عندما يتحول الفكر العنصري إلى كلام مكتوب، يتغذى عليه متطرفون، يحولون الأفكار إلى أفعال عنصرية دامية، يسقط قتلى وضحايا. وهذا ما حدث مع فكرة «الاستبدال العظيم»، التي ألهمت منفذي مجزرتي نيوزيلندا وتكساس لتنفيذ جرائمهما والفتك بالمسلمين والمهاجرين. فالفكرة ألهمت الأول، وشجعت الثاني، وسقط أكثر من 70 قتيلًا، في أقل من نصف عام، والحصيلة قابلة للزيادة، طالما أن الفكرة العنصرية ما تزال قائمة وتمدد!

«الاستبدال العظيم».. لن يحل «الغُزاة» محل البيض!

«الاستبدال العظيم» عنوان كتاب صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، لكاتب فرنسي يميني يُدعى رينو كامو، وتدور فكرة الكتاب حول نظرية مؤامرة، تفيد بأن الهوية الغربية والبيض تحت الحصار؛ بسبب موجات الهجرة الهائلة من البلدان غير الأوروبية وغير البيضاء. وأن الهجرة الجماعية مع النمو السكاني للمهاجرين ستؤدي إلى تغير ديموغرافي في الغرب، يُستبدل بموجبه مهاجرون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالأفراد الأوروبيين، وغيرها من البلاد غير الأوروبية.

إذن البيض مستهدفون ديموغرافيًّا من غير البيض، وعليهم مواجهة هذا الغزو والمد الديموغرافي، بحسب ما يروج له كامو، الداعم للمرشحة اليمينية ماريان لوبان في آخر انتخابات فرنسية. يستخدم كامو أيضًا شعار «لن يحلوا محلنا» في أفكار تلقى انتشارًا واسعًا في الأوساط اليمينية الغربية، وتأخذ انتشارًا ومشروعية أكبر بوصول اليمينيين المتطرفين إلى الحكم، لتجد إرهابيًّا يمينيًّا كبرت في ذهنه الفكرة، ولازمه التهديد من غير البيض، ليُفرغ رصاصه في أجساد غير البيض بعدِّهم «غُزاة».

«المسلمون هم غزاة محاربون يسعون للاستيلاء على فرنسا».

قال كامو هذا التصريح في نهاية عام 2010، معتبرًا أن هجرة المسلمين لفرنسا تهدد الحضارة الفرنسية، وخلال تصريحاته المصورة في مؤتمر ضد «أسلمة فرنسا»، تحدث عن أدوات «الاستبدال العظيم»، وقال إن المسلمين: «هم جنود مسلحون سفاحون مستعمرون يريدون غزو فرنسا، وجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للسكان الأصليين، ليجبروهم على إخلاء الأرض أو الفرار منها، ليبسط المسلمون السيطرة عليها». وعدَّ كامو صراحة المسلمين «محاربين غزاة هدفهم الوحيد هو التدمير واستبدال الإسلام بالشعب الفرنسي وحضارته».

تصريحات كامو المصورة:

هذه الكلمات لم تمر مرور الكرام؛ فقد أعقبها مقاضاة لكامو انتهت بإدانته من محكمة جنائية في باريس، حكمت عليه في أبريل (نيسان) 2014، بدفع غرامة قدرها 4 آلاف يورو، بعدما رأت المحكمة أن تصريحات كامو تندرج تحت إطار «التحريض على الكراهية والعنف» ضد المسلمين، وعدتها بمثابة «هجمات متطرفة تهدف لإهانة المسلمين».

ومع الحكم بإدانة كامو استمرت فكرة «الاستبدال العظيم» في الانتشار؛ ففي عام 2014، الذي صدر فيه الحكم ضد كامو ذُكر مصطلح «الاستبدال العظيم» في مواقع التواصل الاجتماعي 120 ألف مرة، بحسب مجلة «تايم» الأمريكية، التي أفادت بأن انتشار المصطلح تضاعف خلال السنوات الأربع الماضية لدرجة تقترب من الثلاثة أضعاف؛ إذ ارتفع ذكره على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى 330 ألف مرة في عام 2018.

الفكرة تتحول إلى واقع.. 51 مسلمًا قتيلًا في نيوزيلندا

في 2019، ذُكر استخدام «الاستبدال العظيم» ليس فقط على مواقع التواصل، وإنما تُرجم المصطلح وما يحمله من أفكار عنصرية ضد المسلمين والمهاجرين وغير البيض، إلى أعمال عدائية إرهابية ضدهم على أرض الواقع. وفي ترجمة دموية لتلك الفكرة، نفّذ الأسترالي برينتون تارانت، في مارس (آذار) الماضي هجومًا مروعًا ضد المسلمين، وهم بصدد تأدية صلاة الجمعة في مسجدين بمدينة «كرايست تشيرش» في نيوزيلندا.

وهو هجوم مسلح أدى لمقتل 51 مسلمًا، صوّرهم تارانت بتفاخر بالصوت والصورة، وكان تارانت صريحًا في المصدر الذي استلهم منه أفكاره، عندما عنّون بيانه المطول الذي يبلغ 74 صفحة، بعنوان كتاب كامو نفسه «الاستبدال العظيم»، مستخدمًا الأفكار والألفاظ نفسها.

بكاء على ضحايا هجوم نيوزيلندا

ومع محاولة كامو التنصّل من الهجوم، فإن بيان تارانت جاء متسقًا مع الأفكار التي يروجها كتاب كامو، بل الألفاظ أيضًا؛ فمثلما وصف كامو المسلمين بـ«الغُزاة»، وأعرب عن مخاوفه من «المحو الديموغرافي»، كرر تارانت الوصف ذاته، بل قال إن هدفه من الهجوم هو « إعلام الغزاة بأن أرضنا لن تصبح أرضهم أبدًا».

ولفت في بيانه إلى غضبه من مشاهدته «سيلًا من الغزاة يمشون في مركز تجاري فرنسي، كان أمام كل رجل أو امرأة فرنسي الضعف من الغزاة»، بحسب تارانت الذي أضاف: «تراوحت عواطفي بين الشعور بالغضب الشديد، واليأس الخانق؛ بسبب الإهانة الناجمة عن اجتياح فرنسا، وتشاؤم الشعب الفرنسي، واضمحلال الثقافة والهوية، ومهزلة الحلول السياسية المقترحة»، واتخذ قراره استخدام العنف لوقف الغزاة، الذي لم يندم على قتلهم، بل كان، بحسب بيانه، يريد قتل المزيد من الغزاة الذين «يريدون غزو أرضنا وأن يحلوا محل شعبنا».

الإسلام سيتصدر الكوكب.. 7 تنبؤات ستُغير العالم عندما تصبح عجوزًا

منفذ هجوم تكساس يدعم «الاستبدال العظيم» ويقتدي بأفكاره

«في العموم أنا أدعم منفذ هجوم كريست تشيرش وبيانه، وهجومي جاء ردًّا على الغزو الإسباني لتكساس.. هم المحرضون، وليس أنا. أنا ببساطة أدافع عن بلدي من الاستبدال الثقافي والعرقي الناجم عن الغزو».

 قال هذه الكلمات باتريك كروزياس (21 عامًا)، الذي نفذ السبت الماضي هجومًا مسلحًا على متجر «وول مارت» في مدينة إل باسو، على قرب حدود الأمريكية المكسيكية، في ولاية تكساس، تلك الولاية التي ينحدر معظم سكانها من أصول إسبانية.

وأسفر الهجوم عن مقتل 20 شخصًا بينهم ثلاثة مكسيكيين، ونشر كروزياس تلك الكلمات في بيان من أربع صفحات كتبه على منصة داعمة لليمين المتطرف، تحدّث فيه عن دوافعه لارتكاب الجريمة، ونشر قبل 20 دقيقة من تلقي الشرطة لأول مكالمة طوارئ عن الحادث.

رينو كامو

الفرنسي رينو كامو، مؤلف الكتاب

ولعلك تلاحظ تشابهًا في الأفكار والدوافع بين كروزياس وتارانت، وكامو؛ فالخوف من «الاستبدال العظيم» قائم، والفكر اليميني العنصري واحد، والذي يدعو إلى سيطرة البيض ومواجهة الغزو المهاجرين من غير البيض، وهكذا تتوالى سلسلة الدم. فأول ينشر فكرة، تُلهم ثانيًا فينفذ عملًا مسلحًا، يشجع ثالثًا ليتساقط عشرات القتلى. والاتساق جاء في الألفاظ أيضًا التي تظهر في البيان الأخير في كلمات مثل «الغزو الإسباني»، و«الدفاع عن بلدي من الاستبدال العرقي والثقافي الناجم عن الغزو».

اللافت أيضًا أن العلاقة الترابطية للأفكار والتصعيدية للأفعال، اتضحت أكثر خلال تقصّينا لوجه الترابط بين بيان تارانت، الذي جاء تحت عنوان كتاب كامو، وبيان كروزياس الذي أعرب فيه عن دعمه لتارانت وبيانه، فخلال بيان تارانت حذّر المُسلح من التغير الديموغرافي في أمريكا، وذكر تكساس تحديدًا، ولفت إلى أن حربًا ستندلع عندما يدرك البيض الخطر، وقال نصًّا:

«تنحدر صخرة عملاقة من التغير الديموغرافي، بقوة أكثر من أي وقت مضى، معززة قوة الدفع، وربما تدمر كل ما في طريقها، في النهاية عندما يدرك السكان الِبيض حقيقة الموقف ستندلع الحرب. قريبًا سيصل استبدال البيض داخل تكساس إلى ذروته، وبالسيطرة السياسية والاجتماعية غير البيضاء على تكساس، سيكون المجمع الانتخابي مكدسًا بشدة لصالح فوز الديمقراطيين».

وأشار إلى العنف الأبيض بعد استحالة النصر الدبلوماسي أو السياسي، عندما قال: «بعد دورة انتخابية أو دورتين تنتهيان بفوز ديمقراطي مؤكد، فإن البقية من غير المصوتين الذين لم تُغسل أدمغتهم من البيض، سيدركون استحالة تحقيق نصر دبلوماسي أو سياسي، وفي غضون فترة قصيرة، سيبدأ العنف السياسي والاجتماعي والعرقي بشكل منظم، وفي هذا الصراع فإن ما تحتاج إليه الأسرة البيضاء عادة وتتوق إليه، قوات موحدة وقوية من أنصار البيض، وبزيادة أعداداها، ستكون السيطرة على أمريكا ممكنة، كن مستعدًا للعنف وعندما يحين الوقت اضرب بقوة وبسرعة»

والتقط كروزياس خيط التحريض من تارانت، ورأى أن الوقت قد حان لينفذ هجومه في تكساس ذات الأغلبية من ذوي الأصول الإسبانية، للتخلص من الغزاة، وحاول كامو التنصل أيضًا من هجوم تكساس، عندما كتب في تدوينة له على «تويتر»: «قاتل إل باسو لم يستشهد أبدًا بكتابي (الاستبدال العظيم)، ولكنه أشار إلى بيان قاتل كرايست تشيرش (الذي حمل العنوان نفسه)».

ولكن ما لم ينفه كامو هو استخدام كروزياس الأفكار والألفاظ نفسها، وتحويلها لفعل حتى إن كامو في مقابلة له تعود لعام 2017 مع «فوكس (Vox)» الأمريكية، شرح خلالها أفكار من كتابه واستخدام العنف لمواجهة التغير الديموغرافي، الذي يغير بدوره الحضارة عندما قال: «بالطبع، في حال غيّرت السكان، فلا يمكنك أن تتوقع استمرار الحضارة نفسها؛ يخلق رفض الإنسان لأن يُستبدل شعورًا قويًّا لدى الشخص، ويمثل هذا الأمر جوهر مقاومة الاستعمار؛ إذ ترفض الشعوب أن تجتاح شعوب أخرى أراضيها وبلدانها، وتغيّر ثقافاتها ودياناتها، علاوة على نمط حياتها».

وجدد الرجل تمسكه بشعار «لن يجري استبدالنا»، وحذّر الأمريكيين بأن: «لديهم كل الأسباب الوجيهة الكافية التي تدعوهم للقلق بشأن بلدهم»، ولذلك لا يبدو تنصل كامو قويًّا من تلك الأعمال الإرهابية، وقد أجمعت أكثر من صحيفة عالمية على ربط تلك الأعمال الإرهابية في نيوزيلندا وأمريكا بفكرة «الاستبدال العظيم» لصاحبها كامو، والتي من أبرزها: صحيفتا «نيويورك تايمز» و«دايلي بيست» الأمريكيتان، وصحيفة «الجارديان» البريطانية، الذين وجدوا ترابطًا واضحًا بين تلك الهجمات الإرهابية وأفكار كامو عن «الاستبدال العظيم».

«احرق مسلمًا لتفُوز بالجائزة».. لعبة الكراهية تبلغ ذروتها في بريطانيا

المصادر

تحميل المزيد