هضبة الجولان السورية المُحتلة، الكنز الذي استحوذت عليه إسرائيل عقب عملية توسع في يونيو (حزيران( عام 1967، هاجمت فيها قوات الجيش الإسرائيلي، القوات العربية المصرية والسورية والأردنية، مما أسفر عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى هضبة الجولان.

منذ ذلك الوقت، والأنظار الإسرائيلية تتعاظم صوب الكنز الاستراتيجي، لأهميته الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حتى أنها فرضت عام 1981، بعد قرار من الكنيست الإسرائيلي، ما سمي آنذاك بقانون الجولان للسيادة الإسرائيلية.

ورغم رفض مجلس الأمن الدولي لقرار الضم، واعتبارها أرضًا سورية محتلة، لا زالت دولة الاحتلال الإسرائيلي، تتعامل معها كأنها جزء من محافظة الشمال الإسرائيلية.

بقيت إسرائيل على هذه الحالة، حتى يومنا الحالي، دون مطالبة سورية بأرضها المحتلة، أو حتى التزام بالقرارات الدولية، مما جعلها تكثف من أنشطتها الاستيطانية تحت مسميات التطوير والتنمية، إلى أن حققت مبتغاها بالسيطرة شبه الكاملة عليها.

الخوف من تغلغل الجماعات الإسلامية المسلحة

ازداد التمسك أكثر بالجولان، منذ بدء الصراع الدائر في سوريا، منتصف مارس (آذار( 2011، حيث كثفت دولة الاحتلال من تواجدها الأمني والاستخباراتي داخلها، وعلى الحدود مع سوريا، خشية من انتقال الصراع إليها، لاسيما من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة، بعد أن بدأت تنشط خلال السنوات القليلة الماضية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش(، أو جبهة النصرة، التي تُعد ذراعًا لتنظيم القاعدة في سوريا، فضلًا عن أن صناع القرار الإسرائيلي، ومراكز الأبحاث، كثفوا من نشاطهم خلال السنوات القليلة الماضية، في إعداد دراسات وأبحاث حال تغلغل هذه الجماعات داخل الجولان.

الجولان

عناصر من جبهة النصرة التي تقاتل داخل سوريا

 

إعلان الحكومة الإسرائيلي، مطلع الأسبوع الجاري، عن خطتها لإقامة 18 حيًا استيطانيًا جديدًا في الجولان، عبر وضع بيوت متنقلة في المستوطنات المختلفة، لم يكن جديدًا، لأن ذلك خرج للعلن عام 2004 حينما تمت الإشارة لطبيعة المخططات ومضاعفة أعداد المستوطنين آنذاك، وما تلاها من توسع خلال عامي 2008 و2009.

بالتالي، خلال مرحلة الصراع العربي- الإسرائيلي حتى اللحظة، وفيما يتعلق بالشأن السوري، فإن إسرائيل دخلت أول عملية مفاوضات حول الجولان، نهاية عام 1991، ولم تسفر عن أي نتيجة منذ ذلك الوقت، بل أتاحت الفرصة لإسرائيل، لمزيدٍ من فرض الواقع الاستيطاني على الأرض المحتلة.

استطاعت إسرائيل منذ سنوات الصراع والتفاوض، تشييد 33 مستوطنة في الجولان، يتركز فيها نحو 18 ألف مستوطن إسرائيلي، رغم أن العديد من الحقائق تشير إلى وجود نحو 16 ألف عربي سوري على أراضيهم في ست قرى سورية بالجولان.

لماذا المقترح الآن؟

آخر تصريحات الحكومة الإسرائيلية، التي اعترفت فيها بشن عشرات الهجمات في سوريا، وداخل الجولان تحديدًا خلال سنوات الصراع السوري، كان تصريحًا عن تمسكها بالجولان، ومطالبة النظام السورية بنسيانها، في إشارة إلى تمسك إسرائيل بخيار فرض السيطرة والسيادة على الأرض المحتلة.

لذلك، فإن الخطة الإسرائيلية الجديدة، للسيطرة الكاملة على الجولان والمزمع الانتهاء منها خلال خمس سنوات مقبلة، ستكون عبر إنشاء أحياء استيطانية تعتمد على إقامة هذه الأحياء الجديدة في 19 مستوطنة إسرائيلية موجودة في الجولان، كحل أولي، في انتظار إقامة أحياء دائمة في هذه المستوطنات.

الحل الأولي لمدة عام، يضمن أن يتكون كل حي جديد من 10 وحدات سكنية مؤقتة بمساحة تتراوح ما بين 45 إلى 60 مترًا مربعًا، فضلًا عن استيعاب 1500 أسرة يهودية جديدة في مستوطنات الجولان.

لكن، السؤال الذي يثار الآن، هو مغزى إسرائيل من الإقدام على هذه الخطوة في الوقت الحالي، حيث يرى «عدنان أبوعام«، الباحث في الشأن الإسرائيلي أن التواجد العسكري للتنظيمات الإسلامية داخل سوريا وقربها الحالي من الحدود بات يهدد الجولان بشكل كبير، أكثر من تهديده السابق للنظام السوري والقوات الإيرانية وعناصر حزب الله اللبناني.

الجولان

جنود إسرائيليون بالقرب من هضبة الجولان

وربط أبوعامر في حديث خاص مع «ساسة بوست«، إقدام إسرائيل على ذلك، واعتقادها بأن الجولان باتت أرضًا إسرائيلية كاملة، ولا مجال للتنازل عنها إطلاقًا، مع ضرورة إبقاء السيطرة الأمنية والعسكرية، أو حتى الزراعية. وأضاف: «تظل الجولان أرضًا إسرائيلية حتى إشعار آخر، في ظل أوضاع أمنية متقلبة، وعدم استقرار الحال في سوريا«.

كل ذلك من شأنه تحويل الجولان، إلى أرض إسرائيلية كاملة بالفعل، ولا مجال للتنازل عنها في أي تسوية مستقبلية مع السوريين، سواء مع النظام الحالي، أو من سيأتي بعده، لاسيما وأن القناعة أصبحت راسخة لدى الأوساط الإسرائيلية، بأن الاحتفاظ بالجولان خلال 40 عامًا كان خيارًا موفقًا، كما يشير الباحث في الشأن الإسرائيلي.

اللافت في خطة الطرح، أن حكومة إسرائيل تسعى إلى نسخ تجربة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، داخل الجولان المحتل، وترسيخ أمر واقع لضم الهضبة بشكل نهائي للسيادة الإسرائيلية، وهو ما تطمح إليه منذ عقود عدة.

في هذه النقطة تحديدًا، فإن إسرائيل تسعى إلى تنفيذ مخطط ضم مناطق 1967 إلى حدودها مرة أخرى، خاصة مع غياب أفق الحل السياسي مع الفلسطينيين، لذا نرى أن إسرائيل، ضمت إلى حدودها مستوطنات كبيرة مثل أرئيل وغوش وعتصيون.

ووفقًا لأبي عامر، فإن هناك توجهًا بأن يكون الوضع في الجولان شبيهًا بالوضع في الضفة الغربية المحتلة، عبر فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الهضبة، وانتزاع قرارات دولية لأن يكون الوضع القائم في الجولان لصالح إسرائيل في ظل قناعتها بعدم وجود شريك قائم في دمشق، مهتم بإجراء مُفاوضات.

وتابع: «الجولان، من الممكن أن يتنازعها طرفان مع النظام، الأول بين داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والنصرة، والثاني حزب الله وإيران، إلا أن الاحتلال يجتهد عبر عملياته المكثفة أمنيًا واستخباراتيًا وعسكريًا للحيلولة دون نجاح من بسط الأطراف المتنازعة«.

إلى جانب ذلك، ثمة توجه من خلال الأوساط الإسرائيلية والسيناريوهات التي تضعها مراكز الأبحاث لديها، بعدما زاد الحديث فيه، وهو توجه يعتقد في إمكانية شن التنظيمات الإسلامية المسلحة، هجمات عسكرية ضد إسرائيل في الجولان، وعليه فإن إسرائيل تسارع في نشر قواتها وبصورة مكثفة.

خطة «إسرائيل القومية»

في مقترح إسرائيل الأخير، بشأن إقامة أحياء استيطانية داخل الجولان، كان حديث صناع القرار الإسرائيلي، أن الخطوة تخدم الأهداف الاستراتيجية القومية لهم، والتي كان من أبرزها الإبقاء على السيطرة الكاملة عسكريًا وأمنيًا داخل الجولان، خشية تواجد التنظيمات الإسلامية المسلحة فيها.

إحدى الدراسات الصادرة عن مركز الأمن القومي الإسرائيلي، تحت عنوان «خيارات إسرائيل بين السيناريوهات السيئة في سوريا«، لفتت إلى خطة إسرائيل المستقبلية حيال الوضع المتفاقم داخل سوريا. تُطالب الدراسة إسرائيل، بإنعاش الاعتبارات الاستراتيجية، التي ظلت تحد من التدخل في مجريات المعركة الدائرة، بما يتزامن مع سيناريو الخوف من فرض التنظيمات الإسلامية المسلحة، سيطرتها على أراضٍ ذات قيمة في الجولان.

قدمت الدراسة جُملة من النصائح، للأوساط الإسرائيلية العاملة بكثافة نحو استراتيجية بسط السيطرة على الجولان، من بينها ضرورة البحث عن شريك استراتيجي، على أن يكون الأردن الخيار الأول، بدعم أمريكي، لإقامة منطقة حظر طيران، وتوفير حلف دفاعي يحمي من توغل الجماعات.

خاصة وأن التواجد الإسرائيلي العسكري في الجولان، يحقق أهداف الرصد للجيش الإسرائيلي، لمساحات جغرافية كبيرة، فضلًا عن وجود قمم عديدة فيها تفسح لرؤية شاسعة نحو المناطق الشرقية والجنوبية.

هُناك أيضًا البعد المائي الذي تنظر إليه إسرائيل باهتمام بالغ. سعت إسرائيل خلال العقود الماضية عبر سيطرتها المباشرة على الجولان، إلى تأمين أكثر من ثلث الاحتياجات المائية الإسرائيلية، إذ كانت الجولان وجنوب لبنان، وروافد نهر الأردن، في إطار الهاجس المائي الإسرائيلي على الدوام.

ومن بين الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها إسرائيل ضمن خطتها القومية، أن تكون الجولان منطقة زراعية استثمارية، كونها تحمل في طياتها فوائد اقتصادية كبيرة جدًا، حيث أنها منطقة زراعية، مرتفعة جغرافيا، ولها أغراض أمنية، ومعظم دمشق تطل عليها.

من يساند إسرائيل في خطتها؟

لا يخفى على أحد طبيعة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين إسرائيل وروسيا، إذ تبادل الطرفان حديث المصالح الاستراتيجية لهما داخل الأرض السورية، حتى أقرت روسيا بحق إسرائيل في الدفاع عن مصالحها في سوريا، وهو ما يفسر أن تكون الخيارات مفتوحة أمام صناع القرار الإسرائيلي بشأن الأهداف المراد تحقيقها هناك.

الجولان

الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو

 

ضمن هذه المصلحة، والتي تتوافق بشكل طبيعي مع خطة إسرائيل القومية بشأن الجولان، ذكر عماد أبوعواد، المختص في الشأن الإسرائيلي، جُملة من الأسباب تكمن وراء السعي الإسرائيلي نحو الجولان، وأبرزها الكشف عن طبيعة الدور الروسي في المنطقة، حيث إن القناعة الإسرائيلية تنظر إلى التقاء مصالح بين الطرف السوري والإسرائيلي بشكل غير مباشر.

لفت أبوعواد في تصريحات لـ«ساسة بوست»، أن القناعة الإسرائيلية، جاءت من خلال موافقة سوريا على عدم فتح ملف الجولان، إذا ضمنت روسيا لإسرائيل ذلك، مقابل عدم استمرار الأخيرة البحث خلف الملف النووي الإيراني.

فضلًا عن وجود المعادلة الأمريكية الروسية في المنطقة، والتي دفعت باتجاه اتفاق ضمني بين الأطراف ليدعم كل حلفاءه، فمقابل موافقة أمريكا لروسيا بالتدخل، وافقت الأخيرة وحلفاؤها لأمريكا السماح لإسرائيل بمزيد من السيطرة على الجولان.

وجهة نظر المختص في الشأن الإسرائيلي، لا تختلف كثيرًا عن نظرة أبوعامر، الذي يرى أن التعاون الروسي والإسرائيلي، والتوافق الأمريكي والروسي أيضًا حول سوريا، وأن سيطرة إسرائيل على الجولان وعدم اعتبارها في الوقت الحالي أولوية عند القرار الدولي، فتح الطريق أمام أصحاب القرار الإسرائيلي بسط السيطرة بقوة على الجولان.

وحسب رأيه فإن التواجد الإسرائيلي، أو حتى فرض الواقع على الجولان، قد لا يناقض التوجهات الروسية، سواء بصورة ضمنية، أو متفق عليها، لاسيما وأن هناك غرفة عمليات مشتركة بين الجانبين، وفقًا للأهداف والمصلحة بينهما.

يُشير أبوعواد إلى هدفٍ تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، وهو أنها تريد استغلال ملف الغاز وتصديره، لاسيما وأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو حماية حقول الغاز الموجودة في البحر المتوسط، والاستثمار في تطوير بعضها، مقابل غضها الطرف عن قضية الجولان وإقناع سوريا بذلك.

ويبدو من خلال ما سبق، أن الأراضي السورية ستبقى ضمن حالة استنزاف قائمة بين الأطراف المتصارعة، وهو ما يعطي لإسرائيل شرعية تواجدها بحجة حماية الأمن القومي، والاستقرار الأمني والسياسي في الجولان، ووقتها قد تُمنح الجولان على طبقٍ من ذهب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد