أنت الآن أمام الجامع الأزهر بالقاهرة، في أعماق القاهرة التاريخية، والتي يفضل البعض تسميتها بالقاهرة الفاطمية. على بعد خطواتٍ منك نهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي من جهة شارع الأزهر، وفي مقابلها على الجهة الأخرى من الشارع واحدة من أشهر مناطق القاهرة التجارية والأثرية في آن، وهي منطقة الغورية التي تزدهر بتجارة الأقمشة والملابس، وتجهيزات العرائس. أول ما سيصادفُك في حي الغورية، هو ما يسمى بمجمع الغوري، نسبة إلى السلطان المملوكي قبل الأخير للقاهرة، قنصوة الغوري (906- 922هـ) والذي أنشأ هذا الحي، وفي القلب منه وكالة تجارية كبيرة، وبالطبع مسجدٌ يحمل اسمه، على عادة سالفيه من سلاطين المماليك.

إذا جعلت شارع الأزهر في ظهرك، وسرت في شارع الغورية الضيق بضع دقائق، ستجد نفسك أمام أحد أشهر العمائر الباقية من قاهرة العصور الوسطى.

بمئذنتين فارعتين، فائضتي الإباء والتحدي، يتتوج باب زويلة التاريخي الشهير، الذي عُلِّقَت عليه على مدار مئات السنين، رؤوسُ الكثير من أخيار القاهرة، وأسافل سافليها. لكن هل من الطبيعي أن يحمل أحد أبواب القاهرة مئذنتيْن؟

بجوار باب زويلة، ستجد الإجابة. مسجد ضخم البنيان، تلتحم جدرانه بسور القاهرة القديم، وباب زويلة. ينتسب أيضًا إلى العصر المملوكي، لكنه أقدم بحوالي 100 عام من مسجد الغوري. يُعرَف هذا المسجد في المنطقة باسم مسجد المتولي، لأن متولي ناظر السوق منذ مئات السنين، كان يتخذ لنفسه مجلسًا بجوار هذا المسجد. لكن اسمه الأصلي هو جامع المؤيد شيخ، نسبة إلى السلطان المملوكي المؤيد شيخ المحمودي، والذي اعتلى عرش القاهرة لتسعة أعوام 815- 824هـ الموافقة 1412- 1421م، وهو السلطان الثالث من دولة المماليك الشراكسة. لكن لماذا نخص هذين الجامعين العتيقين بالذكر؟!

مسجد السلطان الغوري، حي الغورية، القاهرة

عودة إجبارية إلى التاريخ

أصل المماليك يعود إلى العبيد البيض الذين كانوا يُجلَبون صغارًا من أسواق الرقيق، وبعد الحروب في آسيا الوسطى والقوقاز، ويتم تعليمهم الإسلام، وإتقان الفروسية، وفنون القتال. كان الواحد منهم ينتسب إلى رفقائه من المماليك، وإلى الأمير الذي يدين له بالولاء. استكثر أمراء الدولة الأيوبية من جلب هؤلاء، خاصة الصالح نجم الدين أيوب، والذي استعان بجهودهم وولائهم في رحلته الشاقة لاعتلاء عرش القاهرة بدلًا من أخيه العادل سيف الدين. توفي الصالح في وقتٍ عصيب أثناء حملة لويس التاسع الصليبية على مصر، فأجاد مماليكه، وفي القلب منهم زوجته المملوكية شجر الدر، إدارة المعركة الفاصلة، وضبط الأمور حتى تحقَّق الانتصار، ثم تخلصوا من توران شاه ابن الملك الصالح، الذي جاء من حصنه في جنوب تركيا ليرث عرش أبيه، واصطدم بقادة المماليك.

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

عام 1250م الموافق 648هـ، نصَّب المماليك شجر الدر سلطانة على مصر، وكان هذا إيذانًا بقيام دولة المماليك، التي تتسيَّد فيها تلك الطبقة العسكرية، وتقبضُ بيدٍ من حديد على مقدرات مصر وما يدين بسلطانها من أقاليم العالم الإسلامي. جاء انتصار المماليك على التتار في موقعة عين جالوت عام 1260م الموافق 658هـ، وما تلاه في العقود التالية من سحق سلاطين المماليك الأقوياء بيبرس وقلاوون وأبناء قلاوون لبقايا الوجود الصليبي في الشام، بمثابة صكٍّ للشرعية، جعل العامة والخاصة في مصر والشام يقرون بالولاء لحكم هذه الطغمة العسكرية، وتحمل أثمان هذا الحكم في مقابل حربهم ضد الأعداء الخارجيين، وحفظهم الأمن والاستقرار بالداخل.

انتهى عصر سلطنة المماليك بعد حوالي 270 عامًا، سنة 923هـ الموافقة 1517م، بعدما سحقت جيوش الخليفة العثماني سليم الأول الجيش المملوكي في موقعتيْ مرج دابق ثم الريدانية، ونجاحه في ضم مصر إلى الأقاليم العثمانية.

مساجد القاهرة «الحرام»

لا يختلف اثنان عند سماع كلمة (المسجد الحرام) أنه يعني الحرم المكي، حيث الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين، التي حرَّم الله سبحانه وتعالى الإفساد فيها. وارتباط تلك الكلمة بالحرم المُشَرَّف قد أكسبَها شرفًا، وجعل مدلولها باعثًا على العظمة والقدسية. لكن كما نعلم جميعًا، فإن السخرية تقوم في جانب بارزٍ منها على التلاعب بالألفاظ، وعكس مدلولاتها المقصودة لإيصال المعنى الذي يريده الساخر.

باب زويلة- القاهرة، وتعلوه مئذنتيْ جامع المؤيد شيخ- المصدر ويكيبيديا

ونظرًا إلى أن تاريخ مصر يكاد يكون سلسلةً متصلةً من الحكم الفردي الاستبدادي على تنوعات درجاته، وقلة حيلة الشعب القابع على ضفاف النيل في أغلب الفترات على مجابهة هذا، فإن المصريين دائمًا ما لجؤوا إلى أسلوب السخرية للتنفيس عن مكنوناتهم تجاه حكامهم، وبرعوا في هذا بطول التدريب. من أمثلة وقائع السخرية القاسية، إطلاق المصريين لفظ «المسجد الحرام»، بمعناه الحرفي من الحرمانية ومخالفة مقصودات الشرع، لا بمقصوده المقدَّس، على بعض المساجد المملوكية.

اشتهرت تلك السخرية في واقعتين تاريخيَّتين؛ جامع المؤيد شيخ المحمودي، وجامع الغوري. إذ كان بناء العمائر التي تخلِّد ذكر صاحبها من الهواجس المهيمنة على سلاطين المماليك وأمرائهم، وتشهد الآثار المملوكية في القاهرة وسواها على مئات من المساجد والمدارس والمشافي والوكالات.

مسجد المؤيد شيخ.. قبو السجن الذي صار تحفة معمارية برغم الطاعون

تولى المؤيد شيخ حكم مصر عام 1412م الموافق 815هـ، وكان منذ صباه من مماليك السلطان المملوكي الظاهر برقوق، الذي يبدأ المؤرخون بعصره القسم الثاني من زمن المماليك، وهو عصر المماليك الشراكسة. أخذ المؤيد يتقدم في الرتب حتى صار من كبار الأمراء الظاهرية. لكن في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق، تقلَّبَت به الحظوظ في بعض صراعات السلطة والنفوذ، حتى سجنه الناصر فرج.

تذكر الروايات أنه أثناء سجنه في القاهرة، دعا الله إن خرج من محبسه، ودالت له الأيام، أن يحول مكان ذلك السجن إلى جامع كبير. بالفعل خرج المؤيد شيخ من محبسه، وتمكن بعد سنوات من اعتلاء عرش القاهرة عنوة بعد تمرد كبير خاضه مع بعض الأمراء ضد الناصر فرج بن قلاوون، والذي راح ضحيةً لهذا التمرد.

مسجد المؤيد شيخ من الداخل، وتظهر في الخلفية المئذنتان أعلى باب زويلة- المصدر ويكيبيديا

انشغل المؤيد شيخ في سنيّ حكمه الأولى بالعديد من الصراعات الداخلية مع منافسيه من المماليك، والتي أنهكت خزينة الدولة، وراح ضحيتها الكثير من الجند والأمراء، ونجح المؤيد في حسمها لصالحه. وفي عام 818هـ الموافق 1415م، بدأ المؤيد شيخ في الإيفاء بنذره، وأمر بوضع أساسات الجامع الكبير الذي سيحمل اسمه. أراد المؤيد أن يجعله آية في الضخامة والفخامة معًا، فصادر -طوعًا وكرهًا- العديد من الحارات، والمنشآت، والعمائر، والبيوت من حوله، ليضم كل تلك المساحات إلى جامعه الكبير، واستمرَّ هدم كل تلك المباني شهورًا عديدة، وتضرَّر المئات من الناس من هذا، خاصة مع فشوّ الغلاء في القاهرة خلال تلك الأيام.

في المقابل كان المؤيد يحمل الكثير من تناقض المماليك الذي اشتهروا به، فأمر في مطلع العام التالي بتوزيع الكثير من الصدقات على فقراء القاهرة ومساكينها الذين أثخنهم الغلاء على مدار الشهور السابقة. وبرغم الطاعون الذي أصاب القاهرة في العام نفسه وذهب بأرواح العشرات؛ أمر بتكثيف العمل في بناء جامعه، وبجلب أجود أنواع الرخام من كل مكان من أجل تجهيز الجامع الجديد، حتى نقص الرخام في القاهرة، وغلا سعره أضعافًا، فما كان من السلطان إلا أن قام بمصادرته من بيوت الأعيان وقصورهم في القاهرة. وأمر كذلك بإحضار باب مدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، التي تأسست قبل أكثر من نصف قرن من زمنه، وذلك لما اشتهر به هذا الباب من جمال الصنعة، وروعة الزخارف.

إبراهيم بوركهارت.. «الشيخ» الأوروبي الذي حج البيت واكتشف البتراء وأبو سمبل

رغم ذلك لم يمر هذا العام، إلا وقد أصدر المؤيد تعليماتٍ قاطعة أرضت الكثير من المصريين، بإلزام خطباء الجمعة بالنزول درجة على سلم المنبر عند الدعاء للسلطان، تواضعًا عن أن يكون الدعاء له على الدرجة نفسها التي يّذكَر عندها اسم الله سبحانه وتعالى، ويُصلَّى على نبيه عليه الصلاة والسلام. في العام التالي 820هـ الموافق 1417م، بعد عودة السلطان من جولة طويلة بالشام لضبط أموره، وقمع بعض الفتن والتمردات، أمر بمد سماطٍ عظيم للطعام في جامعه الكبير الجديد، تأكيدًا لسلطانه، واحتفالًا بانتصاراته على خصومه، وبالجامع في آن.

لكن عام 821هـ الموافق 1418م؛ حدثت واقعة بارزة ذات علاقة بجامع المؤيد. تمَّ هدم إحدى مئذنتيْ الجامع، والتي تم إنشاؤها أعلى برج باب زويلة، لعيب هندسي، أدى إلى ميلها، حتى خُشِيَ من انهيارها في أية لحظة. تسبَّبت عملية الهدم في تعطيل المرور عبر الباب لأكثر من شهر. ذاعت مئات الأبيات من الشعر التي تندَّرت بهذه الواقعة، ومنها هذان البيتان الحادان للشيخ تقي الدين أبي بكر في توجيه اللوم إلى الأمير شهاب الدين البرجي، محتسب القاهرة، الذي كان مشرفًا على عملية بناء تلك المئذنة.

على البرجِ من بابي زويلة أُنشِئَتْ ـــــــ منارةُ بيت الله والمنهلِ المُزجى

فأخنى بها البرجُ اللعينُ أمالَها ـــــ ألا صرّحوا يا قوم باللعن للبرجى

جامع الغوري «الحرام».. الذي تكلف 100 ألف دينار

هذه قاعة تاجر. *السلطان العثماني سليم الأول بعد احتلال جيوشه للقاهرة، ساخرًا من البهرجة والزخرفة الزائدة في جامع الغوري

تولى قنصوة الغوري حكم الدولة المملوكية عام 1501م الموافق 906هـ بضغط من الأمراء، خروجًا من حالة الاضطراب والتنازع على السلطة. حاول الرجل القيام ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية، لكن كان الخرْقُ قد اتَّسَعَ على الراتِقْ كما يقول المثل. إذ كانت مشكلات الدولة المتراكبة على مدار السنين والقرون قد حجبتْ وجه الشمس، وكان الفساد قد ضرب بأجنابه في الطبقة المملوكية المهيمنة على مقدرات البلد، والتي كان شغلها الشاغل هو فرض الضرائب على الناس، والتصارع في ما بينها على المناصب والإقطاعات. لذا لم تنجح همة الغوري وجهوده في إحداث فارق جوهريّ في مصير تلك الدولة الشائخة، رغم ضخامة المساحة الخاضعة لعرش القاهرة آنذاك، من مناطق الشام والعراق واليمن والحجاز والنوبة وغيرها.

لوحة فنية لإيوان القبلة للفنان ديفيد روبرتس تعود إلى عام 1838

كانت الأوضاع الخارجية تنحدر من سيئ لأسوأ، لتزامن وهن الدولة، مع تعاظم قوة ونفوذ خصومها، خاصة البرتغاليين، الذين أحكمت أساطيلهم الخناق على خطوط التجارة المملوكية التي كانت شريانًا اقتصاديًّا جوهريًاّ للدولة على مدار تاريخها، وكذلك العثمانيين، الذي كانت دولتهم في طور التوسع في عهد السلطان سليم الأول العثماني، الذي ركَّز جهوده على التوسع شرقًا في أراضي الدولة الصفوية في إيران، والمملوكية لاحقًا، بدلًا من نهج أسلافه في التوغل غربًا في أوروبا.

رغم كل تلك التحديات الداخلية والخارجية، لم يتخلَّ قنصوة عن عادة السلاطين السابقين في بناء الجوامع والمباني التي تحمل أسماءهم. بُنِيَتْ مجموعة الغوري عام 1503م الموافق 909هـ، وفي القلب منها جامع عظيم، أراده أن يكون آية في المعمار والفخامة. استحقَّ ذلك الجامع تجريس المصريين له بوصف المسجد الحرام، من البداية إلى النهاية. صودِرت الأرض من أحد خصوم السلطان، وصودر حولها الكثير من الأسواق والمنازل لتوسعة المساحة. تم فرض المزيد من الضرائب على الناس لتوفير المال اللازم، وحصل عمَّال السلطان على خامات البناء من التجار بأسعار بخسة، كما انتزعوا ما كان يحلو لهم من الرخام والزخارف والخامات الأخرى من المباني والمنشآت القائمة لإضافتها للجامع الجديد. وبلغت التكلفة الكلية للبناء حوالي 100 ألف دينار.

العدلُ هو الحلّ.. قصة الجامع الذي كاد عمر بن عبد العزيز أن يحوّله إلى كنيسة!

بعد أقل من 13 عامًا من إتمام هذا البناء الضخم الذي ما يزال قائمًا بين آثار القاهرة التاريخية، أصبح صاحبه جزءًا من التاريخ، عندما سقط صريعًا تحت سنابك الخيول العثمانية في موقعة مرج دابق عام 1516م الموافق 922هـ، وبعد ذلك بأقل من عامٍ، سقطت الدولة المملوكية بعد أن تلقَّت الضربة القاضية في موقعة الريدانية قرب القاهرة، وأصبحت مصر ولاية عثمانية.

هل كان هناك سوى هاتين الواقعتين؟

من استقراءٍ بسيط لعصر المماليك في مصر، وما كان يغلب على حكَّامه من الطابع الاحتلالي، والفردانية، والبطش، والعسف، والولع بجباية الضرائب، وبالمنشآت الفخمة كذلك، يمكننا بسهولة أن نستنتج أن هناك الكثير من المساجد الحرام في القاهرة غير هذين المذكورين، وأنهُ رغم أكثر من خمسة أو ستة قرون تفصلنا عن زمنهما، فإن عصر المماليك يبدو وكأنه لا يزال قائمًا في مصر، وإن اختلف مماليكه وأصولهم كثيرًا أو قليلًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد