مقدمة

لا يمكن تناول الجغرافيا السياسية لأي دولة دون الأخذ في الاعتبار تعريفًا واضحًا للجغرافيا الخاصة بها، وفي إطار دراستنا للجغرافيا السياسية لفلسطين يبقى من الصعب الحديث عنها باعتبارها دولة قومية تتحكم في الإقليم الجغرافي الذي تحيا عليه ما يقودنا إلى التركيز أولاً على مفهوم الجغرافيا السياسية وصولاً إلى الجغرافيا في نهاية المطاف.

غير أن دراسة الجغرافيا السياسية لفلسطين ربما تقود إلى الجدل القائل بعدم وجود هوية وطنية فلسطينية الشيء الذي قد لا يجانبه الصواب إذا أخذنا في الاعتبار وجود دولة فلسطينية ذات هوية وموقع جغرافي في الوقت الحالي يحدد سياساتها.

 عوامل نشأة الجغرافيا السياسية الفلسطينية

بدأت القصة مع نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قامت الإمبراطورية العثمانية بتقسيم الشرق الأوسط إلى عدة أقاليم كان من ضمنها إقليم سوريا الذي يضم سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل, ومع تفكيك الإمبراطورية العثمانية من قِبَل بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الأولى وطبقًا لاتفاقية سايكس بيكو خضع الجزء الشمالي من الإقليم السوري للسيطرة الفرنسية فيما خضع الجانب الجنوبي للسيطرة من قبل بريطانيا التي قامت بدورها بتقسيم الجزء الجنوبي؛ حيث تم توطين الهاشميين في الضفة الشرقية من نهر الأردن فيما تم إطلاق اسم فلسطين على الضفة الغربية لنهر الأردن وعاصمتها القدس.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يكن هناك ثمة مطالبات من جانب الفلسطينيين لإنشاء دولة مستقلة بهم؛ حيث لم يكن مفهوم الدولة الأوروبي يسترعي انتباه المنطقة العربية للإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت.

شهدت المنطقة العربية في ظل الإمبراطورية العثمانية تدفقًا من قبل اليهود الأوروبيين في مجموعات صغيرة منذ عام 1880م في إطار حركة صهيونية مدفوعة بحلم إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين؛ حيث تم توطين المجموعات النازحة إلى المنطقة في أراضي تم شرائها من قبل اليهود انفسهم.

وفي الوقت الذي أضحت فيه بقية المناطق العربية دولاً طبقًا للمفهوم الأوروبي, أخذت تلك الدول منحى آخر فيما يتعلق برؤيتها لفلسطين، فسوريا على سبيل المثال رأت في فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الدولة السورية ما دفعها إلى معارضة فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

كما أن الموقف المصري تجاة الفلسطينيين لم يختلف كثيرًا عن الموقف السوري فبالرغم من الموقف المعادي الذي اتخذته الدولة المصرية تجاة إسرائيل منذ العهد الملكي وحتى ثورة يوليو 1952 مع مجيء جمال عبد الناصر إلا أنه ومع توغل الجيش المصري داخل الأراضي الفلسطينية إبان حرب 1948 فقد رأت القاهرة في غزة امتدادًا لشبة جزيرة سيناء وليس إقليمًا مستقلاً.

وبناء على ما سبق يمكن الجزم بأن مفهوم القومية الفلسطينية لم ينشأ لمجابهة إسرائيل فقط بل مثّل تحديًا أمام العالم العربي هو الآخر متمثلاً في القومية السورية والقومية الأردنية ورؤية عبد الناصر لإنشاء الجمهورية العربية المتحدة, فإذا كان ياسر عرفات هو بمثابة الأب للقومية الفلسطينية فلم يقتصر معسكر الأعداء المواجه له على الدولة الإسرائيلية بل امتد ليضم بين صفوفه السوريين والأردنيين والسعوديين وأيضًا المصريين.

 التحدي الفلسطيني وراء إسرائيل

بالرغم من أن إسرائيل هي عدو القومية الفلسطينية الأول إلا أن القضاء على الدولة الإسرائيلية لن يكون ضمانة كافية لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ولعل ما يكمن أن نشير إليه في هذا الصدد ما رأيناه من موقف الدول العربية تجاه عملية الرصاص المصبوب التي قامت بها إسرائيل ضد غزة فالدول العربية من جنبها اكتفت بقرارات الشجب والإدانة ولم تبادر باتخاذ أية خطوات عسكرية لوقف العدوان الإسرائيلي وهو ما يدلل على أن الدول العربية لا تكترث لقيام دولة فلسطينية في ظل قيام الدولة الإسرائيلية بل إنها حتى لا تكترث لقيام دولة فلسطينية بقدر ما تسعى نحو القضاء على إسرائيل الأمر الذى لا يبدو محتمل الحدوث في القريب العاجل، ما يدفع هذه الدول في المقابل إلى الوصول لصيغ تفاهم معها.

وعليه يمكننا القول بأن القومية الفلسطينية ولدت من رحم المعركة والصراع ليس فقط مع إسرائيل بل تعدى ذلك الصراع ليضم الدول العربية التي لم تكترث في حربها مع إسرائيل عام 1973 سوى بالقضاء على إسرائيل والحفاظ على مصالحها القومية دون الأخذ في الاعتبار إقامة أية دولة فلسطينية.

الجغرافيا

جغرافيًّا تنقسم فلسطين إلى دولتين منفصلتين ومختلفتين عن بعضهما البعض وهما الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يعاني من أزمة اقتصادية ويبقى السبيل الوحيد أمامه هو تصدير العمالة المحلية إلى إسرائيل، وهو ما يتشابه وإن كان بدرجة أقل مع وضع العمالة في الضفة الغربية التي شهدت هي الأخرى تصدير العمالة للدولة الإسرائيلية جيلاً بعد جيل وعليه فإن توقيع أي اتفاقية للسلام بين فلسطين وإسرائيل سوف يزيد بالطبع من تدفق العمالة الفلسطينية للسوق الإسرائيلي، وبالتالي تبقى المفارقة في أنه في الوقت الذي تتمتع به فلسطين بقدر من الحكم الذاتي فإن أي تسوية سيتم إنجازها سوف تؤول إلى تقويض الحكم الذاتي الفلسطيني ويزيد من اعتمادها على إسرائيل في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية وعسكرية كارثية.

 ويبقى الحل الوحيد لتلك المعضلة يتمثل ربما في القضاء على إسرائيل، الأمر الذي لا يبدو ممكنًا بالمقارنة لإمكانيات الدولة الفلسطينية غير أن الأهم هو موقف الدول العربية كما أسلفنا من قبل التي لا تكترث لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة حتى مع افتراض القضاء على إسرائيل, وبالتالي يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين من اتجاهات أربع تتمثل في إسرائيل والأنظمة العربية والجغرافيا التي تجعل من أي تسوية مقدمة للاستقلال والواقع الذي يعيشون في ظله.

إن الانقسام الحالي الذي تحياه الضفة الغربية وقطاع غزة ليس وليد اللحظة بل إن الانتداب البريطاني نفسه كان قد قسم فلسطين بين العرب واليهود عام 1948, كما أن الحدود الإسرائيلية التي نتجت عن تلك الحرب وحتى ما بعد حرب 1967 – التي احتلت فيها إسرائيل كلاً من قطاع غزة والضفة الغربية وفرضت نوعًا من السيطرة عليهما – يتم التعامل معها حتة الآن باعتبارها الحدود الإسرائيلية من قبل المجتمع الدولي.

تتمحور الفكرة الرئيسية لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الأساس حول الضفة الغربية وقطاع غزة مع بقاء القدس كقضية مشتركة بين كل من إسرائيل وفلسطين.

كما أن هناك ثمة اختلافات جوهرية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ففي الوقت الذي يعتمد فية قطاع غزة على الدعم الخارجي تتمتع الضفة الغربية بقدر من الاكتفاء الذاتي.

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد