واحد من الطلاب الذين يدرسون في إحدى الجامعات البريطانية، حصل على منحة لدراسة سنة دراسية في برنامج طلابي مع جامعة بكين، ولكن بعد وصوله الصين حاول التواصل مع أصدقائه لكي يخبرهم بوصوله، فوجد أن موقع الفيسبوك لا يعمل، حاول أن ينتقل إلى برنامج الواتس آب، فوجد أن هناك خطأ في الاتصال بالإنترنت، تفحص بعدها الاتصال بالإنترنت فوجد أن كل شيء على ما يرام، شعر بالملل قليلًا وقرر أنه سوف يشاهد بعض الفيديوهات على موقع اليوتيوب، فوجد نفس النتيجة «هناك خطأ في الاتصال بالإنترنت».

في وقت ما لاحقٍ علم هذا الطالب أنه منذ عام 2010 أغلقت الحكومة الصينية ما يقرب من 1.3 مليون موقع إلكتروني، من ضمنهم الفيسبوك والواتس آب وجوجل ويوتيوب، ولكن لماذا تحجب الصين معظم مواقع الإنترنت؟

«The Great Firewall of China» سلاح الحكومة الصينية لحجب الإنترنت

أول رسالة إلكترونية تم إرسالها من الصين عبر الإنترنت عام 1987 كانت: «من خلف جدار الصين العظيم الآن يمكننا أن نصل إلى كل رقعة في العالم»، ولكن الآن يعاني ما يقرب من 600 مليون مستخدم للإنترنت في الصين من مشكلة حجب المواقع الشهيرة، بجانب الرقابة الشديدة التي تفرضها الحكومة الصينية على استخدام الإنترنت، ففي عام 2012 نشرت مؤسسة «Freedom House» الأمريكية تقريرًا بعنوان «Freedom of Net 2012» صنفت فيه الصين أسوأ ثالث دولة على مستوى العالم في حرية استخدام الإنترنت بعد كوبا وإيران.

والإجابة على سؤال «لماذا تفرض الصين قيودًا شديدة على استخدام الإنترنت؟» تميل إلى أن الحكومة الصينية تخشى من الغزو الثقافي الغربي الذي يمكن أن ينتشر عبر الإنترنت، فحكومة الصين حكومة شيوعية ولكنها محافظة تريد المحافظة على الإرث الثقافي الاجتماعي الصيني، بالإضافة إلى أن الحكومة أعلنت في وقت سابق أن هذه المواقع المحجوبة تمكن وكالات الاستخبارات الغربية من التسلل والتعرف على المعلومات المتبادلة بين المستخدمين الصينيين.

تدير الحكومة الصينية عملية المراقبة وتحديد استخدام المواقع الإلكترونية منذ عام 1990 بمشروع «The golden shield project» أو الغطاء الذهبي، والمعروف عالميًا باسم «The great firewall of china»، الذي يستخدم مجموعة مختلفة من العمليات والآليات البرمجية لغلق المواقع أو مراقبة الإنترنت، مثل:

1- تشويه الـ«DNS»

كل عناوين المواقع تكتب بالحروف الأبجدية مثل Facebook أو Youtube والذي يسمى «DNS» والذي يدل في الأصل على عنوان رقمي يسمى «Ip» ولكن يتم تحويله إلى حروف حتى يسهل على المستخدمين تذكره، وما يفعله نظام الحكومة الصينية هو أنه يغير من التكوين الأبجدي لعناوين المواقع، وعندما يتغير التكوين سوف يصعب على المستخدم الوصول إلى IP الموقع وبالتالي يصعب عليه الولوج إليه، ومن ثم تظهر له رسالة «DNS not founded» أي لا يوجد موقع يسمى بهذا الاسم.

2- حجب الـ«IP»

في آلية أخرى؛ قد يحجب نظام الحكومة الصينية عنوان الـIP من الأساس، وفي بعض الأحوال تمتلك مجموعة من المواقع نفس عنوان الـIP وبالتالي سوف يتم حجبها جملةً، وتستخدم الحكومة هذه الطريقة لأنه في بعض الأحيان يمكن وضع عناوين مختلفة من الـDNS لتصل إلى نفس عنوان الـIP الرقمي الذي يقودك إلى الموقع الذي تريد الولوج إليه مباشرة، وأشهر الحوادث التي استخدمت نفس الطريقة هي عندما قام موقع التورنت الشهير «Kickass» بوضع مجموعة مختلفة من عناوين الـDNS التي تقود المستخدم لنفس الموقع والتي كان منها «kickasstorrent.to، kat.cr، kickass.to، kat.to، kat.am»، ولجأ هذا الموقع لهذا الحل بعد تعرضه لهجمات شديدة من الحكومة الأمريكية لكونه يقدم الكثير من المُنتجات الإلكترونية والأفلام المسروقة بشكل مجاني.

3- فلترة وتحليل الـ«URL»

«URL» هو العنوان الإلكتروني للموقع مثل العنوان الإلكتروني لموقع جوجول وهو «http//www.google.com»، وعندما تبحث مثلًا عن موضوع ما فليكن مثلًا «حادث إرهابي في لندن»، يصبح العنوان كالآتي «http//www.google.com/terror+attack+in+London»، ما يفعله النظام الصيني في هذه الحالة أنه أحيانًا لا يحجب الموقع بأكمله ولكن يحجب بعض الموضوعات التي تعرض على هذا الموقع بعد تحليل عنوان الـURL، فمثلًا قبل أن تحجب الحكومة الصينية موقع Wikipedia، كان يمكنك أن تفتح الموقع بشكل طبيعي على الـURL المعتاد له وهو «http//www.wikipedia.com»، ولكن أن تحاول البحث عن موضوع حجب الإنترنت مثلًا في الصين ليصبح العنوان الجديد هو «http//www.wikipedia.com/censorship+of+internet+in+china»، فلن يفتح الموقع لأن نظام الحجب الصيني يمكنه أن يحلل هذا العنوان ولا يعرض لك الموضوعات التي لا تريدك الحكومة الصينية أن تعرفها.

اقرأ أيضًا: «الأخ الأكبر يراقبك»: خطة الصين للتحكم في هَمْسِ مواطنيها بحلول عام 2020

4- إعاقة الـ«VPN»

«VPN» هو أداة يستخدمها بعض المستخدمين لتغير مكان استخدامهم للإنترنت، فمثلًا إن كنت في الصين وتريد أن تدخل على موقع محجوب في الصين، فيمكنك استخدام الـVPN لتغير موقعك الجغرافي إلكترونيًا، لتجعله في الولايات المتحدة مثلًا، حينها يمكنك الهروب من القيود الإقليمية التي تفرضها حكومة الصين على الإنترنت، ولكن «The Great Firewall» أو نظام المراقبة الصيني مبرمج للتعامل مع أدوات الـ VPN، وعلى الرغم من ذلك فهناك مجموعة من الـVPN حتى الآن لا يستطيع هذا النظام التعامل معها.

ما هي أشهر المواقع التي تم حجبها في الصين وما هي بدائلها التي توفرها الصين؟

1- جميع منتجات Google

حُجب جوجل أول مرة في الصين عام 2002، ثم عاد مرة أخرى في الصين بعد أن تم الموافقة على الشروط التي وضعتها الحكومة لمراقبة جوجل في الصين، ولكن خلافات نشبت بين الطرفين في عام 2006 حُجب بعدها جوجل ولا يزال محجوبًا حتى الآن.

ويستخدم الصينيون محرك البحث «Baidu» بدلًا من جوجل ولكن بعض التقييمات تشير أنه يعمل بكفاءة شديدة فقط عندما تستخدمه في البحث باللغة الصينية أما اللغة الإنجليزية فسوف تعطيك نتائج سيئة أحيانًا، وبالنسبة للبريد الإلكتروني فإن Yahoo ليس محجوبًا في الصين ولكن الأكثر شهرة هو «QQ»، وإن كنت تنوي التحرك ماشيًا أو قائدًا لسيارة فلابد من تطبيق «Mapquest» الذي يحل محل «Google Maps » في الصين.

https://www.youtube.com/watch?v=c_EKTWqzapI

2- YouTube

تم حجب موقع اليوتيوب في الصين أثناء أعمال الشغب في مدينة «Tibet» عام 2008 أي بعد ثلاث سنوات فقط من إطلاق الموقع على مستوى العالم، وإن حاولت أن تدخل إليه في الصين فلن تجد إلا هذه الرسالة: «Time out» أي أن هذا الموقع أخذ الكثير من الوقت في التحميل أكثر من المُفترض وبالتالي لن يتم تحميله، ولكن دائمًا الحكومة الصينية تمتلك البديل وهو «YouKu»؛ اسمه قريب نوعًا من اليوتيوب ويشبهه أيضًا في نظام العمل حتى لا يشعر المواطن الصيني بأنه ينقصه شيء.

3- Facebook

هذه المرة النسخة الصينية تتفوق أكثر، «Wechat»؛ تطبيق التواصل الاجتماعي الصيني الذي تفوق على خدمات مواقع التواصل الاجتماعي الغربية، يطابق التطبيق خدمات التطبيقات الغربية من حيث توفيره المحادثات النصية والصوتية والفيديو، بالإضافة لخدمة «home posts» التي تشبه الفيسبوك وتويتر، ولكن الجديد هنا هو أنك يمكن أن تترك محفظتك في البيت وتذهب للتسوق بالهاتف فقط، لأن التطبيق يوفر لك خدمة الدفع إلكترونيًا.

وعلى سبيل الترفيه؛ يوفر لك التطبيق خدمة جديدة، حيث يمكنك من خلال هز التليفون أن تصل لأصدقاء جدد من مختلف بقاع العالم الذين يقومون بهز تليفونهم في نفس اللحظة التي تفعل فيها أنت ذلك، يمكن لأصدقائك الوصول لك من خلال خدمة كود الـ«Qr»، وهي الخدمة التي اقتبسها فيسبوك في تطبيق الماسنجر منذ فترة، وفي الحقيقة فإن تطبيق «Wechat» يغني الصينيين عن الفيسبوك وتويتر وحتى الواتس آب.

وبالطبع خسارة مليار مستخدم جعلت مارك زوكربيرج مؤسس الفيسبوك يفعل الكثير من أجل أن يستعيد الفيسبوك مكانته في المجتمع الصيني بعد أن تم منعه عام 2009، ففي عام 2014 وخلال زيارة للصين ألقى زوكربيرج خطبة لمدة 30 دقيقة باللغة الصينية أمام الكثير من التلاميذ، وتحدث كثيرًا إلى الحكومة وعرض فكرة أنه يمكنه أن يوفر شروطًا مختلفة لنسخة الموقع التي تعمل في الصين، ولكن محاولاته باءت بالفشل حتى الآن.

4- Twitter

في فبراير (شباط) من عام 2011 عندما كان الربيع العربي يواصل تحقيق انتصاراته بعزل بن علي من رئاسة تونس ومن بعده الثورة المصرية تطيح بحسني مبارك، فوجئ مستخدمو موقع تويتر في الصين بقطع الخدمة، واستبدلت به الحكومة الصينية تطبيقًا جديدًا كالعادة وهو تطبيق «Weibo»، وفي خلال فترة قصيرة من إطلاقه أصبح التطبيق الأكثر شيوعًا في الصين.

هناك الكثير من المواقع الشهيرة الأخرى التي مُنعت في الصين مثل موقع التسوق الأمريكي الشهير «Amazon» والذي تم استبدال موقع صيني به كالمعتاد يسمى «Alibaba»، فضلًا عن مجموعة من الصحف العالمية مثل الجارديان ونيويورك تايمز وواشنطن بوست والإندبندنت وبلومبرج، والأخيرة مُنعت عام 2012 بعد أن نشرت قصة الثراء المشكوك في صحتها لعائلة نائب الرئيس الصيني آنذاك.

هل هناك دول أخرى تفرض رقابة على الإنترنت بهذا الشكل القوي؟

مصدر الصورة: «Freedom house».

يجب أن تعلم عزيزي القارئ أن كل الدول في العالم تفرض كافة أنواع القيود والمراقبة على شبكة الإنترنت، ولكن الاختلاف يكون في كيفية فرض الرقابة، وفي هذه الصورة التي تضمنها تقرير مؤسسة «Freedom house» الأمريكية لحرية الإنترنت عام 2015 يوضح فيها حالة الإنترنت في مجموعة مختلفة من دول العالم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد