؛ فهو قد عمل على تهذيب النص الأصلي وتحويله من مجرد حكاية دموية مليئة بالصخب والوحشية إلى نص أدبي رفيع يثير فكر القارئ في الأمور المتعلقة بمعنى الحياة ومغزاها، وحقيقة الموت والخلود، ومدى تعقيد العلاقات الإنسانية، وحقيقة وجود الإله وكل ما يتعلق بالإنسانية تقريبًا، وكأنه أراد لهذه المسرحية أن تتلون بألوان شتى وكلما تقدم الزمن بها زاد ألقها وتعددت ألوانها وتفسيراتها وكثر الجدال والنقاش حولها.

يرى الشاعر الفرنسي «لويس آراغون» أن لكل منا «هاملته» الذي يعبر عن خصوصيته وثقافته ومدى فهمه للشخصية وتفاعله معها. وربما يتجلى هذا الأمر في المعالجات الإخراجية العديدة التي تناولت هذه المسرحية فكل مخرج قد قدمها وفقًا لمنظوره الخاص لتلك الشخصية المعقدة التي تحمل كمًا هائلًا من التناقضات الإنسانية والتي لا تكفي نظرية نفسية واحدة لتفسيرها، مما يجعل من هذا العمل الأدبي عملًا أبديًا يلائم كافة الأزمنة والثقافات، فإننا إن لم نكن نشارك هاملت عصره وظروفه فلابد أن مخاوفنا وشكوكنا وغضبنا قد تلاقت مع الأمير الفتى أكثر من مرة.

إضافة إلى ذلك، تعتبر «هاملت» واحدة من أهم وأكثر الأعمال الأدبية التي تمّ اقتباس فكرتها وشخوصها في العديد من الأعمال الأدبية والتلفزيونية، ولعل أحد أشهر الأعمال التي اقتبست فكرتها من قصة هاملت هو فيلم ديزني الشهير «الأسد الملك» وكذلك فيلم الخيال العلمي «حرب النجوم»، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة التي استمدت فكرتها من هاملت ولكنها قدمت منظورًا جديدًا ومختلفًا مثل المسرحية العبثية «موت روزنكرانتز وغيلدنسترن – Rosencrantz and Guildenstern are Dead» للكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير توم ستوبارد، والمسرحية الكوميدية «أنا أكره هاملت – I Hate Hamlet» للكاتب الأمريكي بول رودنيك، وكذلك المسرحية ذات الفصل الواحد «كلمات وكلمات وكلمات – Words, Words, Words» للكاتب الأمريكي ديفيد آيفز.

صورة لهاملت مع شبح والده الراحل.

أن تكون بطلًا أو لا تكون

قد تكون تعقيدات شخصية هاملت وتفردها هي ما جعلت من هذا العمل عملًا أدبيًا يصلح لكل العصور، لدرجة أن بعض النقاد قد رأوه أفضل عمل أدبي على الإطلاق؛ فهاملت مختلف عن غيره من الشخصيات التي كتبها شكسبير إذ إنه لا يبحث عن شيء واحد فقط، أي أنه لا يبحث عن العرش، أو الحب، أو الانتقام على حدة، بل إنه يبحث عن كل ذلك بينما يتصارع مع الحياة نفسها. فالمعوقات التي وقفت في طريق انتقامه كانت تنبع من داخله هو وليست بسبب أمور خارجة عن إرادته؛ فهو قد سنحت له الفرصة أن يقتل عمه في غفلة من حراسه ولكنه لم يفعلها، بداعي أنه لو فعلها وقتله وهو يصلي ويناجي ربه فإن ذلك سيكون مغنمًا له وربما يذهب للجنة بينما هو يريد قتله وهو منغمس في معاصيه دون أن تتاح له فرصة للتوبة. وبذلك يحيا كلوديوس – عم هاملت – طوال المسرحية ولا يموت على يد هاملت إلا في المشهد الأخير، مما يضعنا أمام سؤال هام: هل يعتبر هاملت رجل أفعال أم مجرد فم يتشدق بالأقوال فقط ويجبن ويتراجع عند الفعل؟

قد يكون كل ما سبق قد ساهم في جعله هاملت مسرحية ذات مكانة متفردة في الأدب، ولكن أهم ما يميز هذا العمل الأدبي هو شخصية هاملت نفسها، فإلى جانب تعقيدها وتفردها فإنها قد تحققت فيها كافة العوامل المميزة للأبطال التراجيديين، مما يكشف عن أن شكسبير كاتب فذ قد استطاع أن يصنع شخصيته الأسطورية الخاصة التي تشبه أبطال الحكايات القديمة ويستدعيها الناس ويتمثلونها مثلها مثل باقي الشخصيات الأسطورية المعروفة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو تعريف البطل التراجيدي؟ باختصار البطل التراجيدي مثله مثل أي بطل آخر ولكنه يرتكب خطأ عظيمًا يفضي إلى موته الذي لا يكون ضروريًا في سياق الأحداث ولكنه يخدم الصالح العام. بالنظر إلى شخصية هاملت نجد أنه بطل تراجيدي بامتياز إذ إنه – وفقًا لرؤية أرسطو – يتحول من السعادة إلى الشقاء لا بسبب شر مستطير بل بسبب إثم عظيم يتردى فيه؛ فهو يبدأ المسرحية أميرًا صغيرًا يدرس في إنجلترا ثم يُستدعى إلى بلاده بسبب وفاة والده وهناك يداهمه شبح والده ليخبره بحقيقة مقتله. وأثناء سعيه لتبين الحقيقة والانتقام يرتكب إثمًا عظيمًا إذ يقتل والد حبيبته أوفيليا ويسيء إليها مما يتسبب في إقدامها على الانتحار وبالتالي يصر أخوها على الانتقام منه ويقتله في آخر الأمر أثناء مبارزة وقعت بينهما.

الألف وجه

صورة لما بعد المبارزة التي حدثت بين هاملت وليرتس (أخي أوفيليا). المصدر: pinterest

 

البطل ذو الألف وجه

في كتابه الذي يُعد من أفضل الكتب في القرن العشرين «البطل بألف وجه» يرى عالم الميثولوجيا الشهير جوزيف كامبل أن البطل الحقيقي إنما يحمل على عاتقه مصالح قبيلته، أو جماعته أو دولته، كما أنه يجب أن يخرج من عالمنا اليومي إلى عالم الخوارق، حيث يواجه تحديات صعبة عليه الفوز بها ليصبح بعدها إنسانًا أقوى مما كان عليه. وللمزيد من التوضيح حدد كامبل عدة مراحل يجب أن يمر بها البطل لكي يستحق لقب بطل أسطوري، وهذه المراحل تتكون من ثلاث مراحل أساسية وهي الرحيل، والمحنة، والعودة ومراحل أخرى فرعية تتمثل فيما يلي: مرحلة العالم اليومي، الدعوة للمغامرة، رفض هذه الدعوة، مقابلة شخص حكيم، تخطي عتبة عالم جديد، الاختبارات والحلفاء والأعداء، المحنة، المكافأة والموت.

بتطبيق هذه المراحل على شخصية هاملت نجد أنه مر بمعظمها مما يمنحه لقب بطل أسطوري بامتياز وفيما يلي شرح مبسط لهذه المراحل في حال كنت ترغب في أن تصنع بطلًا أسطوريًا على غرار هاملت وأبطال الحكايات القديمة:

  • العالم اليومي: يسرد كامبل في كتابه أنه يجب أن يتم تقديم معلومات كافية عن نسب البطل وخلفيته التاريخية، كما أنه يجب أن يُراعى تقديمه في صورة شخص غير مستقر بسبب أزمة كبيرة تعرض لها وهذا عينه ما حدث في «هاملت» إذ عُرف بأنه أمير الدنمارك الذي يموت والده فتتبدل أحواله ويعود إلى بلاده مكسور الخاطر ليُفاجَأ بزواج عمه من والدته وتنصيبه على العرش.
  • الدعوة للمغامرة: من هنا يجد التغير طريقه للبطل فيحدث له شيء ما – بسبب ظروف خارجية أو أمور داخلية تنبع من شخصه – يجبره على التخلي عن حياته الوادعة السابقة والشروع في بدء حياة أخرى جديدة. وهذا أيضًا ما حدث لهاملت حين تراءى له شبح والده الراحل ليخبره بحقيقة مقتله على يد أخيه ليمثل بذلك بداية التغيير في حياة الأمير الفتى الذي سيترك حياته السابقة ويبدأ حياة أخرى مليئة بالشكوك والسعي للانتقام.
  • رفض الدعوة: يخاف البطل في بداية الأمر من المجهول الذي ينتظره، ويحاول التملص من هذه الدعوة بشتى الطرق، وكذلك يخاف هاملت في بداية الأمر من شبح والده الراحل ويشكك في صدق كلامه ويقول مناجاته الشهيرة «أكون أو لا أكون هذا هو السؤال»، على الرغم من أنه سوف يصدق ما قاله الشبح بالنهاية.
  • مقابلة شخص حكيم: يقابل البطل شخصًا حكيمًا يرشده إلى الطريق الصحيح الذي عليه سلكه ويمده بالمعلومات والدعم الذي يحتاجه في رحلته. وقد مثل شبح والد هاملت الراحل دور الحكيم؛ فإلى جانب أنه قد أعلمه حقيقة مقتله فهو ظل أيضًا يمده بالنصائح والتوجيهات. فعندما يهم هاملت بتعنيف والدته على علاقتها بعمه أثناء حياة والده يخبره الشبح بأن عليه أن يرفق بوالدته ولا يغلظ لها الحديث.
  • تخطي عتبة عالم جديد: في هذه المرحلة يودع البطل حياته العادية ويدخل حياة أخرى تمتلئ بالفنتازيا وتحكمها قواعد وقيم جديدة مختلفة عن تلك التي كانت تسود حياته السابقة. وتبدأ هذه المرحلة عند هاملت حين يهم بتتبع شبح والده الذي يأتيه أول مرة صامتًا، وعلى الرغم من أن حارس القلعة وصديق هوارشيو يحاولان مرارًا إثناءه عن عزمه على متابعة الشبح، إلا أن هاملت يتبعه ويصدق كلامه ومنذ تلك اللحظة يودع حياة الخمول والدعة ويبدأ حياة أخرى مليئة بالشك ومحفوفة بالرغبة العارمة في الانتقام.
  • الاختبارات والحلفاء والأعداء: يختبر البطل في هذه المرحلة كافة المحيطين به ليميز الصديق من العدو. وقد أجرى هاملت هذا الاختبار على أصدقائه فاكتشف خبث كل من صديقي الدراسة – روزنكرانتز وغيلد نسترن – اللذين اتفقا مع عمه على التآمر عليه وأخذه معهم ثانية إلى إنجلترا والإيقاع بينه وبين الملك هناك حتى يقوم الأخير بقتله، بينما تيقن من صدق وولاء صديقة هوراشيو.
  • المحنة: يواجه البطل في هذه المرحلة – تقريبًا في منتصف العمل الأدبي – أعظم مخاوفه وربما يصل به الأمر إلى مواجهة الموت ليدرك أن لحظة الموت قد تتولد عن حياة جديدة مختلفة كليًا. وقد مثل موت أوفيليا ووالدها هذه المرحلة في حياة هاملت إذ إنه لم يتوقع أن تنتحر المرأة التي يحب كما أن هذا الأمر قد أسفر عن ظهور عدو جديد له سيكون موته على يديه – وهو ليرتس أخو أوفيليا -.
  • المكافأة: في هذه المرحلة يحصل البطل على مكافأته نظير شجاعته في مواجهة مخاوفه (مع الأخذ في الاعتبار أنه مهدد بفقدان هذه المكافأة ثانية)، وقد تكون هذه المكافأة عبارة عن كنز ثمين أو شيء أثمن من ذلك ألا وهو الحياة، إذ إن مكافأة هاملت في هذه المرحلة هي حياته التي توعد ليرتس بحرمانه منها.
  • الموت والتطهير: في هذه المرحلة يخضع البطل للاختبار الأخير في حياته ويتم تطهيره بواسطة تضحيته الأخيرة. وفي حالة هاملت فإنه قد خضع بالفعل للاختبار الأخير إذ دُعي إلى المبارزة بالسيف مع ليرتس، وعلى الرغم من أنه قد كسب أول جولتين إلا أن ليرتس – الذي كان قد تآمر مع كلوديوس مسبقًا – قد قام بتسميم نصل سيفه مما يؤدي إلى موت هاملت الذي ربما قد تطهر من ذنوبه في تلك اللحظة.

وبذلك فإن شكسبير لم يبرع فقط في خلق شخصية تعج بالتناقضات الإنسانية والتعقيدات وخلق نص أدبي اختلف الكثيرون على مر الأزمنة وحتى الآن في تأويله وإيضاح مدلولاته وعجز الكثيرون عن الإتيان بمثله، لكنه نجح أيضًا في صنع بطل يعرفه كل من يحب الأدب ويقتبسون شخصيته في فنون شتى كالشعر، والرواية، وصناعة السينما. لقد قدم شكسبير لنا بطلًا خالدًا ليس كغيره من الأبطال لأنه بطل يحمل ألف وجه ووجه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد