في مشهد عالمي تصعد فيه تيارات اليمين والشعبوية، كان فوز مارين لوبان، زعيمة اليمين الفرنسيّ، ليضيف زخمًا كبيرًا لهذا التيار في أوروبا والعالم، ولكن هذا لم يحصل وفازَ خصمها إيمانويل ماكرون بعد منافسة شديدة، وربما كانت تغيرات كبيرة ستطرأ على هذا المشهد التناقسي، لولا تدفق المال من الإمارات العربية المتحدة لإنقاذ الحزب في انتخابات الرئاسة عام 2017.

لا يعدّ الدعم العربي لحزب يمينيّ محصن بالإسلاموفوبيا سابقةً سياسية، فمثله أحزابٌ أخرى تشتهر بمعاداتها للمهاجرين، وللإسلام والعرب، تلقّت دعمًا بأشكال مختلفة من جهات عربية وإسلامية أخرى، في مقدمتها الإمارات والسعودية، نُلقي عليها ضوءًا في هذا التقرير.

أبو ظبي وراء اليمين الفرنسيّ.. القصة باختصار

كان للانتخابات الرئاسية في فرنسا، المُنعقدة في أبريل (نيسان) 2017 أهمية كبيرة، فاحتمالية فوز مارين لوبان، وحزبها «الجبهة الوطنية» اليمينيّ، سيعزز موقف تيار اليمين عالميًا؛ إذ جاءت بعد فوز ترامب وقدوم بيته الأبيض المليء بالمُحافظين واليمينيين، وأوروبيًا؛ بعد صعود تيريزا ماي لزعامة حزب المحافظين ورئاسة حكومة بريطانيا.

عُقدت الجولة الأولى من الانتخابات في 23 أبريل (نيسان) 2017، بتنافسٍ شديد بين المُتصدرين، إيمانويل ماكرون، الرئيس الحاليّ لفرنسا، ومنافسته مارين، ليتقدم عليها بفارق 3% فحسب. تَلى ذلك جولة ثانية انتصر فيها ماكرون وفاز برئاسة فرنسا حاصدًا 66.1% مقابل 33.9% لمارين.

بعد ذلك بسنتين، فجّرت صحيفة فرنسيّة في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 مفاجأة جديدة بشأن هذه الانتخابات: لم تكن مارين لتنافس في الانتخابات الرئاسية لولا دعم ماليّ إماراتي، أنقذ الحزب من «الموت» في آخر لحظة.

تواجه «الجبهة الوطنية»، وهي الحزب اليميني الذي تقوده مارين، أزمات مالية قديمة منذ 2014، العام الذي انعقدت فيه انتخابات برلمان الاتحاد الأوروبيّ، وشاركت فيها الجبهة الوطنية، والمشكلة كانت في انتخابات 2014 و2017: لا مال في الحزب لتمويل الحملة الانتخابية، فتقدّم لحل الأزمة جان لوك فاشنيهار، وهو من الحزب، باحثًا عن تمويل لحملاته الانتخابية، وبالفعل نجح في مهمته موفرًا قرضًا روسيًا للحزب بتسعة ملايين يورو.

مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية (الحزب اليميني) في فرنسا، وبجوارها (يمين الصورة) خِرت فيلدرز، زعيم حزب الحرية المعادي للإسلام والمهاجرين.

أما في 2017 جلب تمويلًا من أبو ظبي، قيمته ثمانية ملايين يورو، على شكل قرض يسدّه الحزب لاحقًا للمُقرض الذي هو لوران فوشر، رجل أعمال فرنسيّ. شرح فوشر سبب تبرعه قائلًا: «لم أفعل ذلك لأسباب أيديولوجية، ولا بدل شخص آخر. كان لدي مبلغ الثمانية ملايين. قالوا لي إنها مسألة حياة أو موت، كنت سأقوم بذلك لصالح أي شخص، ولطالما سخّرت حياتي للآخرين بغض النظر عن هويتهم، وإذا كان هذا الطرف هو الحزب الاشتراكي، لكنت فعلت ذلك لأجله أيضًا».

علنيًا يُعتبر فوشر مُقدّم التمويل للحزب، ولكن الثمانية ملايين التي تلقاها الحزب جاءت من حسابات بنكية لشركة إماراتية تعمل من أبو ظبي باسم «نور كابيتال» لإدارة الأصول المالية، يقول فوشر أنّها من حصته في الشركة، والمشكلة التي تثيرها اللجنة الوطنية الفرنسية المسؤولة عن التحقيق في هذا الشأن هي أنّ التحويل القادم من شركة نور ليس باسم فوشر، الذي لم تُقنع اللجنة تفسيراته وتبريراته لدعم الحزب. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن مؤسس الشركة هو وزير النفط الإماراتيّ السابق مانع سعيد العتيبة، والد السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، وبهذا الشكل، وصلت ثمانية ملايين يورو لجيب الحزب بلا دليل يوثّق من مُرسلها، واستطاعت بذلك مارين من تقديم أوراق تؤكّد «صلوحيتها» للانتخابات.

لمارين تاريخ من الإشادة بالإمارات ومصر، وتذكر تقارير أنّها قابلت مسؤولين إماراتيين في بيتها، وقابلت رئيس الوزراء المصري الأسبق إبراهيم محلب، ومجموعة من الرموز الدينية المصرية، بينهم شيخ الأزهر أحمد الطيب. ودَعت مارين لقطع علاقات فرنسا بقطر والسعودية لدعمهما «الإرهاب»، مشيدةً بدور الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي بمحاربته للأصولية، لتتبع ذلك بتصريح عن أن «فكر الإخوان المسلمين هو منبت أيديولوجية المشروع السياسي للدولة الإسلامية –داعش-».

«الفاشية الهندوسية».. الإسلاموفوبيا بتمويل عربيّ

وقفَ أمام قادة العالم محذرًا إياهم: «عندما تُقاتل دولة نووية حتى آخر نفس، سيكون لذلك آثار تتجاوز حدود» ذلك البلد. كان هذا جزءًا من خطاب عمران خان، رئيس الوزراء الباكستانيّ في الأمم المتحدة في 27 سبتمبر (أيلول) المُنصرم، في سياق حديثه عن كشمير واستعداد باكستان، ذات القدرات النووية، للقتال حتى النهاية دفاعًا عن كشمير، ذات الأغلبية المسلمة.

يوافق خطاب خان مرور 55 يومًا على فرض حظر التجوال في مقاطعة كشمير الهندية، بعدَ أن قررت الهند إلغاء حكم الكشميريين الذاتيّ، مُرسلةً 900 ألف جندي ملؤوا المقاطعة بأكملها. جذرت باكستان من وقوع حرب نووية، وحذّرت مثلها مؤسسات حقوقية دولية من وقوع مذبحة بحقّ الكشميريين.

لم تكن تحركات مودي وحكومته مفاجئةً لباكستان ولا للكشميريين، فمودي، الذي فاز برئاسة الوزراء مرتين، عامَ 2014 و2018، حصَّل حزبه في كلا المرتين أغلبية برلمانيّة، ما جعل فضّه لاستقلالية مقاطعة كشمير سهلًا وسريعًا رغمَ رفض المعارضة الهندية للقرار.

هذا القرار جزءٌ أساسي في حملة مودي الانتخابية الأخيرة، التي وعدَ هو ومسؤولو حزبه فيها بإيجاد «حل نهائيّ» لقضية كشمير في حال فوزهم. حزبه، بهاراتيا جاناتا، يعود في أصوله لحركة هندوسية تمييزية قديمة، تأسست عام 1925، وتفرّع عنها هذا الحزب الذي يرى أن الهند يجب أن تكون هندوسيةً، وشعبها هندوسيّ. اكتسب الحزب شهرته من الأساس بعد حملة قام بها لهدم جامعٍ بابري في مدينة أيوديا شمال الهند، وهُدم المسجد بالفعل في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، وتلا ذلك اضطرابات شعبية بين المسلمين والهنود راح ضحيتها 2000 معظمهم من المسلمين.

هنديون هندوسيون متطرفون مناصرون للحزب يعتلون مآذن المسجد بعد اقتحامه.

مذبحة مشابهة وقعت عام 2002 يُتهم بالضلوع فيها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الحاليّ عندما كان حاكمًا لمدينة كجرات، راح ضحيتها 1000 قتيل معظمهم مسلمون.

لكل هذه الأسباب كان صعود مودي لحكم البلاد مثيرًا لمخاوف المسلمين في الهند، الذين يشكّلون 14% من سكانها البالغ عددهم 1.5 مليار نسمة. وكذلك أثار مخاوف سكان كشمير، وجيرانهم الباكستانيين.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
«ن. تايمز»: الهند تخطط لوضع ملايين المسلمين في معسكرات اعتقال.. ماذا ينتظرهم؟

في هذا السياق، وبعد اجتياح الجيش الهندي لكشمير، زارَ مودي دولة الإمارات لعقد مباحثات لتعزيز تعاون البلدين استراتيجيًا وإقليميًا ودوليًا. في هذه الزيارة قام ولي عهد إمارة أبو ظبي، محمد بن زايد، بتقليد رئيس الوزراء الهندي «وسام زايد»، أرفع وسام تهديه الإمارات لقادة الدول الأخرى، إعرابًا عن ما وصفته: «مدى تقديرنا واعتزازنا بدوره المحوري وجهوده في النقلة النوعية الهامة التي تشهدها علاقات الصداقة والتعاون بين دولة الإمارات وجمهورية الهند في مختلف المجالات»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية.

من الجدير بالذكر أن كشمير لم تكن على قائمة القضايا الإقليمية «ذات الاهتمام المشترك»، رغمَ تأكيد الطرفين على «الحاجة الملحة لمواجهة التطرف والعنف والإرهاب بأشكاله وصوره كافة». بهذه البساطة تختفي قضيّة كشمير من المشهد، وتتحول، في تصريح لعبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي، إلى مجرد «خلاف» بين بلدين، وأن القضية لا يجب أن تتحول لقضية «أمة».

هذا التكريم هو قمة الجبل الجليدي فحسب بين البلدين الذين تربطهما علاقة وصفها رئيس الوزراء بأنها «في أفضل أحوالها على الإطلاق»، فقيمة التعاون التجاري بينهما تصل إلى 60 مليار، ويُخطط أن تصل لـ100 مليار بحلول عام 2020، وتعدّ الهند ثاني أكبر شريك تجاريّ للإمارات.

سياسة

منذ سنتين
كشمير.. «فلسطين الثانية» التي لا نعرف عنها الكثير

في أقل من أسبوع بعد التحرك الهندي ضدّ كشمير، أعلنت شركة النفط السعودية «أرامكو» عن استثمار قيمته 15 مليار دولار أمريكيّ نقدًا، في شركة «ريلاينس إندسترز ليمتد» للصناعات النفطيّة، وتأتي هذه الصفقة في إطار وعد من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، للهند باستثمارات تبلغ قيمتها على الأقل 100 مليار دولار. عدا عن ذلك.

على جانب آخر بإمكانك الإطلاع على ما يقوم به مودي منذ فوزه بحق الطوائف الأخرى المخالفة لعقيدة الأغلبية وعلى رأسهم طائفة المسلمين:

دولي

منذ سنة واحدة
ماذا يعني أن تكون مسلمًا في الهند التي يحكمها مودي؟

نفط خليجيّ في ماكينة المحافظين البريطانية

بالهدايا، والرحلات المرفّهة، والمناصب الاستشارية، تمرر بعض الدول الخليجية مالها السياسيّ لتخترق السياسة البريطانية، تحديدًا من خلال حزب المحافظين.

نشرَ البرلمان البريطانيّ أرقامًا توضح قيمة هدايا، ونفقات سفر خارج المملكة المتحدة، لأعضاء البرلمان، مع تفاصيل هذه النفقات ومَن تكفّل بها وأهدافها. هذا التقرير عن المصالح المالية لأعضاء البرلمان ينشر بشكل سنويّ.

أظهر التقرير إنفاق السعودية، منذ عام 2013، ما يزيد عن 242 ألف دولار على رحلات لـ41 برلمانيًّا بريطانيًا، «لتقوية العلاقات الدبلوماسية البريطانية السعودية». رَعَت دول خليجية أخرى رحلات لها: الإمارات (152 ألف دولار)، والبحرين (142 ألف دولار)، وقطر (130 ألف دولار).

دَعَت السعودية في رحلاتها 41 عضوًا في البرلمان جميعهم محافظون إلا واحد منهم. وزيارات باقي الدول معظمها، بنسبة 80%، من برلمانيين محافظين، وتتضمن هذه الرحلات تذاكر طيران على الدرجة الأولى، وإقامة في فنادق فاخرة مع وجبات طعام فاخرة.

مثال بسيط على هذه الرحلات السياسية، استضافةُ السعودية في سبتمبر (أيلول) 2017 لوفد من أربعة محافظين (9500 دولار كلفة كل فرد)، أحدهم كان رئيسًا لمجلس حزب المحافظين للشرق الأوسط، وامتدّت الرحلة لستّ أيام قابلوا فيها مسؤولين سعوديين منهم الملك سلمان. رحلة مماثلة تمت للإمارات. هذا عدا عن الهدايا مثل الساعات باهظة الثمن.

صور لوفد المحافظين أثناء زيارتهم للملكة العربية السعودية، ومقابلتهم للملك سلمان بن عبد العزيز.

هذه الرحلات والهدايا، والمناصب الاستشارية المدفوعة، تحوّل بعض أبناء ونواب حزب المحافظين إلى مروّجين للسياسات السعودية ومدافعين عنها، وأهم ملف في هذا الشأن صفقات السلاح مع السعوديّة، في ظلّ حربها المدمّرة في اليمن.

منهم ريهمان شيشتي، النائب المحافظ الذي يعمل الآن مبعوثًا خاصًا لبريطانيا لحقّ حرية الإيمان والاعتقاد، وسرعان ما يظهر على حسابه في تويتر إعجابه بالسعودية والبحرين، وزياراته للبلدين. أثارت علاقات شيشتي مع السعوديين تساؤلات داخل بريطانيا، أظهرت التحقيقات بعدها أنّه يتقاضى 2500 دولار شهريًا من مركز يديره الأمير تركي الفيصل، رئيس جهاز المخابرات السعودي الأسبق، نظير عمله مستشارًا فيه.

إسبانيا.. السعودية ومعارضون إيرانيّون على مائدة حزب الإسلاموفوبيا

حزب إسبانيّ يمينيّ، اسمه «فوكس»، يجمع منظمة «مجاهدي خلق» مع المخابرات السعودية، ممثلةً برئيسها السابق تركي الفيصل، الذي ظهرَ في مؤتمرها بباريس ليقول لهم: «أنا أيضًا أريد إسقاط النظام» في إيران. ومنظمة مجاهدي خلق هي منظمة تُعارض النظام الإيراني الحاكم، وكانت قد شاركت في الثورة الإيرانية عام 1979 ثم أقصاها النظام من المشهد وسط حالة قمعية كبيرة وتحوّلت للمعارضة من الخارج.

حزب فوكس حزبٌ يمينيّ بخطاب معادٍ للمهاجرين، ويصنّفهم لمهاجرين جيدين وآخرين يجب التخلّص منهم بعد وصولهم لإسبانيا، ويريد إغلاق الحدود في وجه من لم يصلوا بعد منهم. يواجه الحزب عدّة اتهامات بنشره لخطاب الإسلاموفوبيا المتمثل في كراهية ومعاداة للإسلام، بتحذيره من «غزو إسلامي» جديد لأوروبا، وبدعوة بعض أعضائه لإحياء «إعادة الفتح»، في إشارة لمحاولات إعادة السيطرة على الأراضي الإسبانية بعد أن حكمها المسلمون الأندلسيون لفترة طويلة.

تأسّس الحزب المتهم دومًا من اليسار بالترويج للإسلاموفوبيا في ديسمبر (كانون الأول) 2013، ليتلقّى في ذات اليوم الذي سُجّل فيه تمويلًا «إيرانيًا»، من أعضاء في منظمة مجاهدي خلق المذكورة. وفي الفترة بين تأسيسه وبين أوّل انتخابات خاضها، انتخابات البرلمان الأوروبي في أبريل (نيسان) 2014، تلقّى الحزب مليونًا و70 ألف دولار من ممولين إيرانيين من المنظمة، التي تموّلها السعودية «بلا أدنى شك»، كما يقول مسؤول سابقٌ فيها. وبحسب تقرير «فورين بوليسي» الأمريكية الشهيرة فإن الحزب لم يكن ليستمر لولا هذا التمويل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد