رسام ومصمم أزياء، وفني صوت، وممثل اجتمعوا معًا في الحرب، ليس لإخراج فيلم دعائي أو رسم وتصميم بوسترات تحفيزية، ولكن للمشاركة فعليًّا في ميدان الحرب وجبهة القتال، قد تبدو الخطة غريبة، ولكن القيادة العسكرية الأمريكية آمنت بأن لأصحاب تلك المهن أدوارًا حيوية يمكن أن يصنعهوها وتغير نتيجة المعركة في جبهة القتال في الحرب العالمية الثانية، وأنشأت الجيش الوهمي الأمريكي.

طاقم عمل سينمائي على جبهات القتال

اجتمع الممثلون والفنانون والكتاب والمصممون ومهندسو الصوت ليكونوا أساس «الجيش الوهمي» لأمريكا أو «جيش الأشباح»، وهو جيش يتكون من 1100 أمريكي، السلاح الذي يحملونه ليس البنادق والرشاشات، بقدر ما كان حبك المكائد والأوهام لخداع النازيين وجنود الزعيم النازي أدولف هتلر ودول المحور في الحرب العالمية الثانية (1939 حتى 1945) بنشر أوهام ومعلومات مضللة حول قوة قوات الحلفاء، ومواقعهم وتحركاتهم.

برزت أنشطة جيش أمريكا الوهمي الذي كان يُعرف رسميًا باسم «قيادة القوات الخاصة رقم 23»، في الفترة من يونيو (حزيران) 1944، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وبقوة العقل لا العضلات نشط ذلك الجيش الوهمي في أوروبا، ونفذ أكثر من 20 مهمة عسكرية في الحرب العالمية الثانية، على جبهات قتال عدة في أوروبا تتضمن: فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وألمانيا على مدار الحرب.

شعار جيش الأشباح الأمريكي

الأمر كان أشبه بإنتاج فيلم سينمائي، وكل مجموعة لها دورها الخاص في إنتاج الفيلم، فمُصممو الأزياء صمموا زيًا موحدًا مزيفًا للقوات، يرتديها ممثلون يُقلدون الجنود الأمريكيين ويذهبون للحانات المحلية، حيث يتواجد الجواسيس النازيون ويتحدثون بصوت عالٍ عن مناورات زائفة وجنرالات غير موجودين، مدركين أن معلوماتهم الخاطئة ستقابل آذان الجواسيس النازيين، وتدعم وصول معلومات وتحركات وخطط زائفة للقيادة الألمانية النازية.

فيما سجّل مهندسو الصوت مكتبة مؤثرات صوتية تحاكي مكتبة الجيش الأمريكي، أما مُشغلوا الراديو فبثّوا حركات مرور مضللة للشاحنات والقوات، ولعب المصممون  والرسامون دورًا جوهريًّا في الخداع البصري بتصميم المئات من  الدبابات المطاطية وسيارات الـ«جيب» والشاحنات والمدفعية والطائرات التي يمكن تضخيمها بضواغط الهواء التي تعمل بالبنزين، لكنها تبدو أصلية بما يكفي لخداع الاستطلاع الجوي النازي.

 وأضاف جيش الأشباح تفاصل بسيطة يمكنها حبك المشهد البصري، مثل استخدام جرافات لإنشاء مسارات وهمية حول الدبابات القابلة للنفخ، واستخدام قذائف فلاش مدفعية وهمية، تُظهر إطلاق قذائف وهمية في الليل، لإعطاء التأثيرات البصرية التي يريدها جيش الأشباح الأمريكي.

30 ألف جندي و600 دبابة خيالية.. أقوى عمليات الجيش الوهمي

لعب الجيش الوهمي الأمريكي دورًا كبيرًا في سد جزء غير مكتمل من خط القتال الأمريكي بآليات وهمية أثناء مهاجمة مدينة ميتز المحصنة في سبتمبر (أيلول) من عام 1944، أمّا العملية العسكرية الأكبر والأشهر لجيش الأشباح الأمريكي، تعود لمارس (آذار) عام 1945، قاد هذه العملية رالف إنجرسول، مدير التحرير السابق لصحيفة «نيويوركر» الأمريكية، الأمر كان أشبه حقًا بتمثيل فيلم درامي لحرب، بحبك خدع بصرية وصوتية، قوامها ليس الحديد والنار، ولكنها سرّبت الأوهام للألمان.  

دبابة وهمية منفوخة من صنع جيش الأشباح الأمريكي

فمع احتلال ألمانيا لفرنسا خلال الحرب، حاول الجيش الأمريكي عبور نهر الراين لتضييق الخناق على النازيين والاقتراب من حسم الحرب، وهنا تجهّزت أمريكا بـ600 دبابة وآلية عسكرية، العجيب أنها ليست صلبة ولا حديدية، ويمكن لسكين أو خنجر تدمير تلك الدبابات الوهمية، التي كانت عبارة عن مطاط منفوخ، ودُمى على شكل دبابات وآليات عسكرية، قد تؤثر في حركتها الرياح العاصفة.

عام

منذ سنة واحدة
4 دروس مجانية في علم النفس يقدمها هتلر

هذه هي الصورة التي تجمع عددًا ضخمًا من الدبابات العسكرية، وشارك في رسمها المصممون والرسامون، أمّا فيما يخص الصوت فهنا جاء دور مهندسي الصوت ومشغلي الراديو، الذين شغلّوا أصواتًا قوية يصل مداها لنحو 14 كيلومتر للتحرك الوهمي لتلك الآليات العسكرية. المشهد كان مهولًا وأظهر وكأن هناك 30 ألفًا من الجنود الأمريكيين يتقدمون لعبور نهر الراين.

مشهد لفت انتباه النازيين، الذين استعدوا لمواجهة الهجوم المرتقب، ومع تشتت النازيين بذلك الهجوم الوهمي، باغتت القوات الأمريكية النازيين بهجوم حقيقي من نقطة أُخرى لعبور نهر الراين، ليمهد بذلك الجيش الوهمي للجيش الأمريكي الحقيقي لهذا المكسب الاستراتيجي في الحرب، والذي ساعد بعد ذلك في هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية.

ماذا تبقى من «جيش الأشباح»؟

تواجد جيش الأشباح الأمريكي كان سريًا للغاية لمدة أربعة عقود قبل أن تُفصح الولايات المتحدة الأمريكية عنه وعن دوره في الحرب العالمية الثانية، وتتعامل وسائل الإعلام الأمريكية مع جيش الأشباح بشيء من الفخر والتقدير لدور أفراد هذا الجيش الوهمي الصغير، في تحقيق مكاسب ملموسة لأمريكا ودول الحلفاء من خلال خداع النازيين وتشتيتهم عن مسارح الحرب الحقيقية خلال الحرب العالمية الثانية.

ومن بين 1100 شخص قُتل ثلاثة من جنود جيش الأشباح، وأصيب العشرات في خطوط القتال، وفي السنوات الأخيرة ومع التقدم في السن توفي معظمهم، ودعم برلمانيون في الكونجرس الأمريكي لتقليد تلك الوحدة في الجيش الأمريكي ميدالية الكونجرس الذهبية، التي تُعد واحدة من أعلى الأوسمة المدنية في أمريكا.

تريلر للفيلم الوثائقي «جيش الأشباح»:

وفي عام 2013، خرج للنور فيلم وثائقي حمل اسم «جيش الأشباح» تحدث عن دور ذلك الجيش في الحرب العالمية الثانية، وشارك في الفيلم عدد من الجنود القدامى لذلك الجيش، وهو فيلم من إنتاج وإخراج ريك باير الذي كان منبهرًا بعمل ذلك الجيش، ولم يكتفِ بذلك الفيلم الوثائقي، بل شارك في كتابة كتاب عن جيش الأشباح في عام 2015. 

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
مترجم: تعرف إلى إحدى خطط هتلر المجنونة في الحرب العالمية الثانية.. وكيف انتهت؟

المصادر

تحميل المزيد